أخبار عاجلة
الرئيسية » ترجمات » “ديلي بيست” في تحقيق ضخم: الأسد تعاون مع تنظيم الدولة منذ عقد من الزمن

“ديلي بيست” في تحقيق ضخم: الأسد تعاون مع تنظيم الدولة منذ عقد من الزمن

كشف تحقيق ضخم مؤلف من ثلاثة أجزاء، أجراه المحقق الصحفي “روي غوتمان” لصالح صحيفة ديلي بيست الأمريكية، عن خفايا العلاقة بين نظام بشار الأسد في سوريا، وتنظيم القاعدة، والذي يعود بحسب الصحيفة إلى عقد من الزمن.

ويورد التحقيق في البداية تقديماً سريعاً لمجريات الأحداث حيث يقول إنه في أول مقابلة له بعد فوزه بمنصب الرئاسة، لمّح دونالد ترامب إلى أنه سيغير من السياسة المتبعة في الصراع السوري من سياسة داعمة للمعارضة المعتدلة إلى أخرى متعاونة مع نظام الرئيس بشار الأسد.

وقال ترامب: “إن سوريا تحارب تنظيم داعش، ويجب علينا التخلص من هذا التنظيم”. وفيما يتعلق بالثوار الذين دعمتهم الولايات المتحدة على نحو متقطع، أضاف ترامب: “ليست لدينا أدنى فكرة من يكون هؤلاء الناس”.

وتشكك الصحيفة بمعلومات ترامب، إذ تقول إنه يبدو أن الرئيس المنتخَب لديه معلومات خاطئة عن دور الأسد الرئيس في ظهور ما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.

وفي هذه السلسلة ثلاثية الأجزاء، يوثّق المحقق الصحفي “روي غوتمان”، الحائز على جائزة بوليترز، مساهمات الدكتاتور السوري الخبيثة في حكاية الإرهاب والرعب هذه.

وفيما يلي نص التحقيق كما ترجمه موقع “السوري الجديد”:

حاول الأسد في البداية أن يتقرب ببراعة من القادة الغربيين من خلال تصوير الثورة الوطنية ضده على أنها ثورة يقودها الإرهابيون، إلا أنه عندما فشل في ذلك، أطلق سراح المتطرفين الإسلاميين الذين كانوا قد حاربوا القوات الأمريكية في العراق، وبعدها شنّ هجمات مزيفة على المنشآت الحكومية اتهم الإرهابيين بتنفيذها.

وبعيداً عن محاربة تنظيم داعش، غضّ الأسد الطرف عندما قام التنظيم بإنشاء دولة داخل دولة لتكون عاصمتها الرقة، وسمح للولايات المتحدة وغيرها بخوض المعركة في مواجهة المتطرفين الإسلاميين.

وعندما بدأت الثورة السورية في شهر آذار عام 2011، كان الضابط عوض العلي هو المسؤول عن التحقيقات الجنائية في العاصمة السورية، وبعد عام واحد، كان كبير ضباط الشرطة في البلاد رجلاً مشهوراً.

بدأت سلسة من التفجيرات الانتحارية الغامضة، أواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول، تستهدف مؤسسات أمنية كبرى في دمشق وحلب، كبرى المدن السورية. وقام العلي خشية أن يكون الهدف التالي، باتخاذ الاحتياطات اللازمة من إغلاق الشوارع القريبة من مكتبه.

إلا أنه استنتج في وقت لاحق أن التهديد الحقيقي لم يكن صادراً عن “الإرهابيين” الذين ادعى النظام أنهم وراء التفجيرات الانتحاري، بل كان صادراً عن النظام نفسه.

وكانت أول دلالة على أن النظام هو الذي كان مسؤولاً عن التفجيرات، وقوف أحد كبار مساعدي بشار الأسد إلى جانب مكتب العلي لتفقد الترتيبات الأمنية. أما الضابط “سليم العلي”، مساعد الأسد الخاص لشؤون دمشق، والذي لا يمتّ لعوض العلي بصلة، فلم يكن هناك لكي يحثّ على اتخاذ تدابير أمنية أفضل، بل على العكس تماماً.

في يوم الجمعة الموافق لـ 16 مارس/ آذار، اتصل سليم العلي بالضابط عوض العلي من القصر الجمهوري، مقر الأسد الرئاسي. وأخبره بالتالي: “يجب أن تفتح الشوارع التي قمت بإغلاقها. هذا أمر من الرئيس بشار الأسد”.

غير أن عوض العلي أبقى على المتاريس في مكانها، وبعد ذلك بيوم واحد، هاجم انتحاريون بسيارات مفخخة مبنيين حكوميان في دمشق وآخر في منطقة التضامن، بعيداً عن أي بناء أمني. ونتيجة لذلك، توصل العلي إلى أنه كان الهدف الحقيقي لتلك الهجمات.

وفي مقابلة حصرية مع صحيفة ديلي بيست، قال العلي، الذي عُين وزيراً للداخلية والدفاع في حكومة الائتلاف: “لو أنني قمت بإزالة المتاريس، لكنت وزملائي في عداد الموتى الآن”.

إن هروب العلي أقنعه أن نظام الأسد كان قد نظّم سلسلة التفجيرات الانتحارية هذه لتبدأ قبل 3 أشهر لإجراء نسخة احتياطية لروايته التي تدّعي تهديد الإرهابيين للدولة.

وأضيفت قصته إلى المعضلة التي يواجهها القادة الغربيون في الوقت الذي يتصدون فيه لتنظيم داعش الإرهابي، الذي أعلن مسؤوليته عن إسقاط طائرة الركاب الروسية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2015، كما أعلن مسؤوليته عن مقتل 130 شخصاً في باريس في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني في العام نفسه، بالإضافة إلى تبنيه مقتل 32 مدني في بروكسل في شهر مارس/ آذار، فضلاً عن هجمات أخرى في استانبول وبغداد ودكا بنغلادش منذ ذلك الحين.

هل ينبغي للقوى الغربية التعاون مع الحكومة السورية وروسيا في محاربة هذه الجماعة الجهادية التي تتخذ من سوريا مقراً لها؟

تشير سلسلة التفجيرات الانتحارية الغامضة داخل سوريا أواخر العام 2011، إذا ما جمعت مع بعضها من مقابلات مع منشقين رفيعي المستوى وشخصيات أمنية أخرى، تشير إلى أن السؤال الحقيقي يدور حول ما إذا كان النظام يحارب المتطرفين الدينيين، أم يشجعهم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة الأمريكية، التي ترى أن إرهابيي تنظيم القاعدة هم المسؤولون عن هذه التفجيرات، لم تشارك بالحكم على عوض العلي، في الوقت الذي أيده منشقون على مستوى عال من نظام الأسد على نطاق واسع. كما رفضت وكالة الاستخبارات المركزية التعليق.

إلا أن ذلك قد يكون نتيجة لعدم استجوابه من قبل المخابرات الأمريكية، فبعد الأشهر الثمانية عشرة التي تلت انشقاقه، تلقى العلي دعوات من مسؤولين أمريكيين لمرة واحدة فقط لمناقشة كيفية إعداد قوة للشرطة في سوريا ما بعد الأسد، كما لم يوجهوا له أسئلة عما يعرفه عن نظام الأسد. علاوة على ذلك، استنتج تحقيق استغرق عامين أن المخابرات الأمريكية تجاهلت الكثير من هؤلاء المنشقين الأمنيين.

وقد قام هادي البحرة، الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض والذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، بتزكية العلي لهذا الصحفي بصفته مسؤولاً سابقاً على معرفة مباشرة بالبنية الأمنية لنظام الأسد، وأجريت هذه المقابلة في مقهى في مدينة استانبول، لتكون أول مقابلة له استمرت ست ساعات.

ووفقاً للعلي، تم تحديد وقت التفجيرات لتتزامن مع وصول وفد من الدبلوماسيين والصحفيين والشخصيات البارزة، وكان النظام يزعم في كل مرة أن الإرهابيين هم المسؤولون عن تلك التفجيرات. لكن لم تحلّ أي قضية متعلقة بتلك التفجيرات بسبب حجب العلي -الذي كان المسؤول عن التحقيق فيها- عن موقع الجريمة في كل مرة.

كما إن أحد الأسباب التي دعت مسؤولين سابقين في النظام والمراقبين عن كثب لوصف التفجيرات بأنها عمل داخلي، هو أن تلك التفجيرات تترافق غالباً مع إنذار مسبق بدءاً بالتفجير الأول الذي جرى يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول عام 2011.

وقال الضابط، الذي طلب أن يعرَّف باسم أبو سيف والذي أجريت معه مقابلة في دير الزور شرق سوريا في شهر يوليو/ تموز: “كنت أعمل في القطاع الأمني لجيش النظام، وفي يوم الخميس من ذلك الأسبوع، تلقيت تقريراً. ما زلت أذكر رقم التقرير، كان يحمل الرقم (301) ، ويقول ذلك التقرير سيقوم أحد الإرهابيين بتنفيذ تفجير ضد النظام يوم الجمعة أو السبت”.

وأضاف أن الرسالة وصلته من وكالة المخابرات العامة، التي تعد جزءاً أساسياً من شبكة الأسد، والتي صدف أن تكون هدفاً لأحد التفجيرات على نحو غريب.

وقعت التفجيرات الانتحارية في اليوم التالي على مبنيين أمنيين محصنين في حي كفرسوسة، وأول هذه الأبنية كان بناء إدارة أمن الدولة الذي كان يضمّ وكالة المخابرات العامة، أما الآخر فكان مجمعاً أمنياً عسكرياً. وقال وزير الداخلية أن التفجيرات أسفرت عن مقتل 44 شخصاً وإصابة 166 آخرين. أما علي، الذي أرسل المحققين إلى موقع الحادثة، قال أنه لم يكن هناك سوى تفجير واحد.

وقال أن الضابط أحمد ديب، رئيس مكتب المحققين في الإدارة العامة لجهاز أمن الدولة، منعه من الاقتراب من الموقع أو الالتقاء بالشهود، وردد علي قول ديب: “هذه قضيتنا، من فضلك دع الأمر لنا”. وأضاف أن ديب رفض الإجابة عن أي سؤال.

ومع ذلك، قال العلي بأن ضباطه تمكنوا من معرفة أن الشاحنة التي استخدمت في التفجير كانت قد بيعت من قبل أحد أعضاء الأجهزة الأمنية لشخص مجهول قبل أيام فقط من الهجوم الانتحاري، كما كانت تلك الشاحنة قد دخلت المبنى عن طريق ممر أرضي مخصص للموظفين الأقل رتبة.

وكان أحد العناصر في الأدلة التي استشهد بها العلي مقطع يوتيوب يظهر في الوقت الذي يدّعي فيه أحد المنشقين العسكريين (يعرَف باللواء عبد القادر الخطيب) أن أمن الدولة السورية كان قد طلب إحضار سبع جثث إلى موقع التفجير الأول.

ويعرض الخطيب في مقطع الفيديو وثيقة يقول بأنها تتضمن طلب الجثث من مشفى تشرين العسكري في دمشق في يوم التفجير، وقال العلي الذي لم يتفقّد الوثيقة، أنه يعتقد أن المقطع كان حقيقياً، أما الجهود لتحديد موقع الخطيب فقد باءت بالفشل.

