أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » فيلم “رجل القفز” لتفردوفسكي: صورة قاتمة لروسيا الراهنة

فيلم “رجل القفز” لتفردوفسكي: صورة قاتمة لروسيا الراهنة

لـ”مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي” فضلٌ كبير على المخرج الروسي إيفان تفردوفسكي (1988). فمنذ فيلمه الروائي الطويل الأول “فصل التصحيحات” (2014)، يستضيف المهرجان المخرج الشاب، الذي يُشارك فيلمه الأخير “رجل القفز” (2018) في المسابقة الرسمية لدورته الـ53 (29 يونيو/ حزيران ـ 7 يوليو/ تموز 2018)، الحاصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم. بهذا المعنى، فإن المهرجان “سببٌ” للتعرّف عليه وعلى سينماه في المشهد الدولي.

فيلمه المتميّز “علم الحيوان” (2016) فائزٌ، قبل عامين، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بالدورة الـ51 (1 ـ 9 يوليو/ تموز 2016) للمهرجان نفسه، علمًا أن الروائي الأول له فائزٌ، هو أيضًا، بجائزة “أفضل فيلم” في مُسابقة “شرق الغرب”، في الدورة الـ49 (4 ـ 12 يوليو/ تموز 2014). كأنّ إيفان تفردوفسكي على موعد مع جوائز المهرجان.

في بداية “رجل القفز” كما في نهايته، تتخلّى أوكسانا (آنا سلاو) عن ابنها دنيس (دينيس فْلاسينكو). كرضيعٍ، تضعه في ما يشبه صندوق القمامة، المُلحق بإحدى دور الأيتام، المُخصّصة للأطفال الذين يتخلّى أهلهم عنهم. سريعًا، يظهر دنيس مُراهِقًا يتبارى بين أقرانه في اختبارٍ لقياس قوة التحمُّل، فهو مولود مع اضطرابٍ خلقي، يجعله غير شاعرٍ بالألم كثيرًا، أو يُمكِّنه من تحمُّل درجات قصوى من الضغط، من دون ألم بالغ أو أذى كبير.

فجأة، تأتي شابّة عصرية يافعة ومثيرة إلى دار الأيتام للمُطالبة بدنيس، البالغ 16 عامًا. إنها أوكسانا المتخلّية عنه قبل أعوامٍ مديدة، وبعد تبدّل أحوالها على نحو ملحوظ. يُرفض طلبها لارتياب مدير الدار في صلاحيتها وأمانتها كأم على ابنها. هذا كلّه يوحي بأن الفيلم سيدخل تلك المنطقة الشائكة: صراعا بين أم ضحية ظروف ومجتمع، وابن راغب في الانضمام إليها وتمزّقه إزاء الرفض، وعجز عن تحقيق المُراد بسبب قسوة القوانين ولاإنسانيتها. بالتالي، فإن هذا المشهد يكاد يضع المشاهدين أمام طرح اجتماعي ـ إنساني يقترب من أفلامٍ عديدة تتناول تلك الظاهرة في أساليب كثيرة.

يتجنّب إيفان تفردوفسكي، مُخرج “رجل القفز” وكاتب السيناريو الخاصّ به، المُعالجة المعتادة. يُخالف تصوّرات متعلّقة بنموّ السيناريو وتطوّره على نحو مُتوقّع. تدريجيًا، يكشف السينمائي أنه يعتمد النهج نفسه المتبع في فيلميه السابقين: توظيف الغرائبي أو شبه الغرائبي أو الشاذ أو المُغاير للمُجتمع في مُعالجة سينمائية فانتازية أو واقعية، لانتقاد الحاضر الروسي في مستوياته المختلفة. في “رجل القفز”، الانتقاد سياسي واجتماعي أساسًا. في الروائي الثاني “علم الحيوان”، الانتقاد اجتماعي وعقائدي وإنساني. في “فصول التصحيحات”، هدفه النيل من قوانين الدولة الجائرة وتعارضها مع الإنسانية، خصوصًا أصحاب العاهات أو الإعاقات الخاصة.

من إدانته وانتقاده الطبقات الفقيرة الهامشية ومحدودية تفكيرها وثقافتها في “علم الحيوان”، انتقل إيفان تفردوفسكي إلى انتقاد لاذع وإدانة قاسية لأعلى المُستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية في المناصب المختلفة في الدولة. لذا، تعمّد تجهيل مُعظم الشخصيات، وعدم تحديد أسماء لها، لتوسيع الإدانة وتعميمها. في “رجل القفز”، ينطبق هذا على رجل الشرطة (دانييل ستيكلوف) ووالدته (ناتاليا بافلينكوفا)، طبيبة الطوارئ في إحدى المستشفيات، ورجال الإسعاف، وغيرهم. الاسم الوحيد المذكور هو اسم الأم (أوكسانا) المُدانة منذ اللحظات الأولى للفيلم حتى نهايته. الفرق كامنٌ في أن إدانة أوكسانا ظاهرة منذ البداية، بينما الإدانات الأخرى مُبطّنة وموجَّهة بطريقة غير مُباشرة.

