أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » صدّام وبسمارك

صدّام وبسمارك

هل كان صدام حسين ليلة الثاني من أغسطس/ آب عام 1990، ليلة غزوه الكويت، يفكّر في صنوه أوتو فون بسمارك، صاحب عملية توحيد ألمانيا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر؟ وهل قدّر أن الظروف مواتية له، كي يكون “بسمارك العرب”، وأن تتدحرج أمامه دول الخليج واحدة بعد الأخرى؟ هل قرأ التاريخ جيدا، ووجد فيه ما يدفعه إلى المغامرة؟ وهل فكّر في ردّ الفعل الدولي المحتمل على مغامرته، وفي حجم الخسارة أو الخسارات التي سوف تلاحقه، وتلاحق بلده، فيما لو أخفق في مغامرته؟

من يقرأ سيرتي صدام وبسمارك يكتشف أن ثمّة أكثر من شبه يجمع بينهما، يقول المحقّق الفيدرالي، جورج بيرو، الذي عقد جلسات تحقيق طويلة مع صدّام إنه “داهية، سياسي بارع، وذكي”، ويصفه أحد المقربين (عبد الجبار محسن) بأنه “ذكي بشكلٍ مفرط، ونرجسيّ إلى درجة أنه يبالغ في قدراته الذاتية، ويتصوّر الأماني التي تدور في ذهنه حقائق واقعة، ويتصرّف على أساس ذلك”. في المقابل، عرف بسمارك تاريخيا بأنه “متغطرس، خشن الطباع، شديد الاعتداد بنفسه إلى حد الاعتقاد بأنه وحده على حق، وهو القائد والزعيم، وغيره من رجالات ألمانيا أقزام”.

لم تكن لأي منهما خبرة سابقة بشؤون الحكم وإدارة الدولة، لكن بسمارك يتفوّق على صنوه في أنه استفاد من الأحداث التي مرّ بها وطوعها لصالحه، حيث أعاد النظر في كثيرٍ مما كان يعتبره من المسلمات، في حين لم يأخذ صدّام العبرة من الأحداث التي أحاطت به، وظل مكابرا، ومتعنتا في مواقفه.

كلاهما لا يقيم وزنا للأساليب الديمقراطية في الحكم، ولا يعبأان بالدستور والقانون. هناك مقولة مشهورة لصدّام “القانون ورقة نحن نكتبها، ومتى ما أردنا نمزّقها ونكتب غيرها”. كلا الرجلين يؤمن بالعنف واستخدام القوة في حل المشكلات، وقد استخدم كلاهما الشدة والبطش في قمع المعارضين، ووضع قيودا على الحريات العامة. وثمّة مقولة لبسمارك إن “المشكلات المهمة لا تحل بالخطب والخضوع لرأي الأكثرية، بل بالدم والحديد”.

استخدم صدّام وبسمارك الإعلام في مقارعة الخصوم، كلاهما كان شديد الاستخفاف برجال
الفكر والقلم. كان بسمارك يتساءل دائما بسخرية: “ماذا قدّم المفكرون والفلاسفة لألمانيا؟”. وكان صدّام لا يريد من المثقف سوى ترويج النظام والالتزام بشعاراته، وفي اجتماع للكادر المتقدّم قال لهم: “اتركوا التنظير على القيادة”، و”من لا يستطيع أن يكاون (يتعارك) ليس بعثيا”!

قاوم صدّام مشروع الوحدة مع سورية، بحجة أن الرئيس السوري، حافظ الأسد، يريد السيطرة على العراق. وقبل ذلك قد أصدر “الإعلان القومي” الذي يحرّم تسوية الخلافات العربية – العربية عن طريق القوة المسلحة. وعندما نسي الناس إعلانه هذا أقدم على احتلال الكويت وتدميرها، مصطنعا مبرّرات مختلفة لمغامرته. واستخدم بسمارك سياسة توازن القوى، للحفاظ على السلام في أوروبا. عارض الوحدة الألمانية بحجة أن بروسيا سوف تفقد استقلالها، وسرعان ما انقلب إلى داعية للوحدة الألمانية. آمن صدّام بالمشروع القومي العربي، وبضرورة تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية، لكنه كان يريد ذلك تحت قيادته المتفرّدة. واستغلّ بسمارك الشعور القومي، وشكل دولة ألمانيا الموحدة والقوية من عشرات الكيانات الصغيرة، كلاهما كان يرى في نفسه البطل القومي الوحيد لأمته، والقادر على إدارة شؤونها، ويخشى أي منافسٍ له، ومؤمنا أن القمة لا تتسع لأكثر من واحد.

اتخذ الألمان من بسمارك بطلا قوميا، وأشاد المؤرخون بدوره رجل دولة، وما يزال عراقيون كثيرون ينظرون إلى صدّام بطلهم، وقد أقام دولة شديدة المركزية تخضع لإرادته وحده. المفارقة أن بسمارك نجح في تغيير وجه ألمانيا، وصنع منها دولة مؤثرة، ليس في القارة الأوروبية فحسب، إنما في العالم كله، فيما فشل صدّام في تحقيق ما هدف إليه، وأدت مغامرته في الكويت إلى طعن المشروع القومي، وتمزيق العالم العربي.

مفارقة أخرى أن بسمارك قدّم استقالته رئيسا لوزراء ألمانيا، استجابة لرأي الإمبراطور فيلهام الثالث الذي كان يعارض سياسة التوسع التي دعا إليها بسمارك، وانصرف إلى كتابة مذكّراته حتى مات، فيما رفض صدّام تخليه عن السلطة، بعد خطيئته في غزو الكويت التي أوجدت المبرّر للقوى الشرّيرة لغزو العراق واحتلاله.

بعد هذا: من منهما يشبه الآخر، يمكننا أيضا أن نقلب السؤال: من منهما لا يشبه الآخر؟

عبد اللطيف السعدون