كما يقول أنصار المعارضة أن أحد الدلائل الأخرى على التخطيط لتلك التفجيرات هو السرعة التي بثّ فيها التلفزيون الرسمي تقريراً يتهم تنظيم القاعدة بتنفيذ ذلك الهجوم. استغرق التقرير الأول بضع دقائق، ليعرض التلفزيون الرسمي في وقت لاحق من ذلك اليوم برنامجاً خاصاً لمدة 45 دقيقة، احتوى على أكثر من 40 مقابلة مع شهود مزعومين أو مواطنين “غاضبين”. كما صوّر التلفزيون مظاهرات في جميع أنحاء سوريا في اليوم ذاته تدين الإرها،ب ليعرض لنا بعض السوريين وهم يتبرعون بالدم للجرحى.

وقال بسام بربندي، دبلوماسي سوري سابق مقرب من المعارضة والذي يعيش الآن في واشنطن ويسعى للحصول على لجوء سياسي: “كان هناك نمط معين ستشاهده على التلفاز عقب كل تفجير. كان التلفزيون السوري موجوداً في أي وقت من الأوقات. كان يبدو كما لو أنهم يجلسون في الموقع ويتنظرون حصول الانفجار”.

وقد وقع التفجير الانتحاري الثاني الذي ضرب دمشق يوم 6يونيو/ حزيران، عشية اجتماع لجامعة الدول العربية. وقال علي: “كان الأمر كما لو أنه مزحة بين ضباط الشرطة، فقد كانت أية زيارة لمسؤول عربي أو دولي أو حتى وفد إعلامي تعني أنه لا بد من وجود تفجيرات”.

وأفادت الحكومة السورية بأن ما لا يقل عن 25 شخصاً لقوا حتفهم، فضلاً عن إصابة 46 آخرين في التفجير الانتحاري الذي استهدف حافلة للشرطة في حي الميدان، وهي منطقة محاطة بحواجز النظام. ونقل مراسل التلفزيون السوري الذي كان موجوداً في الموقع تقريراً تظهر فيه جثثا تتم إزالتها، إلا أن الشرطة -وفقاً لعلي- مُنِعت مجدداً من التحقيق في الحادثة.

أما التفجير الانتحاري التالي فكان بسيارة مفخخة في مدينة حلب في 10 فبراير/ شباط. وقالت الحكومة السورية ان التفجير الذي حصل داخل مجمع عسكري -محمي بعدة نقاط تفتيش- أسفر عن مقتل 28 شخصاً وإصابة 235 آخرين.

وحسب عبد الله الحكواتي، وهو ناشط أسهم في تنظيم مظاهرات مناهضة للحكومة في مدينة حلب، فإن الأرقام الحقيقية كانت أقل من ذلك. وأضاف بأن مسؤولاً في المخابرات الحكومية أخبره أن التفجير كان منظماً. كما زودنا الحكواتي باسم الضابط، إلا أنه لم يتمكن من التحقق من الحساب.

أما خالد شهاب الدين، وهو قاضي النظام في مدينة حلب في ذلك الوقت ويعمل الآن متحدثاً باسم جماعة المعارضة المعتدلة الرئيسة، قال أن “الإرهابيين” كانوا من الداخل. وأضاف أن مسؤولاً في المخابرات السورية أبلغه أنهم كانوا قد حضّروا المتفجرات في فرع المخابرات العسكرية، وقال: “أولئك الجنود المساكين لم يعلموا ما الذي كانوا يصنعونه”.

وبحلول ذلك الوقت، حددت الولايات المتحدة استنتاجاتها. فقد وقع التفجير الأول -أو التفجيرات- بالقرب من السفارة الأمريكية في دمشق، كما أرسل السفير روبرت فورد رجال الأمن في محاولة لتحديد المسؤول عن التفجير، وتوصل إلى أن “طريقة تنفيذ العملية تشبه عمليات تنظيم القاعدة في العراق إلى حد كبير”. غير أنه لم يتمكن من تحديد المسؤول عنها.

