أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » تركيا وكوابيسها الإيرانية /

تركيا وكوابيسها الإيرانية /

في قاعة اجتماعات كبيرة في أنقرة في 20 تموز/يوليو، حيث كان الجمهور يستمع إلى مساعد وزير الخزانة الأميركي لتمويل الإرهابي مارشال بيلينغسليا في جلسة مغلقة، راودت أحلام اليقظة رجال الأعمال الأتراك بأنهم سيصبحون أكثر ثراء من خلال الحصول على وضع خاص بشأن إيران مثلما كان الأردن في التسعينات عندما كان هناك حظر على العراق خلال عهد صدام حسين.

لكن كوابيس الدبلوماسيين الأتراك في الغرفة نفسها كانت تزداد سوءًا من خلال إدراكهم، أن مشكلة كبيرة مثل سوشد إلحاحا. رسالة بيلينغسليا أو الأصح إنذاره كان واضحا جدا. “إذا كانت الشركات التركية ترغب في مواصلة التعامل مع الإيرانيين في تلك المجالات المحددة، (النفط أساساً) ، يجب أن يفهموا أنهم لن يقوموا بأي أعمال في السوق الأميركية أو ضمن النظام المالي للولايات المتحدة”.

هذه أخبار سيئة للغاية لتركيا. فالبلاد تعتمد على الواردات لتلبية جميع احتياجاتها من الطاقة تقريباً. وفي الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، اشترت تركيا ثلث نفطها أي حوالي 3.077 مليون طن، من إيران. العقوبات الأميركية سيتم توسيعها في 4 تشرين الثاني/نوفمبر وستكون ضد جميع المؤسسات المالية المتعاملة مع البنك المركزي الإيراني والمؤسسات المالية الإيرانية الأخرى. وهذه أخبار أسوأ بالنسبة لتركيا التي يزداد اقتصادها هشاشة كل يوم. ويبلغ حجم تجارتها مع إيران حوالي 12 مليار دولار وتشترك معها في حدود طولها 600 كيلومتر.

بعض رجال الأعمال الذين كانوا يستمعون إلى بيلينغسليا فكروا أنه حسناً ، إذا كانت هناك عقوبات لممارسة الأعمال التجارية مع إيران بالدولار، عندئذ سنفعل ذلك بالذهب كما فعلنا من قبل. لكن بيلينغسليا أخبرهم أن “العقوبات على الخزانة ستنفذ بشراسة وبقوة وشمولية… ومن المؤكد أنها ستكون فكرة سيئة للغاية التفكير في أنه عندما يقوم شخص ما بالتداول مع إيران بالذهب، سيتجنب التصرفات الأميركية، إذا حدث ذلك”.

بعض رجال الأعمال الآخرين يعتقدون أن تركيا سوف تجد طريقة للإفلات من العقوبات، لأن وزير خارجيتها مولود تشاوش أوغلو قال مؤخراً إن أنقرة لن تقطع علاقاتها التجارية مع إيران بناء على طلب من دول أخرى. لذلك كان بعض رجال الأعمال يفكرون في أن بإمكان تركيا التقدم بطلب إلى الأمم المتحدة للحصول على إعفاءات وفق المادة 50 من قانون الأمم المتحدة مثلما حصل مع الأردن.

لكن بيلينغسليا لم يسمح بذلك النوع من أحلام اليقظة أيضاً قائلاً: “نحن حساسون جداً بشأن التأثير الذي يمكن أن يحدث على الاقتصاد التركي. هذا هو السبب في أننا نناقش مسائل محددة للغاية جدا لمصادر قلق كلا البلدين. في هذه المرحلة، لسنا في وضع يمكننا من القول أننا نمنح التنازلات أو الإعفاءات. سيكون من السابق لأوانه مناقشة ذلك”.

لكن نظراء بيلينغسليا الأتراك يدركون جيداً أن الأمر لا يتعلق بالاقتصاد. إنهم يعرفون أن عليهم إما أن يقفوا مع الأميركيين أو الإيرانيين وأن كلا الخيارين تكاليفه باهظة بكل الوسائل.

إذا اختارت أنقرة الوقوف إلى جانب واشنطن، فستكون هناك فواتير يجب دفعها على المدى القصير: أسعار النفط التي تزداد بالفعل، ستكون أعلى، والعقوبات على إيران ستخلق المزيد من الضغط على الاقتصاد الهش بالفعل. الإيرانيون قد يخلقون مشاكل بالنسبة إلى حوالي 30 ألفاً من الشاحنات التركية المتجهة إلى آسيا الوسطى عبر إيران. عدد السياح الإيرانيين الذي كان 800 ألف للأشهر الأربعة الأولى من هذا العام سينخفض بشكل حاد. يمكن لإيران أيضاً معاقبة تركيا على الوقوف إلى جانب الأمريكيين عبر استخدام ورقة حزب العمال الكردستاني.

أمّا إذا قررت أنقرة أن تنحاز إلى جانب طهران، فإن العلاقات المضطربة بالفعل مع واشنطن ستزداد سوءاً ويمكن طرح فواتير لا يمكن تصورها أمام تركيا من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تبدو عازمة للغاية على الحد، على الأقل، من التأثير الإيراني في الشرق الأوسط. كذلك لا يخفي ترامب أمله في أن تؤدي العقوبات إلى نزاعات إيرانية داخلية قد تؤدي في النهاية إلى تغيير النظام في طهران.

ومع ذلك، فإن أحلام اليقظة الخاصة بترامب لن تتحقق بسهولة. إيران ستقاوم بكل الوسائل. قد تزيد من عدم الاستقرار في العراق وسوريا ولبنان، وقد تستخدم البطاقة الكردية ضد تركيا. كما أن احتمال حدوث المزيد من عدم الاستقرار قد يؤدي إلى وصول المزيد من اللاجئين إلى تركيا.

الأميركيون على المدى القصير يأملون أيضا في إخراج تركيا من دائرة التعاون الروسي الإيراني في سوريا. وهذا يوفر فرصة لأنقرة للتفاوض حول قضايا أوسع مثل دعم الولايات المتحدة لحزب العمال الكردستاني، وتسليم فتح الله غولن الذي يعتبر مسؤولاً عن محاولة الانقلاب في تركيا وأكثر من ذلك. ولكن في نهاية المطاف فإن الأميركيين بعيدون جغرافياً، والإيرانيون جيران قريبون، والكوابيس يمكن أن تتحول إلى حقيقة واقعة بسهولة.

almodon



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع