أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » طائفة الأحمدية في سوريا

طائفة الأحمدية في سوريا

طائفة الأحمدية في سوريا
يتكوّن الشعب السوري من مكونات مختلفة ذات أيديولوجيا متنوّعة. وربما لا يعرف حتى كثير من السوريين بوجود جماعة من طائفة الأحمدية في سوريا.
التقى مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي بمجموعة منهم في تركيا، كمهجّرين نتيجة الحرب فكان هذا التقرير:
.
التقينا بعدد من الشبان “الأحمدين” في إسطنبول، من السوريين معظمهم. يقولون إنهم كانوا “أحمديين” منذ سنوات قبل وصولهم إلى تركيا لاجئين، (و.ص) واحد منهم، لدى هؤلاء ما يقولونه؛ نعم اليوم بات لهم صوتهم، ولهم منابرهم لإعلان هويتهم، ونظن أنهم جماعة عاشت في الظل، وربما في المساحات المنسية من بلد اسمها “سوريا”، وقبل أن نحكي وقائع لقاءاتنا مع شخصيات منهم، كان علينا العودة إلى تاريخ هذه الجماعة لنسأل:
.
– من هم؟ وماهي معتقداتهم؟
.
في أواخر عام 1890، أعلن ميرزا أحمد القاداني أن “الله قد أخبره أن المسيح بن مريم قد مات، وأنه هو المسيح الموعود والمهدي المعهود” وذلك بعد عام واحد من تأسيسيه جماعة دينية إسلامية عرفت في ما بعد باسم “الأحمدية”، بعد أن كان قد طلب البيعة له في الثالث والعشرين من آذار عام 1889، وبايعه آنذاك أربعون مسلماً في مدينة هوشياربور الهندية، فأعلن نفسه نبياً جديداً.
.
كان من الممكن لإعلان القاداني هذا، أن يمر مرور الكرام، مثله مثل عشرات من مدعي النبوة الذين ظهروا طوال أربعة عشر قرناً مضت، هي عمر الإسلام، لو أن الجماعة التي أسسها لم تزل حية بعد أكثر من مئة عام على ولادتها، وتلقى رواجاً في عدد من دول العالم بنسبة كبيرة، وبأقل منها في العالم العربي، من المغرب حتى سوريا وفلسطين، فبعد وفاة ميرزا المؤسس، توالى الخلفاء على الجماعة، حتى الخليفة الخامس المقيم اليوم في لندن.
.
علم الكلام
.
يعتمد فقه الجماعة الأحمدية وفق ما تقول كثير من الكتب التي صدرت عنهم بلغات العالم كافة، على تأويل غير مسبوق في الحركات الإسلامية كلها للنصوص القرآنية والنبوية، ويلعب التأويل دوراً أكبر حين يتعلق الأمر بأحاديث نبوية مختلف على تأويلها، فيتسمع ليكون دلائل على صدق دعواها ودعوى إمامها “النبي”.
.
في التأويل، تناقش الجماعة واحدة من أكثر خصائص النبي محمد حسماً في التاريخ الإسلامي، وهي انقطاع النبوة بعد محمد عن البشر كلهم حتى يوم القيامة، النص القرآني سمى محمد خاتم النبيين، لتجاوز هذه العقدة الفقهية المدعمة بالقرآن الكريم، تذهب الأحمدية لتفسير كلمة خاتم نفسها، وتغرق في تحليها لتصل إلى أنها تعني الكمال وليس انقطاع الإرسال من السماء إلى الأرض، فالختم هنا –في رأي الأحمدية- هو كمال الصفات والمعاني والرسالة، وليس اختتام ظهور الرسل.
.
يذكر تميم أبو دقة في كتاب “الجماعة الأحمدية النشأة الثانية للإسلام” ما يقول إنها الدلائل القاطعة على صدق الدعوى الأحمدية التي هي وفق أبو دقة “الجماعة الناجية” التي أخبر عنها النبي محمد “بعد أن تنقسم الأمة الإسلامية إلى أكثر من سبعين فرقة، جميعها في النار، إلا واحدة ينشئها رجل فارسي الأصل” الأحمديون يتحدثون عن القاداني في كتبهم ساردين أصله العائلي الذي يعود به إلى بلاد فارس، ومنتهين بأنه يجسد “البعثة الثانية” للنبي محمد، معتمدين على آية من سورة الجمعة، فسروها بأن للنبي بعثتان، الأولى تلك التي يجتمع عليها المسلمون كلهم بظهور النبي محمد، والثانية هي التي أعلنها القاداني، بظهوره هو شخصياً.
.
تقول الأحمدية إن الآية الثانية والثالثة من سورة الجمعة، تشير إلى نبوءة “البعثة الثانية” للنبي محمد، التي ستكون في جسد رجل أصله فارسي يحب الرسول ويدعو إلى نصرة الإسلام في زمن انحطاطه:
.
هُوَالَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢﴾ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٣﴾
.
يفسر فقهاء الأحمدية جملة “وآخرين منهم” بأنها إشارة إلى بعثة ثانية للنبي محمد ستكون في “آخر الزمان”.
.
المسيح قام، حقاً قام
.
أكثر ما يثير الانتباه لدي الأحمديين، هو قولهم بأن المسيح الناصري مات ولم يرفع إلى السماء، فعلى عكس الاعتقاد الإسلامي الراسخ الذي يقول بأن الله أرسل من يشبه المسيح في شكله، إلى اليهود كي يصلبوه ظناً منهم أنه هو، فيما كان المسيح قد رفع إلى السماء، تقول الأحمدية، إن التشبيه وقع حين ظن الجنود حول المسيح المصلوب أنه مات، فيما هو كان قد دخل في غيبوبة من جراء الألم والعذاب، وهنا التشبيه، وتتابع الأحمدية بأنه نقل بعد ذلك إلى المغارة وقام بعد ثلاثة أيام، ليتابع حياته في الهند، التي عاش فيها حتى وصل لعمر 120 عاماً.
.
من جديد تعتمد الأحمدية على تأويلات خاصة جداً لما ورد في القرآن والسنة حول قصة المسيح برمتها، وتعزز القول بإمارتين، تقول في الأولى وهي ترضي أتباعها ومصدقيها، إن الله قد أبلغ القاداني بموت المسيح في رؤياه، والثانية بأن المسيح دفن فعلاً في الهند “كشمير” وما يزال قبره يزار حتى اليوم، باسم “يوزآسف”.
.
الديانة المسيحية بدورها منقسمة حول ما وجد لاحقاً من تعاليم دينية خاصة بيسوع في الهند ويعود تاريخ بعضها إلى وقت ظهور المسيح ذاته في فلسطين، لكن الرأي الغالب لدى كنائس العالم هو إن “يوزآسف” هو أحد تلامذة المسيح، وقد مات فعلاً في الهند بعد أن وصلها مبشراً في الفجر الأول للمسيحية، ودفن هناك.
.
تتفق الأحمدية مع بعض الفرق في المسيحية في اعتبار أن المسيح لم يمت على الصليب، ففيما تعتمد الأحمدية على القرآن لإثبات ذلك، “إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك” آل عمران56.
.
تقول بعض الفرق المسيحية إن الكتاب المقدس أعطى إشارة على عدم موت يسوع على الصليب أيضاَ، إنجيل القديس يوحنا 19: 31 – 37)): ولمَّا وصَلوا إلى يَسوعَ وجَدوهُ مَيتًا، فما كَسروا ساقَيهِ. ولكِنَّ أحدَ الجُنودِ طَعَنَهُ بِحَربَةٍ في جَنبِهِ، فخَرَجَ مِنهُ دَمٌ وماءٌ. والذي رأى هذا يَشهَدُ بِه وشهادَتُهُ صَحيحَةٌ، ويَعرِفُ أنَّهُ يَقولُ الحقَّ حتى تُؤمِنوا مِثلَه” وقد أدى هذا إلى الاعتقاد بأن يسوع كان على قيد الحياة على الصليب، لأن الدماء لا تتدفق من جثة، لكن الجدل لا ينقطع بدوره لدى علماء اللاهوت، الذين يرى بعضهم أن إنجيل متى لم يكن يحتوي على هذه الإضافة وأنها غريبة عنه.
.
الجهاد حرام
.