وعقب تفجيرات دمشق يوم 6يونيو/ حزيران وتفجيرات حلب في 10 فبراير/ شباط، أخبر “جيمس كلابر”، مدير الاستخبارات الوطنية، الكونغرس منتصف شهر شباط أن التفجيرات “تحمل كل الأوصاف المشابهة لهجمات تنظيم القاعدة” وأضاف: “ولذلك نحن نعتقد ان القاعدة في العراق توسع نطاق عملياتها لتشمل سوريا”.
كانت تلك المرة الأولى التي يتهم فيها مسؤول أمريكي تنظيم القاعدة في العراق بصورة علنية بمشاركتها في الثورة ضد الأسد، إلا أن هذا التقييم يتناقض مع مزاعم صادرة عن قادة في المعارضة تنصّ على أن الأسد هو المسؤول عن تلك التفجيرات بكل تأكيد.

ويشير أنصار المعارضة إلى أن جبهة النصرة لم تعلن عن وجودها حتى 23 يونيو/ حزيران، وذلك بعد شهر كامل من التفجير الأول، بالإضافة إلى مضيّ شهر قبل إعلان الجهة التابعة لتنظيم القاعدة عن تبنيها لتفجيرات دمشق وحلب. وبينما أعلنت جبهة النصرة في نهاية المطاف مسؤوليتها عن تفجير 10 فبراير/ شباط، قال العلي أنه لم يجد أية دلالة على علاقة النصرة بالتفجير.

كما يقول العلي ومسؤول أمني سابق كان قد انشق وقتها لينضم إلى الثوار، قالا أنهما لم يسمعا بجبهة النصرة، وأنهما كانا متأكدان من أنها لم تكن قادرة على تنفيذ تلك العملية في ذلك الوقت. وقال العلي في ذلك:” ذكرت الحكومة أن جبهة النصرة هي المسؤولة. أما أنا، فلم أكن أملك أية معلومة عن الجبهة وأصابني الذهول”.

وحسب المسؤولين السابقَين، فقد حُدد وقت التفجيرات في كل مرة تقريباً لإقناع الدبلوماسيين الزوار لسورية برواية النظام.

ففي الهجوم الأول، الذي كان عبارة عن تفجيرين في دمشق يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول، تم إحضار وفد من دبلوماسيين في جامعة الدول العربية على الفور إلى موقع الحادثة لمشاهدة الأضرار.

وقال محمد نور خلوف، الذي كان وقتها ضابطاً في الجيش السوري يعمل في وزارة الدفاع، والذي كان حتى وقت قريب وزيراً للدفاع في حكومة المعارضة المؤقتة: “أعلن النظام على الدوام أن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن تلك التفجيرات”.

ففي مطلع يناير/ كانون الثاني 2012، كان هناك اجتماع للجامعة العربية، وفي محاولة شهر مارس/ آذار لتفجير مقرّ الشرطة الذي كان يرأسه العلي، كان هناك وفد مشترك من الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي في زيارة للبلاد.

ولعلّ الانفجار الأكثر إثارة للجدل كان ذلك الذي وقع يوم 18 يوليو/ تموز مستهدفاً أعضاء من الحاشية المقربة من الأسد خلال اجتماعهم في مبنى الأمن القومي الذي يخضع لحراسة مشددة، وكان من بين القتلى كبار أعضاء مجموعة الأسد للأزمات، ومن بينهم وزير الدفاع داوود راجحة ونائبه وآصف شوكت، زوج شقيقة الأسد، والضابط حسن تركماني الذي كان وزير دفاع سابق.

وقد ادعى لواء الإسلام، وهم جماعة إسلامية معارضة، أنهم المسؤولون عن التفجير، كما تبنى الجيش السوري الحر ذلك التفجير ليعود في وقت لاحق ويتراجع عن مسؤوليته. أما خلوف فيعتقد أن إيران كانت المسؤولة.

