أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » نجيب جورج عوض : “عسكرة – أسلمة – أدلجة” في المأساة السورية

نجيب جورج عوض : “عسكرة – أسلمة – أدلجة” في المأساة السورية

لطالما تردّدت في المشهد السوري خلال السنوات المنصرمة من عمر المأساة والمقتلة السورية، في أوساط السوريين والمراقبين غير السوريين، فكرة مفادها بأنَّ أهم أسباب فشل الثورة السورية كان تطبيق ثالوث “عسكرة- أسلمة- أدلجة” عليها. وتتفاوت الآراء هنا بين من يُحَمِّل مسؤولية “عسكرة- أسلمة- أدلجة” الثورة لأهل النظام، وبين من يحمّلها لأهل الثورة أنفسهم. كما تتعدّد تفسيرات وتبريرات وانتقادات وتفكيكات أحد هذين الدورين، ولاعبيهما في الساحة التنظيرية الفاحصة الحالة السورية.

منذ بداية الثورة، كنت أحد السوريين الكثيرين الذين نبّهوا إلى السم الزعاف المتمثل في “عسكرة – أسلمة – أدلجة” المشهد السوري، وتأثيره القاتل في سورية وفي أهلها، إن لم يكن وجودها برمته. إلا أنني من أصحاب رأيٍ مختلف جوهرياً في ما يتعلق بماهية ما تمّت “عسكرته – أسلمته – أدلجته”، وبهوية من فعل ذلك وبمن، وبإرهاصات هذا الفعل.

أولاً، لست من القائلين إنَّ ما تمت “عسكرته- أسلمته- أدلجته” هو الثورة السورية بذاتها. خلافاً لذلك، أعتقد أنَّ ما تم دفعها إلى “العسكرة – الأسلمة – الأدلجة” هي المعارضات السورية، وليس الثورة (والفرق بين الاثنين بنيوي وأساسي أحياناً): المقصود هنا تحديداً المعارضات التي أخذت الثالوث المذكور خياراً واعياً إرادياً، واعتبرته أجندة عمل وقيمة فكرية تجيشية ناظمة. فعل هؤلاء ذلك، لأنهم أصلاً ينتمون إلى مخيال فكري وقيمي راديكالي، يميني ويساري، متأسلم أو قوموي أو دوغمائي بطبيعته، حتى قبل أن تندلع الثورة السورية بعقود. لم تحتج هذه المعارضات من النظام سوى لدفعة خفيفة من الخلف، لكي تحقق حلمه الخلاصي بتغذية ماهيتها الخصبة ببذور “العسكرة – الأسلمة – الأدلجة”، وبمقارعته العسكرة بعسكرة مضادة والتشييع والانغلاق والتشظي الديني بأسلمة وسنية مضادة، لا تقلان انغلاقاً وتشظيةً، والأدلجة القوموية والاستبدادية التطئيفية بأدلجة مقابلة، لا تقل استبداداً وإقصائية وتطييفا ووصائية.

بناءً عليه، ثانياً، وقوع المعارضات السورية في فخ مثلث “عسكرة – أسلمة – أدلجة” المميت يفيدنا بأنَّ الثورة السورية بحد ذاتها لم تكن ضحيته ولا أداته، إذ هناك فرق بين عناصر المعارضات وأتباعها، من جهة، وأبناء وبنات الثورة الفعلية التي ملأت شوارع سورية، وسقت ترابها بالدم والعذاب والتشرّد والنزوح والإبادة، من جهة أخرى. جيل الثورة السورية وصانعها وصوتها الحقيقي هو جيل الألفية الشاب (millennial generation) السوري الذي لا
ينتمي ولا بأي شكل إلى أي من تلك المعارضات، بيمينها ويسارها، ولا علاقة لبنيته الفكرية ومخياله المعرفي ورؤيته للذات وللعالم بثالوث الموت المذكور: جيل خرج إلى الشوارع، لا بصفته “معارضة”، لأنه لم يشعر يوماً بأن المعارضات الموجودة في المشهد السوري تمثله، أو تحمل رؤاها وفهمها للعالم ووعيه ذاته، بل لطالما شعر بأن تلك المعارضات مجموعة من الأفراد النخبويين الانعزاليين، المتعالين على جيل الشباب والمصرّين على التواصل معه بوصائية وأبوية وكهنوتية تحكمية، ومن دون أي فهم لماهية جيل الألفية المذكور، وهويته وعقله. نزل شباب الثورة السورية وشاباتها إلى الشارع، بصفتهم “مواطنين وأفرادا” يحلمون بمجموعة حقوق وأساسيات وجود إنسانية (اجتماعية واقتصادية وأخلاقية وسلوكية وسياسية وسيكولوجية) تمثل بالنسبة لهم محتوى فهمهم المعاصر والجديد لما يعتبرونه الفرق الوجودي بين العيش باعتبارهم بشرا والوجود بوصفهم دوابّ وقطعانا. صنع هؤلاء الثورة، وصاروا مع ثورتهم الضحية الأولى وجسد المذبحة التي سببها ثالوث “عسكرة- أسلمة- أدلجة” المدمر، وتطبيقه المسعور والعصابي والفوبي (من فوبيا) من نظام فاسد مجرم، ومعارضات تشبهه وتبزّه أحياناً في ذلك، كونهما، هي وهذا النظام، جاءا من الجذور الفكرية والمخيالية والذهنية نفسها، ونشآ في السياق التاريخي والبشري نفسه، وتشكل وعيهما بالأدوات والحوامل المعرفية والتفسيرية للذات وللعالم نفسها.

“عسكرة – أسلمة – أدلجة” المعارضات والنظام للمشهد السوري كل على طريقته، ولأسبابه وحساباته الخاصة، ثالثاً، هي من يقف خلف مأساة سورية، لا الثورة وأبناؤها وبناتها. قامت الثورة ضد ثالوث “عسكرة – أسلمة – أدلجة” بالذات، وقبل سواه، وإن كانت لم تسمّه بالاسم، ولم تتحدث عنه بتلك المفردات بالتحديد، إلا أن كل ما عبرَّت عنه أصوات هذا الجيل الألفي في شوارع سورية لا يقول للمراقب سوى أنَّ أحلام جيل الثورة الألفي وقيَمه ورؤاه وذهنياته لا تتعايش مع ثالوثٍ كهذا، ولا تتنفس في وجوده إطلاقاً. وهي لا شك ستصطدم بصفوف وشرائح الأجيال الأخرى الأقدم التي نشأت في سياق هذا الثالوث، وتشرَّبت تداعياته وتأثيراته ودلالاته، وعاشت وفقها ومارستها بشكل واع وغير واع في العقود التي سبقت ظهور الجيل السوري الألفي على الساحة المجتمعية، وتشكيله أكثر من 60% من النسيج السوسيولوجي – الأنثربولوجي للمشهد السوري خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. لهذا، كان على تلك الثورة أن يبددها عدواها الطبيعيان. وما فشلُ الثورة السورية بالاستمرار إلا بسبب تكاثر سكاكين “المعسكرين- المأسلمين- المؤدلجين” على جسدها الضعيف، وعزلتها من كل شيء، سوى الحلم والروح والنُبل والإنسانية.

لم تسقط الثورة السورية لأنها “تعسكرت – تأسلمت – تأدلجت”. سقطت لأنها رفضت أن “تتعسكر – تتأسلم – تتأدلج”. تم إسقاطها وتفريغها من صانعيها ووقودها، لأنَّ طبيعتهم ورؤاهم تهدّد وجود ذهنية “العسكرة – الأسلمة – الأدلجة” التي هيمنت على العقلين السوريين، السلطوي والمناهض له على حد سواء، وتجعلها تدرك انتهاء صلاحيتها وأوان ساعة زوالها.. أمر لم يرد له أي طرف، لا داخلي ولا خارجي، لا إقليمي ولا دولي، أن يحصل في سورية، ناهيك بالسماح بحصوله في المنطقة برمتها.