أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » العراقيون العائدون من سورية… معوّقون يهملهم من جنّدهم

العراقيون العائدون من سورية… معوّقون يهملهم من جنّدهم

يحتاج راضي سالم الساعدي (31 عاماً) إلى ساق صناعية جديدة، بسبب سقوط ساقه البلاستيكية الحالية مرات عدة في النهار لأسباب طبية. كما أنّ طبيبا في مستشفى اليرموك في بغداد أبلغه قبل أيام بضرورة إجراء عملية دقيقة وعاجلة لإزالة ثلاث شظايا إحداها مستقرّة قرب نخاعه الشوكي وقد تتسبّب في حال تحركها، بشلل تام له. غير أنّ المستشفيات العراقية الحكومية غير قادرة على إجراء مثل هذه العمليات، كما أنّ الساعدي بالكاد قادر على شراء سجائره. فمنذ عودته من سورية قبل عامين إثر إصابته بجروح بليغة خلال معارك قرب دير الزور كان خلالها مع قوات النظام السوري ووحدات إيرانية تتبع الحرس الثوري، لم يتسلّم ديناراً واحداً كما يقول في حديثه لـ”العربي الجديد”، مؤكداً أنّ “مرتبه انقطع بعد عودته إلى العراق، ولم يحصل على رعاية صحية ولا على أي اهتمام. كما تمكّنت طليقته من أخذ المنزل الذي كانا يسكنان فيه.

ويعتبر الساعدي واحداً من مئات العراقيين الذين قاتلوا في سورية إلى جانب نظام الأسد وأصيبوا بإعاقات دائمة هناك، وهم يعانون اليوم من الإهمال وما يصفونه بتخلّي إيران عنهم وكذلك نظام الأسد. ووفقاً لمصادر عراقية في وزارة الصحة، جرت مطابقة الأرقام المتوفرة لديها مع مصادر مقربة من مليشيات عراقية، فإنّ ما لا يقلّ عن 1400 عراقي عادوا من سورية خلال السنوات الست الماضية بجروح بليغة، تسبّبت بعاهات دائمة لهم، أغلبها فقدان أطراف أو تشوّهات نتيجة مشاركتهم ضمن مليشيات مختلفة إلى جانب نظام الأسد. وسجّل أعلى عدد من جرحى المليشيات العراقية في سورية عام 2015، بحسب أحد التقارير، الذي أكد أنّ من بينهم مراهقين دون سن الثامنة عشرة.

هذه الشريحة التي باتت غير خافية داخل الشارع العراقي، واصطلح لأفرادها اسم “جماعة سورية”، لم يعد ينظر إليها كمشكلة اجتماعية في العراق، بل دخلت ضمن ملفات السجال بين رئيس الوزراء حيدر العبادي من جهة، ومعاون رئيس مليشيات “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، الذي يصرّ على إدراج هؤلاء ضمن قوائم مقاتلي “الحشد”، وشملهم بالمرتبات والرعاية الصحية أسوة بعناصر هذه المليشيا الذين أصيبوا داخل العراق. ويرفض العبادي هذا الأمر ويعتبر أنه “غير مسؤول عمّن قتلوا أو أصيبوا خارج العراق”.

وفي هذا الإطار، يقول مسؤول بارز في هيئة “الحشد الشعبي”، وهي الهيئة التي تعتبر مظلّة حكومية لكل الفصائل المسلحة في العراق والبالغ عددها نحو 70 فصيلاً من بينها ما لا يقل عن 40 فصيلاً مسلحاً يدين بالولاء لإيران، إنّ “القسم الرابع في فيلق القدس الإيراني هو الجهة المسؤولة عن رعاية من يتطوّع من العراق للقتال في سورية وبمرتبات شهرية جيّدة تصل إلى 800 دولار. وموضوع جرحى الحرب السورية يقع أخلاقياً على (قائد فيلق القدس) قاسم سليماني، لا على الحكومة” على حد تعبيره.

ويضيف المسؤول أنّ “مدن الجنوب والوسط فيها الكثير من الجرحى والمعوّقين وأغلبهم يعانون من مشاكل نفسية وعائلية، وقد سجّل انتحار أحدهم قبل أشهر بعد إصابته بمكان حساس”، معتبراً أنّ ملفهم بات “سياسياً قبل أن يكون إنسانيا، فالحكومة ترفض منحهم مساعدات مالية أسوة بمقاتلي الحشد، وتتركهم تحت رحمة المستشفيات الحكومية، كما ترفض اعتبارهم من ضمن معوّقي الحرب على الإرهاب، باعتبار أنهم سقطوا في سورية وليس العراق”.

ويوضح المسؤول أنّ هؤلاء “يعالجون في مستشفيات الحكومة المجانية، وقسم منهم يحتاج لعلاج متطور في الخارج، لكن الأهم أنهم بلا عمل وبلا مرتب”، خاتماً بالقول “نعم هذه إحدى المشاكل الحالية بين العبادي وقيادات في الحشد مثل قيس الخزعلي وأبو مهدي المهندس وهادي العامري”. وبحسب المسؤول نفسه، فإنّ قتلى عراقيين أيضاً سقطوا في سورية يطالب ذووهم الآن بأن تعتبرهم الحكومة شهداء، وتصرف لهم مرتبات وامتيازات، أسوة بقتلى الحشد الذين سقطوا في العراق.

من جهته، يقول عضو في مليشيا “كتائب حزب الله” العراقية ويدعى حيدر الطليباوي، إن “الكتائب ترعى أفرادها، سواء أصيبوا في سورية أو في العراق، وكذلك بالنسبة للشهداء”. ويضيف “نعم هناك فصائل مسلحة يجب أن ترعى أفرادها المصابين، كما أنّ حكومة العبادي للأسف ضعيفة وتنصاع للرقيب الأميركي، وتحاول أن تثبت له أنها حكومة جيّدة من خلال قرارات تضيّق على المقاومة الإسلامية”، وفقاً لقوله.

ويساهم عدد من المساجد في جنوب العراق وبغداد، وكذلك رجال الدين وبعض التجار ممن يحاولون تأمين أوضاعهم في مناطق نفوذ المليشيات بالعراق، بعملية دعم جرحى الحرب السورية من أفراد المليشيات، إلا أنّها تبقى ضمن سقف محدود ولا تمكّن الجميع من إكمال علاجهم خارج البلاد، كما أقرانهم الذين أصيبوا داخلها، حيث يتعالج هؤلاء في مستشفيات في بيروت وطهران وإسطنبول واليونان على نفقة الحكومة العراقية، وبموازنة رعاية مخصصة لهم ولأسر قتلى “الحشد”، والتي تخطّت هذا العام الـ5 ملايين دولار.

ويقول عضو “منظمة آل البيت للأعمال الإنسانية”، علاء لفتة، في حديث مع “العربي الجديد”، إنهم “يتعاملون حالياً مع تسع حالات حرجة لجرحى وصلوا العراق أتوا من سورية، ولم يحصلوا على مرتبات أو رعاية طبية في سورية أو إيران”. ويضيف “أحدهم وصل إلى العراق من سورية بعد أن أصيب، وقام عناصر من الجيش السوري بلفّ ساقه بغطاء مخدة، وهذا تصرّف غير أخلاقي لا من نظام الأسد ولا إيران”، مستدركاً بأنّ “الحكومة ترفض مساعدتهم أو علاجهم في الخارج، وتصرّ على معاملتهم كمواطنين عراقيين يمكنهم الاستفادة من الخدمات الحكومية بالمستشفيات، لا أكثر رغم أنّ ذلك لا ينفعهم”. ويرى لفتة أنّ “ملف الجرحى لا يقتصر على كونهم يحتاجون لرعاية طبية، لكن لكونهم أصبحوا عاطلين ويعانون من مشاكل نفسية واجتماعية، كما أنّهم يتسببون بمشاكل في مجتمعهم وبيئتهم التي يتواجدون فيها”.

من جهته، اعتذر مكتب العبادي عن الردّ على هذا الموضوع، وأبلغ مسؤول فيه ، أنهم “غير معنيين بالتصريح حيال هذا الموضوع”.

علي نعمة، الملقّب بـ”علي الغريفي”، كان أحد الذين شاركوا في معارك حلب الأخيرة، وأصيب خلالها بجروح وحروق مختلفة، جراء انفجار لغم أرضي بمركبة كان يستقلها مع آخرين. يعيش نعمة اليوم في محافظة ذي قار ضمن بلدة صغيرة جنوب الناصرية. يقول  إنه “غير نادم على القتال في سورية”، لكنه يؤكّد أنه “ناقم” على الذين تخلوا عنه. ويضيف “حالياً أحتاج إلى عملية ترقيع جلد، وتبلغ تكلفتها أكثر من 10 آلاف دولار. أنا لا أملك هذا المبلغ، وجلدي يتشقّق باستمرار”، مشيراً إلى أنّ “الفصائل في العراق قدّمت أسماء عناصرها لهيئة الحشد، ولم تعد الحكومة توافق على أي إضافة جديدة لأي اسم. هناك فصائل كثيرة رحّبت بي وساعدتني، لكنّ الموضوع هو الرعاية الصحية والراتب، وهو ما ترفضه الحكومة تحت مزاعم عدم إضافة مقاتلين جدد”.

أمّا خليل صغيّر النداوي (29 عاماً)، ويسكن في قرية شمال قضاء الصويرة جنوب العراق، فيقول ، إنه “نادم جداً” ويتمنى “لو أنّ أحداً منعه من الذهاب إلى سورية”. ويضيف “لا أمشي، وأقضي حاجتي على نفسي إذا ما تأخّرت زوجتي عني. ذهبت طمعاً بالراتب، لكني أصبت في الأسبوع الأوّل من وصولي قرب منطقة اليرموك، ولولا أنّ عراقيين كانوا معي وأسعفوني، لتركني أفراد استخبارات الفرقة الثانية في الجيش السوري حتى أنزف دمي كله”. ويختم النداوي بلهجة عراقية جنوبية، “يا ريت ما رحت ولا وصلت… قشمرونا (ضحكوا علينا)”.

ويتواجد على الأراضي السورية منذ ما يزيد عن ست سنوات، 13 فصيلاً عراقياً مسلحاً، جميعهم يعملون تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني. وتتورّط تلك المليشيات بجرائم قتل وتعذيب واعتداء، إضافة إلى سرقة منازل المواطنين السوريين.

وهذه الفصائل هي “لواء أبو الفضل العباس”، “لواء أسد الله الغالب”، “كتائب حزب الله العراقي”، “كتائب سيد الشهداء”، “فيلق الوعد الصادق”، “لواء كفيل زينب”، “حركة النجباء”، “قوات الشهيد محمد باقر الصدر” (منظمة بدر)، “لواء ذو الفقار”، “فوج التدخّل السريع”، “لواء الإمام الحسين”، “لواء المؤمل” و”كتائب الثأر”. ويقدّر مجموع عناصر تلك المليشيات ما بين 9 آلاف إلى 11 ألف مقاتل حالياً، ينتشرون في مناطق السيدة زينب بريف دمشق والقلمون وجنوب دمشق وقدسيا وريف حلب والغوطة الشرقية وحمص ومنطقة القصير وريف إدلب وعدرا والنبك وطريق الأوتوستراد الشرقي من دمشق وداريا والبو كمال ودير الزور وريف دير الزور ومناطق حدودية مع العراق شرق دمشق. وتعدّ تلك المليشيات الشريان الرابع لدعم نظام الأسد بعد القوات الروسية والحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” اللبناني.

إلى ذلك، يشكّك الخبير في الشأن العراقي، حسين الموسوي، بكون عدد هؤلاء المصابين في سورية يبلغ 1400 شخص فقط. ويقول إنّ “عددهم أكثر من ذلك بكثير”. ويضيف “بات في الجنوب شريحة كاملة من جرحى الحرب السورية، وقسم منهم أصبح ثقلاً على أسرته ومحيطه، فهم معوّقون فعلياً وبلا أي موارد”. ويتابع “في الأساس لو كان لديهم مال لما ذهبوا إلى المستنقع السوري بأرجلهم، لكن مبلغ 800 أو 700 دولار أميركي تدفعه جهات إيرانية لهم، إضافة إلى الشحن الديني الذي مورس في المناطق العراقية الجنوبية، كان كفيلاً لأن يجعلهم وقوداً في فصول هذه الحرب”. ويعتبر أنّ “الحكومة غير مسؤولة عنهم، وعملياً ستضع نفسها تحت طائلة القانون الدولي، في حال قدّمت رعاية لهم، وأيضاً ستخالف الدستور الذي يمنع التدخّل بشؤون دول الجوار بأي شكل من الأشكال، ورعايتهم تعني أنّها موافقة على قتالهم هناك وتدعمهم”.