وخلوف الذي تم تعيينه في القسم التنفيذي لمجموعة الأزمات في وزارة الدفاع، لم يكن حاضراً في الموقع أثناء الانفجار، لكنه قال أنه أعاد تشكيل الهجوم بناءً على المعلومات التي كانت متوفرة لديه في ذلك الوقت.

وأضاف أن المجموعة كانت تعقد اجتماعاتها عادة في مكتب تركماني، لكن في يوم الأربعاء ذلك، أُخطِر أعضاء المجموعة ان مكيف الهواء كان معطلاً.

انتقل الأعضاء بعدها إلى مكتب هشام اختيار، رئيس جهاز المخابرات والأمن القومي، وبدأ الاجتماع، وأضاف أن وزير الداخلية محمد ابراهيم الشعار أحضر حقيبة وأسندها إلى الجدار. وذهب بعدها ليغسل يديه، ومن ثم انفجرت الحقيبة، مؤدية إلى مقتل أو تشويه الرجال حول الطاولة.

وكان خلوف من بين أولئك الذي هرعوا إلى مكان الحادث لنقل الجرحى إلى المستشفى، وقال: “توفي وزير الدفاع على الفور، أما شوكت فمات قبل وصوله إلى سيارة الإسعاف. وبالنسبة لتركماني توفي بعد يومين متأثراً بجراحه. لكن أمين سر حزب البعث هو الوحيد الذي نجى من الإصابة الخطيرة”. كما أصيب الشعار بجروح خطيرة، نقل على إثرها إلى المستشفى.

قال خلوف أنه كان مقتنعاً أن المستشارين الإيرانيين حثوا الأسد على التخلص من العديد من كبار مساعديه الذين كانوا مسؤولين عن العلاقات الدولية؛ داود راجحة، الضابط المسيحي الذي يحظى بعلاقات مع الدول الغربية، وشوكت الذي يرتبط بعلاقات مع فرنسا وتركماني المرتبط بتركيا.
كما أخبر العلي الصحفي: “أبلغوا الأسد أنهم كانوا يخططون لانقلاب ضده. وبعد التفجير، لم يكن هناك من أحد ليكون موضع ثقة سوى إيران”.

علاوة على ذلك، قام بربندي، الدبلوماسي السوري السابق الذي يقيم الآن في واشنطن، بتوجيه أصابع الاتهام إلى إيران أيضاً، وقال بأن الإيرانيين “يكرهون” شوكت، زوج شقيقة الأسد، وذلك لأنهم يعتقدون أنه المسؤول عن مقتل عماد مغنية، وهو شخصية أساسية في حزب الله، والذي اغتيل في دمشق عام 2008 ، فيما يُعتقد عموماً أنها عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة. “لطالما اعتقدوا أنه كان متورطاً في العملية”.

وقال بربندي أيضاً أن الإيرانيين كانوا خائفين من أن كبار مساعدي الأسد كانوا يدرسون الاقتراح التركي لإعادة النظر في هيكل السلطة الذي سيزاح بموجبه الأسد عن سلطته ليصبح رئيس الوزراء. وأردف بربندي: “اعتقد الإيرانيون أنه في حال مضي المجموعة قدماً في تلك العملية، سيفقدون السيطرة على الأسد”.

وكان أحد التفسيرات الأخرى، من داخل حاشية الأسد، تشير إلى أن عائلة الأسد نفذت الهجوم بعد أن أوصت مجموعة الأزمات بأن يتخذ الأسد خطوة تصالحية لنزع فتيل الثورة الوطنية. ونقلاً عن مصدر مقرب من العائلة في القصر الجمهوري اسمه ناصر، وهو مسؤول استخباراتي رفيع سابق في رأس العين في الشمال السوري، قال بأن كلاً من شوكت وزملاءه شجعوا الأسد أن يذهب إلى درعا -موقع أول حادثة رئيسة في الثورة- كي يعتذر عن مقتل المتظاهرين الشباب.