لم يتوقف الإجرام الأمومي لأوكسانا عند هجرها لرضيعها، إذْ نجحت في “تهريبه” من دار رعاية الأيتام. في البداية، هناك اعتقاد بأنه فرار نحو الحرية، والأمومة المفقودة، والتعويض عن الحب الغائب والأعوام المسلوبة من عمر دنيس. لكن يتّضح تدريجيًا أن لـ”التهريب” أغراضه التي يتعيَّن على دنيس أن يدفع ثمنها من “لحمه الحيّ”، بالمعنى الحرفيّ للتعبير: بإشراف الأم، يتمّ استغلال مناعته ضد الألم لابتزاز أصحاب الثروات الطائلة في المجتمع.

ليلاً، مثل “كنغر” شارد، يُباغت المراهقُ الضحيةَ بإلقاء نفسه أمام سيارته. هناك حرفية ودراسة للعملية: الاصطدام مُتعمّدٌ في أجزاء معيّنة من الزجاج الأمامي للسيارة، وضعية الجسم، الاتجاه نحو الأرض والارتطام بها.

عندما ترفض ضحية من ضحايا عمليات الاحتيال دفع التسوية المطلوبة مُقابل عدم رفع دعوى قضائية، تعمل المجموعة معًا، بدءًا من دنيس والضابط وفريق الإسعاف وطبيبة الطوارئ، وانتهاءً بالمدّعي العام، كي يكون مصير الضحية السجن، بعد تغاضي المدّعي العام والقاضية المحلية عن البحث الجدّي في القضية وتفنيدها، ثم تمريرها وإصدار حكم سريع فيها. حتى مُحامية الدفاع تتجاهل صُراخ مُوكّليها ومُناشداتهم الحارة للدفاع عنهم، أو القيام بأي شيء من أجلهم. يتكرر هذا في أحد أكثر مشاهد الفيلم سخرية وعبثية وإدانة لأعلى سُلطة في البلد، أي للنظام القضائي الروسي.

“رجل القفز” نظرة بالغة التشاؤم إزاء المجتمع الروسي المعاصر، الآخذ في الانهيار. دليل على ذلك: الانحطاط الأخلاقي والإفلاس الإنساني الضاربان في الطبقات المختلفة. العاطفة النبيلة (الأمومة) مضروبة في مقتل، إنْ بالتخلّي عن الطفل فور ولادته، أو عند طرده لاحقًا مع انتفاء الحاجة إلى خدماته. إنه فضح قوي وإدانة دامغة لأنواع الفساد كلّها، والمُستشرية بعمق في المجتمع برمّته، خصوصًا في الطبقات العليا، المثقّفة والمتعلّمة، التي تعيش على دماء شباب المجتمع وفتيته، وهم شريحة يتناولها إيفان تفردوفسكي في أفلامه.

للإمعان في نقل قتامة الصورة، يُصوّر تفردوفسكي غالبية مشاهد “رجل القفز” ـ خصوصًا بعد خروج دنيس من دار الأيتام حتى عودته إليها ـ في الظلام. حتى مَشَاهد شقة والدته ولقاءاتهما السعيدة فيها مُصوَّرة ليلاً. بصريًا، يسود الظلام الحياة “الحرّة” لدنيس خارج دار الأيتام.

قبيل نهاية الفيلم، يلتقي رجل أعمال ـ تمكّن من تجنّب العصابة مرات عديدة ـ بدنيس. يخبره أن هناك “ملايين” من رجال القفز مثله في روسيا، وأن الأمر مُجرّد ابتزاز سياسي ـ اقتصادي له، لا لعبة احتيال صغيرة من أفراد عصابته. أما الشرطي، فيخبره أن صناديق القمامة مليئة بـ”ملايين” من أمثاله يتمنّون القيام بهذا العمل.

مع انسداد الأفق، وانهيار المُستقبل أمام عينيه والحياة الحرة التي يحلم بها، وخيبة أمله في والدته، يعود دنيس طوعًا إلى دار الأيتام نفسها. أي إلى المكان الذي جاء منه.

محمد هاشم عبد السلام