تبحر الكتب والأحمدية والدراسات والمراجع التي نشرتها الجماعة، في تفسير خلف تفسير، كي تصل إلى قناعتها بأن القاداني هو نبي الله، وهي تقول إن النبوة المستقلة قد انقطعت بعد النبي محمد، وأن نبوة القاداني ليست بمستقلة استقلالاً كاملاً، بل هي تماماً، كنبوة عيسى ابن مريم، الذي لم يأتِ بديانة جديدة لقوم إسرائيل، بل جاء متمماً لمن سبقه من الأنبياء، وبعد أن تصل إلى هذا الاستنتاج دائماً عبر تفسير الآيات والأحاديث واسعة التأويل والتفسير، يذهب منظروها إلى ما هو أقل شأناً في علوم الإسلام، لكنه أكبر أثراً في حياة المسلمين وعلاقتهم بالعالم اليوم.
.
يصدر الموقع الإلكتروني للجماعة الأحمدية في الواجهة الرئيسة، رأي الجماعة ونظرتها إلى مفهوم الجهاد، فيقول إن الجهاد الحق هو الجهاد بالقرآن، وليس بالسيف، وكي لا يتعارض ما تقول الأحمدية مع أحداث تاريخ انتشار الإسلام والقتال الذي قاده النبي محمد بنفسه، فإنها تفسر الآيات القرآنية كلها التي حثت على الجهاد والقتال، بالقول إنها كانت خاصة بعصر النبي محمد وصحبه وأتابعه، وليس من الواجب الشرعي إطلاقاً –في رأي الجماعة- أن يُحمل السلاح بعد ذلك، لا لفتوحات جديدة، ولا لنشر الإسلام، وينحصر القتال لديها بحالة الدفاع عن النفس حين تتعرض بلاد المسلمين لاعتداء خارجي فقط.
.
ومع أن الجماعة تتحدث عن حالة الدفاع عن النفس التي يباح فيها حمل السلاح، إلا أنك تجد منظريها أصحاب مواقف لينة جداً من صراعات إسلامية معاصرة، فلا يوجد موقف واضح من احتلال أرض مسلمة في فلسطين، ولا موقف واضح من الصراع في سوريا أو ليبيا أو العراق، ولا بيان سابق لما عرفته أفغانستان من غزو سوفياتي ثم احتلال أمريكي.
.
تصدر الجماعة نفسها في النهاية بوصفها جماعة سلمية لا تدخل في صراعات تقول إنها “تريق دماء المسلمين” وتحاول أن تثبت أنها “الجماعة الناجية” التي بشر بها النبي محمد التي ستعيد نشر تعاليم الإسلام في العالم كله قبل يوم الدينونة، الذي بات قريباً جداً وفق فقه الجماعة.
.
البيعة والولاء
.
على الرغم من قلة عدد الأحمديين في إسطنبول، إلا أن اجتماعاتهم لا تنقطع في نهاية كل أسبوع، يقضونها في الصلاة والدعاء، والدروس التي تعتمد على فقه الجماعة، إضافة إلى إعادة الاستماع إلى خطبة الجمعة المترجمة التي ألقاها الخليفة الخامس في لندن.
.
منزل صغير في حي باسطنبول يضم عدداً من الشبان السوريين والعراقيين والآسيويين المنتسبين إلى الأحمدية، هو أحد مراكز الجماعة في تركيا، فيما تتوزع في المدينة التركية منازل أخرى تضم شباناً آخرين، وتنظم لقاءات دورية للأحمديين كلهم بمعدل مرة كل ستة أشهر تقريباً، يجري فيها بحث شؤون الجماعة ومواقفها.
.
ليس من الصعب أبداً أن تنتسب إلى الجماعة، كل ما عليك فعله هو إرسال “البيعة” إلى “أمير المؤمنين” عبر البريد الإلكتروني، ربما يتأخر الرد قليلاً لكن في النهاية ستصل المباركة لك بالدخول في الجماعة، وسيتصل بك أقرب أمير إلى منطقتك أينما كنت في العالم، لتبدأ الصلاة مع بقية الأحمديين، وحضور الدروس الفقهية المنتظمة حيث تعيش.
.
عشرة شروط لتكون أحمدياً، تسعة منها لا يختلف عليها أي مسلم من أي مذهب، وهي وعد مكتوب بطاعة الله ورسوله، وحفظ النفس وتهذيبها وغيرها من الصفات الأخلاقية الواجبة على المسلمين كلهم، حتى الشرط العاشر، الذي يقول نصه:
.