لكن الأسد “استشار اللجنة الأمنية الخاصة به”، المؤلفة من والدته وشقيقه وعلي مملوك، وهو مسؤول بارز في المخابرات وأحد المقربين السابقين من والد الأسد وسلفه، حافظ الأسد.

يقول ناصر: “أخبروه أن ذلك سيكون انقلاباً، وينبغي عليه ألا يخاطر بهيبة العائلة”. كما بينوا له أن والده لم يكن ليفعل ذلك، وأشار ناصر إلى أن مملوك كان مقرباً من إيران. علاوة على ذلك، أصبح مملوك، عقب موت شوكت، رئيس جهاز المخابرات برمته.

ووفقاً لكل من خلوف والعلي، منع مساعدو الأسد إجراء أي تحقيق في التفجيرات. وقال العلي: “أرسلت عنصرين من وحدتي ليشاركا في التحقيق، إلا أنه لم يُسمِح لهما بالاقتراب”.

وقال العلي أيضاً أنه بدلاً من ذلك، “تولت المديرية العامة للأمن التحقيق” وهي وكالة استخبارات يرأسها حافظ مخلوف، أحد أبناء عمومة الأسد، وبالتالي لم يثمر ذلك التحقيق عن أية نتيجة.

أما السفير الأمريكي السابق في سوريا، روبرت فورد فقال أن تلك التفجيرات ما زالت لغزاً. وأضاف: “لا أعتقد أننا نعلم كيف تمّ تنفيذها”.

ومن بين جميع التفجيرات التي وقعت خلال مدة إدارته، فإن مخطط الاغتيال الوحيد الذي تمكن العلي من جمع الأدلة حوله وحشدها، كان ذلك الذي وجه ضده.

وفي تلك الليلة من شهر مارس/ آذار، بعد تجاهله الأوامر في إزالة الحواجز من أمام مقره، قضى العلي ليلته تلك نائماً في المكتب، وكان ما زال مستغرقاً في النوم عند وقوع الانفجارات الثلاثة بين الساعة 6:40 و7:30 دقيقة، إلى أن استيقظ على اتصال من وزير الداخلية يستفسر عما حصل، لكن الأمر سرعان ما بات واضحاً.

وفي وقت لاحق من ذلك الصباح، وعند توجهه إلى مقر الأمن الجنائي للتحقيق في الانفجار الذي وقع هناك، تقدم أحد مساعديه، وهو من الطائفة العلوية وينتمي إلى مسقط رأس الأسد، القرداحة، تقدم منه وهمس في أذنه، وكانت عائلة الشاب قلقة بعد قراءتها لتصريح على الانترنت يدعي تدمير مكتب العلي. (لكن ذلك الإعلان أزيل فيما بعد).

كما كان الضابط سليم، الذي طلب إليه أن يقوم بفتح الشوارع موجوداً في مقر الأمن الجنائي. ويستذكر العلي: “سألته بسخرية: هل ما زلنا بحاجة إلى فتح الطرقات المغلقة؟”.

بدا أن سليم علي قد شعر بالإحراج وقال: “كان ذلك بأمر من السيد الرئيس”.

وختم العلي حديثه بذكر الانتحاري الذي نفّذ الهجوم الثالث، وهو فلسطيني كان قد أفرج عنه من سجن صيدنايا، وكان هجومه قد أحبِط من قبل حاجز بالقرب من مبنى الأمن الجنائي ليفجر نفسه بدلاً من ذلك في التضامن.

وقال العلي: “أعتقد أنه كان يحمل أوامر بالذهاب إلى الجنة من خلال تفجير نفسه. من الذي أصدر تلك الأوامر؟ أنا لا أعلم. أفترض أن شيخاً أو زعيماً دينياً على صلة بالمخابرات هو من أمره بذلك”.