أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » دروز السويداء و”السفر برلك” الروسي

دروز السويداء و”السفر برلك” الروسي

في الوقت الذي استغل فيه تنظيم “الدولة الإسلامية” عادة فلاحية درزية لتنفيذ أحد أبشع مجازر التطهير الإثني في الحرب السورية، اتخذت روسيا مقاربة كولونيالية فوقية لإخضاع الدروز، وتجاهلاً لعادات هذه الجماعة المغلقة.

المجازر المتنقلة التي ارتكبتها عصابات “داعش” لم تخلُ من فهم لطبيعة المجتمع الدرزي. إذ تطابقت أقوال عدد من الشهود، في قرى ريف السويداء الثماني التي ذبح فيها بالسكاكين والحراب 300 مدني، بأن عناصر التنظيم كانوا على دراية جيدة بتلك القرى، وعادات أهلها. فلقد هاجمت، كل قرية، مجموعة من التنظيم لا يزيد تعداد عناصرها عن الـ50، مع الساعات الأولى من فجر الأربعاء، منادين على بعض أصحاب البيوت المستهدفة، ليفتحوا لهم على عادة الدروز في استقبال الضيوف، ولو كانوا من الغرباء. الذبح لم يوفر طفلاً أو امرأة. في قرية رامي، وجدت جثة امرأة في حوض الاستحمام ترقد فوق جثتي ولديها الصغيرين.

بعض مرتكبي المجزرة “الداعشيين” لا بد عرفوا المنطقة جيداً قبل الهجوم، ولربما اشتروا بعض حاجاتهم من متاجر الأهالي القروية، في معرض استطلاعهم للمنطقة بغرض التخطيط للمجزرة. فالمنطقة تحولت طيلة فترة إقامة “داعش” الطويلة شرقي السويداء، إلى محطة تبديل، لخطوط التهريب. و”الدولة الإسلامية” تمكنت من الصمود في صحراء الحماد البركانية، وتحولت المنطقة إلى أحد مواردها المالية، معتمدة على بيع النفط المستخرج والمكرر محلياً من آبار ديرالزور، عبر خطوط تهريب تسيطر عليها شبكات النظام الأمنية في السويداء، في مقابل السلاح والذخيرة من فصائل المعارضة في درعا. مازوت “الدولة الإسلامية” ظل لسنوات في السويداء، بديلاً متوافراً عن محروقات تقدمها الدولة السورية بالقطّارة. خطوط التهريب أبقت على “داعش” حيّة في الصحراء الشرقية.

وفي حال اعتبار “داعش” جهة مستقلة، لها أهداف وخطط تنفذها بمعزل عن إرادات وبرامج الأطراف الأخرى، فلماذا ستضحي بخط إمدادها الثمين هذا؟ ألم تكن تعرف أن الدروز “مرتدّين وكفار”، وهي التي قطنت عند حدودهم الشرقية لسنوات؟ عبر السويداء، أيضاً، رفدت روسيا “داعش” في البادية الشرقية، بأكثر من 700 مقاتل تم إخلاؤهم من مخيم اليرموك في أيار/مايو.

ولئن كانت “ولاية حوران” في حوض اليرموك تلفظ أنفاسها، بعدما اجتمعت عليها قوات النظام وفصائل سابقة من “الجيش الحر”، بتوافق إقليمي ودولي، ولا أمل في إنقاذها أو فك الحصار عنها، فيما الجيب “الداعشي” في اللجاة محاصر، فما معنى إثارة “داعش” لعش الدبابير في جبل الدروز، خصوصاً مع خطف 40 امرأة من قرى الريف الشرقي، ونشر صورهن تحت راية “الدولة الإسلامية”. بهذا المعنى، تبدو عملية “داعش” ضد السويداء، غير مفهومة، إلا كانتحار جماعي في بادية السويداء الشرقية؛ الصحراء التي تتقطع فيها سبل مَن يعبرها، فيموت عطشاً قبل أن يصل مبتغاه.

فهل يمكن القول إن روسيا سهّلت هجوم “داعش” الدموي على السويداء؟ الإجابة تبدو سهلة ممتنعة. فالروس هددوا السويداء، خلال الأسابيع السابقة على المجزرة، أكثر من مرة، وطالبوها بإجراء “تسوية” مع النظام، كما الحال في مناطق المعارضة. إلا أن السويداء لم تخرج طيلة السنوات الماضية على النظام، وإن احتفظت بهامش حياد، بات معروفاً تاريخياً عن الدروز تجاه صراع القوى المذهبية الكبرى في المنطقة. حياد جعل من شباب السويداء منشقين أو متخلفين عن الخدمة العسكرية في قوات النظام. وتقديرات مصادر “المدن” تشير إلى 53 ألف متخلف ومنشق، أراد لهم الروس الانضواء في “الفيلق الخامس/اقتحام”.