عاشرا: أن يعقدَ مع هذا العبد عهد الأخوّة خالصاً لوجه الله. على أن يطيعَني في كل ما آمره به من المعروف، ثم لا يَحيد عنه ولا ينكُثه حتى الممات، ويكون في هذا العقد بصورة لا تعدِلها العلاقاتُ الدنيوية. سواء كانت علاقات قرابةٍ أو صداقةٍ أو خدمةٍ.
.
المقصود بالعبد، هو ميرزا غلام أحمد مؤسس الجماعة ونبيها.
.
مركز إسطنبول
.
التقى مينا عدداً من الشبان الأحمدين في إسطنبول، سوريين معظمهم، يقولون إنهم كانوا أحمديين منذ سنوات وقبل وصولهم إلى تركيا لاجئين، (و.ص) واحد منهم يقول لمينا “أنا وعائلتي والحمد الله، أحمديون، كنا نعيش في الغوطة الشرقية لدمشق، وكنا نمارس صلاتنا وفق مبادئ الجماعة علناً، صحيح أن السكان المحليين معظمهم كانوا يرون في ما نؤمن به كفراً، إلا أن الدولة لم تتعرض لنا أبداً، وكان لنا الحق في تنظيم الاجتماعات الدورية بلا أي إزعاج”.
.
ترسل الجماعة مساعدات مالية للعائلات الأحمدية كلها التي ما تزال تعيش في سوريا، بمعدل 300 دولار للعائلة الواحدة شهرياً، في ما تساعد قيادة الجماعة الشبان الصغار من السوريين والعراقيين والمصريين المقيمين في تركيا، وتقدم لهم تسهيلات مادية وقانونية حين يلزم الأمر، مقابل الولاء الكامل لفكر الجماعة، ومحاولة نشره.
.
فكرة أن قيادة الجماعة تحاول استخدام أفرادها لنشر أفكارها يعارضها (س.ف) الذي يقول لمينا “كل مسلم عليه أن يدعوا إلى الله حيث يستطيع، الأمر ليس مقتصراً على الأحمديين فقط، نحن نقوم بواجبنا تجاه ديننا وليس تجاه الجماعة فقط، الأمر أتى من الله بذلك وليس من الخليفة أو من المؤسس”.
.
حين يذكر الأحمديون اسم الخليفة يتبعونه بعبارة “نصره الله” وحين يذكرون نبيهم ميرزا يسبقونه بعبارة “حضرته”.
.
خلال إعداد هذه المادة، علم مينا أن بعض الشبان الأحمديين من السوريين والعرب حصلوا على تأشيرات دخول لإسرائيل، للمشاركة في مؤتمر خاص في مدنية حيفا قرية الكبابير، التي تضم المسجد الوحيد في منطقة الشرق الأوسط للأحمديين.
.
لا يصلي الأحمديون في مساجد بقية الطوائف المسلمة خلف الإمام أبداً، وإن اضطروا إلى دخول المساجد السنية أو الشيعية، فإنهم يصلون فرادى، ولا يختلفون في شؤون العبادة مع بقية المسلمين إلا في هذا، فمواقيت الصلاة والصيام والحج والوضوء والزكاة، لا يوجد خلاف كبير عليها بين الأحمديين والسنة على وجه الخصوص.
.
الانتشار
.
تنشط الأحمدية وتنتشر في دول أفريقيا خصوصاً من خلال مزيد من المساجد التي تفتتح هناك شهرياً، تحديداً في غانا، وعلى الرغم من أن باكستان كانت في منتصف القرن الماضي عاصمة الأحمدية تقريباً، إلا أن السلطات سرعان ما لاحقت أتباع الجماعة حتى عادوا إلى الهند التي أتو منها أصلاً، فيما ما تزال لندن مقر الخلافة الرسمي والمكاتب الناطقة بلغات العالم الحية كافة.
.
في شمال أفريقيا، تشير الأنباء التي تبثها الصحافة الرسمية في الجزائر والمغرب إلى أن أعداد الأحمديين تذهب إلى ازدياد، وفي أوروبا يزاد عدد الأحمديين المرخص وجودهم في بلاد تتمتع بالحرية الدينية والفكرية.

الكاتب: قصي عمامة

مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.

http://www.mena-monitor.org/