أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » لوائح الموت تحت التعذيب: القتلى المذنبون

لوائح الموت تحت التعذيب: القتلى المذنبون

أصدر النظام البعثي في دمشق لوائح تضم أسماء عدد من السوريين الذين قتلهم تحت التعذيب، وذلك في حين يسارع النظام العالمي، أي القابض على العالم، إلى بلوغ غايته حياله، أي إعادة إحيائه وإطلاقه.

بلوائحه، قال النظام البعثي إنه لم يغتل أحداً من المذكورين فيها، بل ماتوا معن طريق الخطأ، لا سيما أن التمثيل بهم لا يهدف إلى إعدامهم، فلو أراد إفناءهم لفعل ذلك مباشرةً بلا المرور بمعاقبتهم عبر التنكيل.

على هذا النحو، وعندما يذهب النظام العالمي إلى احتضان النظام البعثي، وتبنيه، ينتقل الأخير من كونه “لم يرتكب أي مذبحة بحق السوريين” إلى كونه عذب بعضهم، وإلى كون قلة من هذا البعض لاقت حتفها عرَضاً بلا أن يقرر سحقها مسبقاً.

بالتالي، يبدو النظام البعثي وكأنه يعترف لمحتضنه، واعترافه هذا من النوع الذي لا ينتظر المقدم عليه أي قصاص على فعله. بل، العكس تماماً، بحيث ينتظر مواساته على سبيل العفو عنه.

فما جرى خلال تعذيبه للسوريين قد حصل معه، وليس معهم. وعلى إثره، ارتطم بظرف سلبي وصعب. الأمر الذي جعله يهرع إلى مشاركته مع غيره، النظام العالمي، كأنه وصي عليه، كما أنه القادر على تعزيته، والتخفيف عنه.

اعترف النظام البعثي بقتله السوريين تحت التعذيب لكي يتقاسم مصابه مع النظام العالمي، وما مصابه سوى أنهم رحلوا عن طريق الخطأ، عرضاً، ومصادفةً، وبلا أي تدخل منه. لقد ألمّ الحزن به من جراء ذلك، من جراء قطع الموت لإجرائه القانوني، من جراء توقف سيادته على أجساد مواطنيه للحظات، من جراء عرقلة عمله الرسمي.

وبسبب هذا، قرر أن يخبر النظام العالمي عما حدث معه، أن “يخبره كل شيء”، لكي يعينه على تحمل وضعه الشائك، ولكي يساعده على تخطيه، عبر رفعه المسؤولية عنه، ورميها على عاتق طرف معين، يُدعى بوضوح: القتلى، كل سوري زهقت روحه تحت التعذيب. فكيف يتجرأ على الرحيل في حين أن المطلوب منه البقاء لكي يمارس النظام البعثي سلطته عليه؟ كيف يتجرأ على تعطيل هذه السلطة؟ كيف يتجرأ على أن يوهن نفسيتها ويهز كيانها؟ كيف يتجرأ على مواجهتها؟ كيف يتجرأ على الموت؟

لم يقرر النظام البعثي إخبار النظام العالمي عن لوائحه لولا إدراكه بأنه على مقربة منه، أي سيتفهمه، إذ لن يجد في ما حصل معه غلطةً من ارتكابه، بل من ارتكاب ضحاياها فقط. لم يقرر النظام البعثي ذلك لولا أن النظام العالمي كان قد طمأنه أكثر من مرة إلى كونه إلى جانبه. فها هو يكرم مستشارة رئيسه بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية. وها هو يمحو من تقاريره حول فظائعه الكيماوية أيضاً، كل المعلومات التي تشير إلى أنه هو من اقترفها. وها هو يستجديه من وقت إلى آخر أن يسمح له بالتحقق من كون قتله للسوريين مجرد إشاعة.

هكذا، عرف النظام البعثي أن النظام العالمي يطلب منه أن يواصل وجوده. وهكذا، قرر أن يكافئه بالاعتراف إليه كما لو أنه يعترف به محتضناً ومعزياً له، كما لو أنه يؤكد على كونه يشغل قيمة لديه: “أنت نظامي الذي يجعلني أتخطى ظرفي السلبي والصعب، الذي يخبرني أن هلاك السوريين تحت التعذيب هو خطأهم وليس خطئي، وأنهم، بتبديدهم لسلطتي عليهم، كانوا يعتدون عليَّ”. وبهذه الطريقة، يحثه على المشاركة في الإنقضاض عليهم، يحثه على الثأر منهم أيضاً.

تتم الصلة بين النظامين، يصل نفي السوريين إلى الهدف منه: رمي مسؤولية قتلهم على عاتقهم، وجعل نظام بشار حافظ الأسد بريئاً من دمائهم ومن إخلاء العالم منهم.
تحية إليهم، سلام لأرواحهم، تعيش ثورتهم!

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة “المدن”