ورغم النسبة المرتفعة من الدروز المتعلمين في الاتحاد السوفياتي، وفي روسيا الفيدرالية، والعدد الكبير من المتزوجين منهم من روسيات، إلا أن الروس فضلوا عماد العقباني، صاحب محل الكهربائيات والمتعاقد مع “الأمن العسكري”، للوساطة بينهم وبين زعماء الجبل التقليديين. وقد يوافق ذلك المزاج الروسي في فهم الدروز كعشائر، لا كطائفة أو إثنية. قاعدة حميميم الروسية، لطالما تحدثت عن عشائر الدروز، كما البدو، في تجاهل غريب لأبسط معرفة استشراقية. مرة أخرى، تسقط روسيا في فخ عسكرها، الرافض بالمطلق الاستماع لخبرائها.

فهل تكون المعرفة المبتسرة بالدروز، وطبيعتهم الباطنية، وحيادهم التاريخي في وجه الصراعات السنية-الشيعية، والغطرسة الكولونيالية للانتداب الروسي المنتشي بانتصاراته، قد دفعت العسكر الروسي لهندسة هذه المقتلة الجماعية للدروز، كعقوبة؟

التوازن الهش ضمن الطائفة الدرزية في السويداء، الذي أتاح لها انتاج معادلة صفرية تجاه الصراعات الكبرى في محيطها، بات اليوم على شفير الخطر. استدعاء الروس المتكرر لزعماء الجبل التقليديين، ومشيخة العقل، وفرض الحل الروسي عليهم، لجهة تسليم السلاح و”المصالحة” مع النظام والالتحاق بـ”الفيلق الخامس” وحلّ “حركة مشايخ الكرامة”، يُذكّر بسياسات العثمانيين، المصريين والفرنسيين، الذين تناوبوا على مهاجمة الجبل. تعامل فوقي، يُغفلُ حساسية الدروز وغريزتهم القبلية/المذهبية.

فالمجتمع الدرزي كان قد انقسم بحدة، مع بداية الثورة السورية. اختراق الأجهزة الأمنية للمجتمع أتاح إمكانية خروج الدولة من السويداء، وتسليمها للمليشيات المحلية. وكنوع من التوازن، ظهرت “حركة مشايخ الكرامة” لمعادلة الفوضى السلطوية. “الحركة” حددت أهدافها بالحياد، و”حماية الأرض والعرض”، ومنع شباب الدروز من الالتحاق بقوات النظام على الجبهات في بقية المناطق السورية. ورغم قلة عدد أعضاء “الحركة”، والذين يُقدّرون ببضع مئات، إلا أن المجتمع الدرزي وجد فيهم نوعاً من التوازن لوقف نزيف الدم. اغتيال مؤسس “الحركة” الشيخ وحيد البلعوس، العام 2015، كسر “الحركة”، لكنه لم يتمكن من إلغاء التوازن، ولا التأثير في امتناع الشباب عن الالتحاق بقوات النظام.

المشكلة الكبرى هنا، أن التهرّب من التجنيد الإجباري، لم يكن أمراً طارئاً على دروز جبل العرب. فلقد كانت قضية التجنيد الإجباري سبباً رئيسياً لتمرد دروز الجبل على العثمانيين، وحروبهم الطويلة معهم. أحد شروط إبراهيم باشا على دروز الجبل، كان الانضواء في جيشه لقتال العثمانيين، الأمر الذي رفضه الدروز، مُفضّلين الموت في أرضهم على القتال مع الجيش المصري.

ولا يتعلق رفض التجنيد بطبيعة الدروز كإثنية، حتى قبل أن يتشكلوا كطائفة. بل على العكس، فقد تشكّلت لُحمتهم التاريخية بوصفهم مجموعة مقاتلة شرسة، شاركت في معارك الدولة الإسلامية الأولى في عهود الخلفاء الراشدين والأمويين، ضد الفرس، قبل أن ينتقلوا مع الخلافة العباسية إلى جبل لبنان لوقف تمدد ثغور المردة والجراجمة، النسخ الأولى من الحروب الصليبية.

دروز السويداء قدموا آلاف القتلى في مواجهة الإحتلالات الخارجية والتي كان عنوانها الرئيس رفض التجنيد القسري في جيوش أجنبية. فالطبيعة الفلاحية للمجتمع الدرزي في السويداء، وسط ظروف مناخية قاسية، وأرض صخرية بركانية تُزرع بعلاً وتغل قليلاً، كانت قد جعلت من سكان الجبل الأوائل شديدي الحرص على قواهم البشرية، للاستفادة منها في الفلاحة. ولقد قيل أن الدروز الأوائل، استوطنوا الجبل بيد تحمل السيف والأخرى تقود “الفدان”. تكاثرهم القليل، على عكس محيطهم العروبي/الإسلامي، نتيجة حصرهم الزواج في امرأة واحدة، وتعدّيات البدو المتكررة عليهم من الصحراء لسرقة المواشي، جعلت الدروز متيقظين لأهمية الحفاظ على كتلتهم الصغيرة ومواردهم المحدودة في مواجهة الطبيعة والقوى الخارجية. لذا كان رفض التجنيد الإجباري في معارك الآخرين، إحدى أبرز سمات المجتمع الدرزي، طيلة سكنهم الجبل.

سفر برلك العثماني، صار متاحاً فقط، عندما انقسم الدروز في الداخل أثناء ثورتهم العاميّة، واستعان حكّامهم من آل الأطرش، بالعثمانيين، لدحر التمرد الشعبي المُطالِب بالمساواة ورفض دفع الأتاوات للإقطاعيين. حينها سيق المئات من شباب الدروز إلى حرب البلقان، وكان منهم سلطان باشا الأطرش. الأمر لم يختلف مع دخول الفرنسيين إلى سوريا، فرفض أعمال السخرة والتجنيد الإجباري، كان من أهم أسباب ثورة الاستقلال السورية التي قادها سلطان الأطرش.

وبعد سقوط قرابة 2500 قتيل درزي في معارك الاستقلال 1923-1927، أي قرابة 10 في المئة من تعداد سكان الجبل حينها، أُعفي الدروز من الخدمة العسكرية في الدولة السورية الوليدة. الأمر الذي تراجعت عنه دولة الإستقلال سريعاً، عقب نزاع داخلي غذّته دمشق، بين الحركة الشعبية والطرشان، والذي انتهى بهزيمة الشعبية، وانكسار الجبل عموماً أمام دمشق.

المقولة الرائجة بأن الدروز يقاتلون الاستعمار، ويرضخون للاستبداد، تبدو غير قابلة لتفسير ما يحدث. فـ”الدولة الوطنية” هي أمر حديث، لم يتجاوز عمرها 70 عاماً في سوريا. وحرب الاستقلال التي سعى سلطان الأطرش إلى أن تكون مدخل جماعته إلى الدولة، باتت أثراً بعيداً، تتجاهله مناهج “البعث” و”سوريا الحديثة”. الدولة الوطنية السورية لم تقابل هذه الجماعة سوى بالتهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي، منذ محاولات الانقلاب الفاشلة في العامين 1966 و1968. ومع ذلك، ما زال الدروز يتغنون ببطولاتهم في معارك “حرب تشرين التحريرية”، مرة أخرى، كمدخل شرعي على “الدولة الوطنية”.

لكن، لا يبدو الروس في معرض انتصاراتهم على الشعب السوري، قادرين على فهم طبيعة المجتمعات المحلية، وحساسياتها. مثلهم كمثل كل الاحتلالات التي سبقتهم إلى سوريا. فعدا عن الإصرار على معاملتهم كمتمردين، وعدم فهم حيادهم، يأتي الاستهداف الداعشي للدروز نقلة مهمة في إدراك المجتمع الدرزي لموقعه ضمن الصراع الحالي، على عكس ما أراده الروس والنظام.

انقلاب المزاج الشعبي المحايد في السويداء، يمكن تلمسه من تشييع جنازات قتلى الهجوم الداعشي. موقف العزاء المقام في مدينة شهبا، ورغم الجدل الداخلي فيه حول المسؤولية عن الهجوم، أجمع المشاركون فيه على رفض كلمة المحافظ الذي حاول نسب استرجاع القرى الثماني لقوات النظام. المحافظ وقائد الشرطة ورئيس فرع حزب “البعث”، وجدوا طريقهم بصعوبة لمغادرة “الأجر”، بعدما تعالت الاتهامات لهم بالخيانة.

في موقف عزاء أقيم في بلدة عرمان لـ”سايس المجلس” وقائد أحد بيارق “رجال الكرامة” فيها، الشيخ نبيل صيموعة، الذي قتل في معارك القرى الشرقية، حضر شيخا عقل الطائفة؛ جربوع والحناوي، برفقة وزير لبناني سابق وممول مليشيا شبيحة في الجبل. وعلى عكس كل الأعراف الدينية والتاريخية، لم يطلب أهل الفقيد من مشايخ العقل إقامة صلاة الجنازة، بل لم تتم دعوتهم و”ضيفهم” اللبناني ثقيل الظل، للوقوف إلى جانبهم لتلقي التعازي.

في قرية شبكي، طرد الأهالي المحافظ، وهم يهتفون: “زلم بدناش.. زلم بدناش.. بدنا سلاح”. وفجأة، وبعدما كانت مليشيات موالية قد بدأت تسليم سلاحها، عاد سوق السلاح في السويداء نشيطاً، ووجهت إهانات لفظية لمن حاول تسليم سلاحه.

وبهذا المعنى، تبدو عملية “الدولة الإسلامية”، مصممة روسياً، لحشر الدروز في زاوية “الدولة السورية” ودفعهم لطلب الحماية من قوات النظام والتضحية بحيادهم والقبول بتجنيد المتخلفين عن الخدمة، في مقابل حمايتهم من الوحش “الداعشي”. عملية “الدولة الإسلامية”، الروسية، لم تنجح حتى اللحظة في تحقيق هدفها، لكنها بالتأكيد، أحدثت شرخاً واضحاً بين الدروز و”الدولة السورية”.

almodon