أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » مي سكاف.. رحلت الغاضبة / هتافات متظاهرو حماة : “يا وزير الأوقاف، قول للبوطي ما يخاف، ويتعلم من مي سكاف”

مي سكاف.. رحلت الغاضبة / هتافات متظاهرو حماة : “يا وزير الأوقاف، قول للبوطي ما يخاف، ويتعلم من مي سكاف”

ربما كانت الممثلة السورية الراحلة، مي سكاف، التي فارقت الحياة في منفاها القسري باريس، واحدة من أكثر الشخصيات التي انقسم حولها السوريون بعد ثورتهم على نظام الرئيس بشار الأسد. ومع الحزن الذي يغمر مواقع التواصل الاجتماعي على البطلة التي شاركت في المظاهرات الحاشدة في دمشق قبل ثماني سنوات، يبدو التوقيت الذي رحلت فيه مي، لافتاً لتزامنه مع الأيام الحالية التي تحتضر فيه الثورة السورية في عيون كثيرين.

ويصعب تذكر مي من دون ملامح الغضب الهائل داخلها، والذي كان السمة الأولى لنشاطها، وربما ازداد ذلك الغضب يوماً بعد يوم إثر “فشل” الثورة السورية، لأسباب متعددة. لكن مي التي آمنت بحق السوريين في الحرية والحياة بلا خوف، بقيت على مبادئها، وباتت بشكل ما مرآة لحالة البلاد، بداية من الحماس والإيمان بالتغيير الديموقراطي وحقوق الإنسان، إلى التهجير القسري نحو الأردن وفرنسا العام 2013، بسبب الاعتقال التعسفي مرات عديدة، في فترة كان فيها النظام السوري مروعاً على مستوى الاعتقال والقتل والمضايقات للنشاطين المعارضين، قبل تحول الثورة نفسها إلى الأسلمة والعسكرة.

ومع اللجوء والبعد عن البلاد وتحول الثورة إلى حرب أهلية متداخلة مع حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، لم يصبح صوت مي مجرد رمز للزمن الجميل الذي أعطى أملاً للملايين بإمكانية التغيير، على غرار أصوات أخرى مالت نحو اليأس مثل الفنانة الراحلة فدوى سليمان، على سبيل المثال. بل كانت صوتاً غاضباً حانقاً لا يمكن إيقافه، يطالب بالانتقام لكل نقطة دم وكل صرخة في ظلام السجون، كان النظام مسؤولاً عنها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

الفرق بين مي وفدوى، أن طوباوية الأخيرة دفعتها إلى ما بات يأسها، بعكس مي التي دفعها يأسها إلى غضبها. كما أن الثورة أظهرت ابتعاد مي عن النخبوية التي ميزت العديد من فناني الثورة، وبالتالي كانت طريقتها العفوية في منشوراتها في “فايسبوك” طريقة سريعة لإثارة الاهتمام حول سوريا التي باتت مع مرور السنوات مجرد خبر ممل آخر في نشرات الأخبار.

ومن هنا كانت مي دائماً في شجار إلكتروني مع أحدهم، انحيازاً لمبادئ الثورة. فلا يمكن نسيان تحديها للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، لسحب عناصر الحزب من سوريا، أو حديثها الدائم عن بشار الأسد كمجرم حرب. ولعل أكثر لحظاتها جدلاً كان ذلك المنشور الغاضب الذي وجهته للفنانة الراحلة رندا مرعشلي، بعد وفاتها مباشرة، لتسألها فيها: “ماذا ستقولين لربك؟ انك هتفتِ بإسم طاغية كان يقتل الأبرياء؟”. لم يكن ذلك شماتة في الموت بالطبع، بقدر ما كان استجابة لطبيعة مي التي لا تعطي أعذاراً للأخطاء ولا ترى الحياة إلا في لونين: أبيض وأسود، عندما يتعلق الأمر بمسار الثورة، وببلاد ترتكب فيها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في كل لحظة.

ورغم ذلك، كانت مواقف مي حادة لدرجة لا تعجب الكثيرين من مفضلي اللباقة والدبلوماسية، وتحديداً من امرأة. لكن مي لم تكن امرأة عادية بل كانت امرأة قوية وقائدة وحرة، وهي صفات كانت ملازمة لها في سوريا في حقبة ما قبل الثورة السورية أصلاً، ويمكن تلمسها في أدوارها الفنية، بداية من الفتاة الثورية التي تقود المظاهرات في الخمسينيات (خان الحرير) إلى الأم القوية إلى حد القسوة (الشمس تشرق من جديد)، وغيرها.

وبمعزل عن الإعجاب بكونها إنسانة مبدئية، كانت صحة تلك المبادئ وحدّة التعبير عنها، سبباً في الجدل السوري-السوري حول مي، التي أثارت حفيظة كثيرين، بما في ذلك بعض المعارضين أنفسهم. ويبرز هنا موقفها من الأكراد في البلاد، وتحديداً في معركة عفرين الأخيرة التي وقفت فيها إلى جانب القوات السورية الموالية لتركيا. كما أن ذلك هو السبب الذي يجعل وفاة وفاة مي تحصد شماتة من قبل الموالين للنظام، أكثر من أي شخصية معارضة أخرى رحلت قبلها.

ولدت مي في مدينة دمشق العام 1969، وكانت من أم مسيحية وأب مسلم ما أكسب انضمامها لصفوف الثورة منذ أيام الأولى زخماً كبيراً، لكونها دليلاً على أن الثورة لم تكن سنّية، أو ثورة أكثرية ضد الأقليات، بل حركة تطالب بإصلاحات سياسية عميقة. وتعود معارضتها للنظام لسنوات ما قبل الثورة السورية، عندما وقّعت “إعلان دمشق” العام 2005، ويمكن تلمس مدى أيقونيتها الثورية في الهتافات التي ألقاها متظاهرو مدينة حماة: “يا وزير الأوقاف، قول للبوطي ما يخاف، ويتعلم من مي سكاف”.. أو “مي سكاف يا صوت الحق، سكَّتوها قالت، لأ، ويلا ارحل يا بشار”.

هكذا كانت مي، ثائرة لا معارضة فقط، كذّبت حتى اللحظة الأخيرة فكرة الإرهاب الذي أراد النظام طمس الثورة السورية به. صاحت مرة: “الله محيي الإرهاب”، إن كانت الثورة إرهاباً. وكان منشورها الأخير في “فايسبوك”، تجسيداً لحياتها بالكامل: “لن أفقد الأمل… لن أفقد الأمل.. إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد”، وكأنها كانت تودعنا جميعاً من دون أن نشعر بأن رحيلها المؤلم كان أسرع مما يجب

almodon

وليد بركسية
كاتب سوري



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع