أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » من الصعب جداً تعليق أوهام على روسيا بعد كل هذا الدمار وكل هذه الدماء في سوريا . بقلم بسام مقداد

من الصعب جداً تعليق أوهام على روسيا بعد كل هذا الدمار وكل هذه الدماء في سوريا . بقلم بسام مقداد

على غير عادتها في مثل هذه المناسبات ، لم تجد كبريات الصحف السياسية الروسية من ضرورة لتخصيص لقاء “أستانة 10” في سوتشي بتحليل أو مقالة تذكر . واكتفت هذه الصحف والمواقع بمتابعة ما يصدر عن المسؤولين الرسميين عن هذا اللقاء ، ونشر بعض التصريحات أو المقابلات المختصرة مع مشاركين فيه .

يدرك الكتاب السياسيون الروس الجديون ، أن نشاطات المسؤولين الروس وتحركاتهم ، بما فيها عقد لقاء “أستانة 10” ، فيها الكثير من الضجيج والقليل من الطحن ، وتصب في معظمها في طاحونة “العظمة الروسية” وترسيخها في وعي المواطن الروسي العادي . وكان هؤلاء الكتاب قد جهدوا في الفترة الأخيرة في متابعة حركة المسؤولين والمبعوثين الروس في الشرق الأوسط وأوروبا ، وهم يوزعون أنباء “الإنتصارات” الروسية في سوريا ، ويدعون الجميع إلى توظيف هذه “الإنتصارات” في إعادة إعمار ما هدمته في سوريا والتخلص من عبء المهجرين السوريين . ولم يجد المبعوثون الروس حرجاً في ابتزاز العنصريات والمخاوف ، التي رافقت النزوح السوري إلى بلدان الجوار وأوروبا ، لكي يلوحوا بأعداد من يمكنهم العودة من المهجرين ، تفوق بمرات العدد 336 ألف مهجر ، الذي أعلن العسكريون الروس أنفسهم ، حسب صحيفة “RBK” أن بوسع السلطة السورية استيعابه في الوقت الراهن .

وكانت ملفتة في هذا الإطار المقالة ، التي نشرتها صحيفة “kommersant” صبيحة اليوم ، الذي انطلق فيها لقاء سوتشي ، والتي لم تأت فيها على ذكر اللقاء عينه ، بل حذرت القيادة الروسية من الإيغال في النفخ “بالعظمة الروسية” ، والتوظيف في السلاح والحروب ، التي يفترضها هذا السلوك . وقد جاء هذا التحذير على خلفية المظاهرات والإحتجاجات ، التي تشهدها في هذه الأيام شوارع موسكو والمدن الروسية الأخرى ، ضد قانون رفع الضريبة على القيمة المضافة ، وقانون رفع سن التقاعد ، والتي يقودها حليف الكرملين الثابت الحزب الشيوعي الروسي “اليميني المتطرف” ، على وصف الليبراليين الروس له .

كان الكرملين يعول كثيراً على الحضور الأميركي للقاء سوتشي ، خاصة بعد قمة هلسنكي بين بوتين وترامب ، وما أشاعه الروس عن موافقة ترامب في المساعدة على عودة اللاجئين السوريين . وحين أعلن الأميركيون عن عدم علمهم بأية اتفاقات تم التوصل إليها في هلسنكي واستمرارهم في مقاطعة لقاءات منصة أستانة ، أدرك الكرملين أن لقاء أستانة -10 في سوتشي لن يكون ورقة في مفاوضاته مع أوروبا بشأن ملف المهجرين ، وأن اللقاء تُرك مشرعاً للتناقضات بين مكوناته، التي تهدد بالإنفجار في وجه إمساك روسيا المتزايد بالواقع على الأرض في سوريا . وأدرك الكرملين أن عليه استيعاب الإعتراضات المتفجرة بوجهه سواء من الجانب الإيراني ، او من الجانب التركي .

وفي إطار سعي الكرملين هذا،أخذت نبرة الإعلام الروسي تنخفض حيال إيران ووجودها في سوريا ، وعلى العكس، ترتفع حيال إسرائيل ومفهومها “الغريب” لقضية أمنها ومطالبتها بانسحاب إيران من كل سوريا . وتكلل هذا الإنعطاف في الخطاب الروسي تجاه الصراع الإيراني الإسرائيلي بتصريح السفير الروسي في إسرائيل عشية انعقاد لقاء سوتشي بالذات ، حول شرعية الوجود الإيراني في سوريا ، الذي “يتوافق مع القوانين الدولية وسيادة الدولة السورية”.

من جانب آخر ، أخذت مسألة محافظة إدلب ،وما تعنيه بالنسبة لتركيا ، تتراجع من جدول أعمال لقاء سوتشي ، إلى أن اختفت كلياً من البيان الختامي للقاء. ووجدت صحيفة “NG” الروسية ، أن مخططات دمشق في شن حملة جديدة على المعارضين تهدد وحدة “ترويكا” أستانة . ونقلت الصحيفة عن خبير المجلس الروسي للعلاقات الدولية كيريل سيميونوف قوله ، بأن الأتراك يعترضون على العملية ضد إدلب ، وأنهم أبلغوا الروس بذلك . ويؤكد هذا الخبير ، ان طرح مسألة الضغط على إدلب ، يُفقد “أستانة” معناها ، والأتراك يريدون أن تعالج هذه المسألة في إطار “ترويكا أستانة” ، وليس في إطار “محور” طهران دمشق موسكو.

وتنقل الصحيفة عن مصدر في وزارة الخارجية الأميركية قوله ، أن الولايات المتحدة تشك في ما إذا كانت “ترويكا أستانة” قادرة على مواصلة العمل على حل الأزمة السورية . ويقول هذا المصدر ، أن الولايات المتحدة ترحب بأية عملية ترمي لتخفيض العنف في سوريا ، وتخلق الظروف للإنتقال السياسي وفق نص القرار المعني لمجلس الأمن . إلآ أن الخرق العميق لوقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا من قبل روسيا وإيران ، “يجعلنا ندرك أنهما لا تقدمان أية مساهمة جدية في وقف العنف المتواصل” في سوريا .

وفي ما يتعلق بمسألة عودة المهجرين السوريين ، تنقل الصحيفة عن الممثل الخاص السابق لوزارة الخارجية الأميركية في عملية إنتقال سوريا السياسي فريدريك هوف ، قوله بأن الحجة الروسية في هذه القضية تقوم على أنه لا أوروبا الغربية ولا البلدان المجاورة لسوريا، لن تتحرر من العبء الثقيل للمهجرين السوريين طالما لم يتم إعادة إحياء الإقتصاد السوري بالكامل .

في اللقاء التاسع “لمنصة أستانة” أصرت موسكو على نقل موقعها إلى سوتشي للتأكيد على قدرة المنصة على الإمساك بالعملية السياسية في سوريا ، وليس الإكتفاء بترتيب الوضع العسكري على الأرض فقط ، مما يجعلها بديلاً “مقبولاً” لمنصة جنيف . لكن النص الختامي ، الذي انتهى إليه لقاء “أستانة – 10” في سوتشي ، عمد إلى ترحيل لجنة الدستور إلى جنيف ، ولم يأت على ذكر إدلب ، واكتفى بالعموميات في ما يتعلق بالكشف عن المعتقلين والمفقودين، وعودة المهجرين . مثل هذا النص لا يشير إلى أن موسكو قد نجحت في إعادة منصة “أستانة” إلى بيت الطاعة الروسي، بما يتلاءم مع واقع روسيا المستجد بعد “انتصاراتها” في سوريا .

لقد عجزت “أستانة” عن التحول إلى بديل “مقبول” عن جنيف ، واستمرت إطاراً لمعالجة الإختلافات على الأرض بين دولها الثلاث المحتلة للأرض السويرية . ولم يكن من الصعب إدراك هذا العجز قبل انعقاد اللقاء ، مما يدفع إلى التساؤل عن الأهداف ، التي دفعت بمعارضين سوريين لحضور لقاء سوتشي .

لكن عجز “أستانة” هذا لم يحل دون أن يعلق سوريون آمالاً كثيرة على لقاء سوتشي ، هي بالحقيقة أوهام وليست آمالاً . فهل كان يأمل فعلاً أحد السوريين ، الذين حضروا اللقاء ، أن تستمع روسيا إلى مطالبته لها في مقابلة مع صحيفة “KOMMEERSANT” صبيحة اليوم الثاني من اللقاء ، بأن تتخلى روسيا عن تحالفها مع إيران وتستبدله بالتحالف مع المعارضة السورية . وهل فعلاً ليس للسوريين من مشكلة مع روسيا ، إذا هي أوقفت قصفها لهم . وهل تأخذ روسيا بقوله ، أن السوريين على استعداد للتعاون معها ، شرط أن يتم بناء دولة وطنية ، وليس دولة تحكمها الديكتاتورية على أسس إثنية دينية .

من الصعب جداً أن يصدق أحد ، أن ثمة من لا يزال يعلق مثل هذه الأوهام على روسيا ، بعد كل هذا الدمار وكل هذه الدماء في سوريا .

المصدر: almodon