أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » العلاقات الأميركية – التركية: من التوتر إلى التصدع وربما التفكيك

العلاقات الأميركية – التركية: من التوتر إلى التصدع وربما التفكيك

لا شك أن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض “عقوبات واسعة” على تركيا إذا لم تطلق سراح القس الأميركي المحتجز لديها، أندرو برانسون، ينقل التوتر المتراكم بين الحليفين اللدودين إلى طور جديد من التباعد الذي يهدد بالمزيد من ضمور الروابط بينهما، التي صارت “معلقة بخيط”.

وكان نائب الرئيس الأميركي مايك بنس قد ردد مثل هذا التهديد، قبل يومين خلال مؤتمر في وزارة الخارجية حول “حرية الأديان”. وأمس، صدر عن وزارة الخارجية بيان مقتضب حول الموضوع وبلهجة ناشفة تستبطن الوعيد ذاته.

ثم جاء رد وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو برفض مثل هذا الإملاء ليكمل عملية التراشق التي تشكل نقلة نوعية في تردي العلاقات التي فشلت محاولات الطرفين لاحتواء تناقضاتها، أو على الأقل لوقف تدهورها.

التشنج في تخاطب الطرفين ليس بجديد، ويعود إلى بداية تركيب التحالف ضد “داعش”. مرّ بصعود وهبوط وتسويات مؤقتة ومحاولات شراء وقت، لكن ناره بقيت تحت الرماد، وفاقمه التحالف الأميركي مع “وحدات الحماية الشعبية” الكردية السورية.

تحوّل التشنج إلى تنافر على المكشوف مع معركة عفرين ودخول القوات التركية إليها. ثم تطور إلى نوع من التحدي المحفوف بخطر المواجهة، مع قضية منبج التي ما زالت تشحن الخصومة المتفاعلة بينهما.

في فبراير/شباط الماضي، هدد الرئيس رجب طيب أردوغان القوات الأميركية في شمال سورية “بصفعة عثمانية”. في الشهر ذاته، رد الجنرال الأميركي بول فانك الذي قام بزيارة ميدانية إلى منبج، محذراً: “إذا ضربتم قواتنا فسنرد بقوة”.

كما انتقد الجنرال جوزف فوتيل، قائد قوات المنطقة الوسطى (الشرق الأوسط)، القوات التركية، بزعم أنها تعرقل المعركة ضد “داعش”، ثم تشكلت “مجموعة عمل” تركية أميركية وعقدت اجتماعات على مدى يومين في وزارة الخارجية الأميركية، لكن بلا جدوى. بقيت قضية منبج معلّقة.

في مارس/آذار، كرر أردوغان “رفض تراجع القوات التركية”، بعدها تحدث ترامب عن انسحاب وشيك من سورية، لكن أركان إدارته أقنعوه بصرف النظر عن هذا التوجه وحتى إشعار آخر. والآن يبدو أن ترامب يعيد النظر في التأجيل بعد اتفاقه مع الكرملين حول انسحاب قادم، على ما يتردد في واشنطن.

وزاد التوتر مع أنقرة عندما أعلنت أخيراً عن رغبتها في شراء شبكة الدفاع الجوي الروسية إس-400، فضلاً عن التعاقد مع موسكو لبناء مفاعل نووي لتوليد الطاقة، الأمر الذي صب الزيت على نار النقمة ضد تركيا. في الكونغرس، جرى التحرك لوقف بيع أنقرة مئة مقاتلة أف – 35 الجديدة، التي تسلمت تركيا منها اثنتين فقط.

على هذه الأرضية، جاء تهديد الرئيس ترامب بالعقوبات. قصة رجل الدين أندرو برانسون الذي نقلته السلطات التركية من السجن قبل يومين إلى الإقامة الجبرية، كانت مدخلاً للضغط على أنقرة للتراجع عن مواقفها في قضايا تهم إدارة ترامب في هذه اللحظة، من أبرزها حملها على الالتزام بالعقوبات الأميركية القادمة قريباً على إيران.

وكذلك دفع تركيا لصرف النظر عن شراء شبكة الدفاع الجوي من روسيا، فضلاً عن زحزحتها عن موقفها تجاه منبج. لكن بالرغم من شدة النبرة الأميركية، لا يتوقع المراقبون استجابة تركية قريبة بالصيغة التي تطلبها الإدارة. إخلاء سبيل رجل الدين الأميركي إذا حصل، لن يحل الأزمة.

أنقرة مصرة على منبج كما على استرجاع المعارض التركي فتح الله غولن المقيم في أميركا، والذي تحظى حمايته وعدم تسليمه بتأييد واسع في واشنطن، خاصة في الكونغرس. قضيته ساهمت في تعقيد العلاقات المرشحة للدخول “في أزمة كبيرة، لأن من المستبعد أن تفرج تركيا عن رجل الدين برانسون، والإدارة الأميركية لا يسعها التراجع بعد التهديد الصريح بالعقوبات”، كما قال داغ باندو، الباحث في مؤسسة “كاتو” للدراسات في واشنطن، في رده على سؤال لـ”العربي الجديد”.

وأضاف أن “دعم البنتاغون للتحالف مع تركيا يقابله رفض متزايد في واشنطن لتقارب أنقرة مع موسكو”. ويذكر أن وزير الدفاع جيمس ماتيس اعترض على محاولة الكونغرس منع بيع المقاتلة أف-35 لتركيا، وذلك من باب حرصه على تعزيز العلاقات العسكرية مع أنقرة وليس إضعافها.

وثمة خشية من وصول العلاقات إلى نقطة اللاعودة وترك تركيا لحلف “الناتو”. احتمال ما عاد خارج الحسابات والتوقعات، وإن آجلاً.

واشنطن ــ فكتور شلهوب