أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » اللجوء السوري في نسخته الأخيرة: كيف أدار الأردن معركة صمود «إغلاق الحدود»؟

اللجوء السوري في نسخته الأخيرة: كيف أدار الأردن معركة صمود «إغلاق الحدود»؟

عند محطتين على الأقل اضطر الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة الأردنية ومعه الناطق باسم الحكومة الأردنية للتركيز إعلاميا على جرعة محددة من التوضيح والشرح بخصوص حركة النزوح الأخيرة قبل الحسم العسكري جنوبي سوريا تجنبا لمواجهة مع تيارين ضاغطين، الأول خارجي والثاني داخلي.
مسبقا قررت القوات المسلحة الأردنية ان حدودها المحروسة مع سوريا ستبقى مغلقة أمنيا بكل الأحوال تنفيذا لقرار اتخذ بالخصوص العام الماضي. ومسبقا قررت الحكومة الجديدة التي تشكلت في بدايات أزمة الجنوب الأخيرة أن الأردن لن «يستقبل المزيد من اللاجئين».
ورغم ان أصول عائلة رئيس الوزراء الجديد الدكتور عمر الرزاز تعود لعائلة سورية، إلا انه تقصد تأكيد رسالة حكومته في قرارها الاستراتيجي الخاص بعدم استقبال المزيد من اللاجئين السوريين عندما كان أول نشاط ميداني له بعد تكليفه برئاسة الحكومة هو زيارة المنطقة الشمالية في الأردن ولقاء نخبة من الجنرالات وتفقد غرفة العمليات اللوجستية التي اقيمت تحت شعار» مساعدة اللاجئ السوري داخل أرضه» هذه المرة.
راهنت الحكومة الأردنية هنا على الصبر قليلا وقاومت على مدار أربعة أسابيع ضغوطا كبيرة من منظمات المجتمع المدني بفتح الحدود لنازحي الجنوب. وكرر وزير الخارجية ايمن الصفدي الموقف نفسه مرات ومرات وهو ان بلاده لن تستقبل لاجئين سوريين جددا.
وفي اجتماع مغلق لمركز الأزمات الأردني تليت التقارير الميدانية التي تغذي القرار السياسي والعسكري والأمني بالمعطيات. وقالت حكومة الرزاز مبكرا لـ«القدس العربي»: نحن بشأن كل ما يتعلق بالجنوب السوري نتحدث مع روسيا والمؤسسة العسكرية تتواصل مع نظيرتها السورية لحماية وتأمين الحدود ولا مبرر للهلع بشأن اللاجئين والأردن سيقدم لهم «في أرضهم» ما يستطيع من مساعدة.
في الأثناء تجمع نحو نصف مليون نازح سوري هاربين من العمليات العسكرية لجيش النظام بالقرب من الحدود الأردنية مع درعا، وبدأت تبث أشرطة الفيديو لنازحات يطالبن الملك عبد الله الثاني بفتح حدوده لحماية النساء والأطفال.
نجحت هذه الأشرطة نسبيا في التأثير على مشاعر الشارع الأردني وانطلقت بيانات وحملات تنتقد موقف الحكومة في إغلاق الحدود وتطالب بفتحها لإيواء «الشقيق السوري».
هذا التعاطف استمر عمليا إلى ان اشتغلت خلية إعلامية ببعد أمني وبثت في وسائط تواصل الأردنيين الاجتماعية صورا تظهر أن بعض التجمعات من النازحين تضم نشطاء عسكريين لهم صور وهم يحملون السلاح. ثم تقدمت السلطة الأردنية بالحقنة التي أصابت الأردنيين شعبيا بالهلع الأمني: لا توجد ضمانات بأن لا يختلط مقاتلون من تنظيم «داعش» الإرهابي بالنازحين إذا فتحت الحدود وسمح لهم بالعبور جماعيا.
لإحتواء الضغوط الداخلية والخارجية تم إقرار بروتوكول تكتيكات للتعامل مع الموقف دون المساس بالقرار الاستراتيجي لأرفع أوساط القرار وهو استمرار إغلاق الحدود ومنع حالة «لجوء» سورية جديدة في اتجاه الأردن.
ضمن الخطوات التي اتخذت بالتنسيق مع منظمات دولية إقامة مقرات للعلاج الطبي للجرحى والمرضى اللاجئين في عمق الأرض السورية ولم تسع عمان هنا للحصول على موافقة دمشق بل حظيت بضوء أخضر روسي. وأقامت الخدمات الطبية الملكية التابعة للجيش الأردني فعلا عدة مقرات طبية ميدانية داخل الأرض السورية على نقاط التماس الحدودي استوعبت الكثير من الحالات، وبدا الأمر وكأنه تأمين عيادات لعدد أقل من المتوقع من المرضى وأشبه بتأمين صحي للنازحين مجانا دون الإضطرار لتكرار تجربة عام 2011 وادخالهم. عمليا كانت تلك الخطوة تأكيدا من قبل السلطات الأردنية لعشرات الآلاف من اللاجئين المتجمعين على ان الحدود لن تفتح.
وأكمل الرزاز نفسه ذلك البروتوكول عندما أعلن ان الحالات الطبية المستعصية أو تلك الخطيرة سيسمح بإدخالها للأردن ما دامت العيادات الميدانية غير قادرة عليها، الأمر الذي حصل فعلا لاحقا، حيث أدخل الجيش بعد التدقيق الأمني نحو 150 حالة من مصابي سيناريو «استعادة الجنوب» بعدما ترنح تماما وخرج من الخدمة ما سمي بسيناريو «خفض التصعيد».
وأكمل الأردن خطته في السياق عندما طلب من المنظمات المحلية والدولية الراغبة في مساعدة النازحين الجدد في الجنوب السوري تقديم ما لديهم من مساعدات والتنسيق مع الهيئة الهاشمية للإغاثة الخيرية لنقل هذه المساعدات وبطرق عسكرية فنية خاصة غير علنية للداخل السوري.
وبالفعل حصل ذلك أيضا وأعلن الرزاز أن من يريد تقديم مساعدة عينية أو غذائية أو طبية للنازحين السوريين عليه الاتصال بالهيئة الهاشمية وهي تستطيع تأمين المساعدات.
وتحركت شاحنات أردنية خاصة وبالتنسيق أيضا مع موسكو وليس مع دمشق، في الوقت الذي كانت فيه غرفة العمليات المشتركة التنسيقية مع الجيش الروسي تتولى الجانب القتالي والعسكري في المناطق المحاذية ووفقا للتفاهمات الأمنية مع الأردن الذي قدم بدوره المساعدة لروسيا ولدمشق بمساهمة عسكرية وأمنية فعالة لها علاقة بتسليم أسلحة فصائل في المعارضة كان الأردن يحتضنها أو لديه تأثير عليها.
استراتيجية بقاء الحدود مغلقة حفاظا على الأمن الأردني ولمصلحة الشعب السوري ينبغي ان تصمد. هذا ما قاله الإعلامي الأردني المسيس جهاد المومني، وهو يتناقش مع «القدس العربي» حول الموضوع مقدرا أن على العالم ان يتفهم المسوغات الأردنية وعليه ان لا يسمح بمكافأة النظام السوري بتيسير لجوء ونزوح مواطنيه وشعبه بعد قصف البلدات والقرى.
ومبكرا وعلى الهواء مباشرة في إذاعة الحكومة الأردنية اقترح المومني وضيوف معه ضرورة الانتباه لخديعة اللجوء السوري مجددا تجنب إعفاء النظام السوري من مسؤوليات الحرب التي يشنها أصلا تحت عنوان طرد الإرهابيين. بالتزامن امتصت ملاحظة عسكرية أردنية غالبية مظاهر التشنج في الشارع الداخلي عندما أشارت إلى أن مقاتلي «داعش» يتحركون في منطقة شمال سوريا وحوض نهر اليرموك وفي مناطق أخرى يحاولون الاختلاط باللاجئين.
ألمح المومني إلى ان دوافع النزوح الأخيرة قد لا يكون لها علاقة بوجود «تهديد». ومبكرا فهمت «القدس العربي» من مسؤولين في رئاسة الوزراء والوزير ايمن الصفدي أن التقدير الأولي يؤشر على وجود «دوافع اقتصادية» وراء حالة النزوح الأخيرة جنوبي سوريا، حيث سمعة الاسترخاء في الأردن جيدة بسبب تسهيلات قانونية ومالية وصحية متعددة. وحيث أموال تدفعها دول خليجية مباشرة للاجئين في الأردن وأموال تدفعها دول غربية غنية للخزينة.
الأردن وحسب ما قال وزير الداخلية الأسبق لـ«القدس العربي» سلامه حماد، تعرض للتضليل ولخديعة كبيرة في مواجهة ملف اللجوء السوري حين تكلفت الخزينة نحو 12 مليار دولار وامتنعت الدول الصديقة والشقيقة التي وعدت بتقديم المساعدة وضغطت لفتح الحدود في تجربة 2011 وفيما قدم العالم برمته مساعدة لا تزيد عن أربعة مليارات دولار. صادق أيضا وزير المالية الأسبق عمر ملحس على هذه المعطيات الرقمية. لكنها في كل حال معطيات رقمية توضح بروز صوت إجماع داخل النخبة الأردنية على ان تجربة اللجوء ينبغي ان لا تتكرر خصوصا وان الأردن تعرض للخديعة.
ومن المرجح ان مثل هذا الإجماع هو السبب الذي عزز قناعة غرفة القرار الأردني بحصول خديعة ينبغي ان لا تتكرر كما حصل في الماضي القريب وبوجود خلفيات لدوافع اقتصادية وبعدم وجود تهديد حقيقي يتطلب نزوح نصف مليون لاجئ سوري على الحدود مع الأردن. في المحصلة الأردن خاض لعبة النسخة الجديدة من اللجوء السوري بمعايير خشنة نسبيا ومؤسسة على استراتيجية تبديد أمل مواطنين سوريين في الاستقرار في الأردن.
في حكاية اللجوء السوري الجديد كان لموسكو دور بارز واستراتيجية عمان صمدت والنتيجة كانت عودة نحو 250 ألف سوري نازح على الأقل لقراهم بترتيبات مع الروس والتوقف التام لتظاهرات النزوح التي كانت تناشد الأردن قرب الحدود أو تشتمه.

المصدر: عمان ـ «القدس العربي»