أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » محمود عادل بادنجكي : سـأحـرّرُ والـدي الـشـهـيـد الذكرى 31 لاستشهاد والدي 8/8/1980

محمود عادل بادنجكي : سـأحـرّرُ والـدي الـشـهـيـد الذكرى 31 لاستشهاد والدي 8/8/1980

سـأحـرّرُ والـدي الـشـهـيـد مـحـمـّد عـادل بـادنـجـكـي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالة كتبتها في 08 أغسطس، 2011 وبقيتُ بعدها لمدّة ثلاثة عشر شهراً بين فكّيّ النظام المجرم.. ولحُسن الحظّ أنني بقيتُ إلى هذه الأيّام أسردُ لكم.. قصّة أولى إرهاصات ثورتنا قبل واحد وثلاثين عاماً.

كنتٌ قد سردتُ في غير مكان هنا.. عن بعض ملابسات استشهاد والدي.. وكيف اخترتُ يوم استشهاده ليكون ذكرى ليوم الأب.. اشتغلتُ عليها منذ العام 1996 وحتى اندلاع الثورة السورية.

لكنّ المسكوت عنه طوال هذه السنوات الطِوال.. هو حقيقة استشهاده!! فقد تربّى أولادي.. وأولاد أشقـّائي على فكرة جبانة أن ّ جدّهم قد قضى بحادثً.. ثمّ يكتشف الأطفال بحسّ البراءة والفطرة أنّنا كنّا نكذب عليهم.. لنصارحهم بعدما أصبحوا أكبر سنـّاً بالسرّ الكبير (همساً) – وبعد توصيات شديدة- كيف استشهد جدّهم!! أمّا لماذا استشهد فقد تركنا الجواب لمرحلة عمريّة لاحقة.. حتى يستطيعوا استيعاب السبب.. بعد معايشة للواقع.

ودون ذكر للتفاصيل الكثيرة.. فإنّ والدي تكـلـّم أثناء حوادث حلب عام 1980بصراحة وجرأة وواقعية عن الأسباب التي أدّت إلى وقوع الأحداث من امتهان لكرامة الإنسان، والقيود على الحريّات… وربّما تكـلـّم بأقلّ مـمّا طُرح في اللقاء التشاوريّ للحوار الذي عُقِد في مجمّع صحارى قبل أسابيع.. لكنّ الزمن كان مختلفاً، و معايير حريّة التعبير كانت أكثر قسوة.. ممّا ضايق (شبـّيحة) تلك الأيـّام، فقاموا بتصفيته بطلقة في رأسه.. بعدما أخذوه من بيننا بحجّة الإجراءات الأمنيّة ورموا جثمانه الطاهر في أرض خلاء!!

أوّل قيد أحرّر به والدي هو تحرير قصـّته من أدراج العتمة بنور الشمس.. و إزالة غبار الخوف، بنصاعة الحقيقة.. ولأعيد لقصّته التي ربّما نسيها البعض، أو مات بعضٌ من جيل يعرفها. وحتـّى أستعيد رجولتي أمام أولادي بأنّهم جديرون بحمل اسم والدهم وجدّهم.. وأنّهم يجب أن يكبروا على هذه الأرض كراماً مرفوعي الرأس، لا يخشون في الحقّ إلا الله سبحانه.

القيد الثاني الذي أريد تحريره منه، هو أن يطمئنّ حيث هو بأنّه – الرجل الحُرّ- قد خـلـّف رجالاً أحراراً من صُلبه، يستطيعون بأضعف الإيمان رواية حادثته دون تلفّتٍ إلى الوراء.. وهنا يجب أن أذكر أنّ والدتي حفظها الله، التي كان لها أثرٌ كبير في ثنيي عن المطالبة قبلاً بكشف الحقيقة، و أعطيها كلّ العذر في ذلك، فهي لا تريد أن تفقد عزيزاً آخر بعد زوجها الذي احتسبته عند الله.

القيد الثالث الذي أعتبره متحرّراً منه قبل استشهاده، وهو تمسّكه بالمعايير الوطنيّة الخالصة. فقد ربـّانا الوالد منذ نعومة أظفارنا على إخلاصنا لقوميّتنا، و وطنيـّتنا. وأذكر ذات مرّة عندما كنت في الصفّ السادس، أنّني وضعتُ أمامه الخريطة، وقلت له أين هي إسرائيل؟؟ فأجابني ليس هناك شيء اسمه إسرائيل!! وكان يعدنا بالحجّ إلى القدس عند تحريرها. ومن مواقفه الشجاعة، أنّه وقف أمام مظاهرة كبيرة في منطقتنا قبل استشهاده بفترة وجيزة، كان يريد فيها البعض إحراق كشك لتوزيع الخبز.. فوقف في وجه هيجانهم، وأخرج الشعلة من داخل الكشك، ووبّخهم.

القيد الرابع هو تسامحه الدينيّ والطائفيّ، فقد كان له أصدقاء من جميع الملل والطوائف، يعاملهم معاملة الإخوة فعلاً، ولم نكن في يوم من الأيّام ننظر بأيّ تمييز لأيّ من (أعمامنا) من أطياف المجتمع السوريّ الرائع.

القيد الأخير الذي أحرّر نفسي وأشقـّائي منه، وهو ما نشأنا عليه من تسامح، يمكـّننا حتى من مسامحة قاتليه، فلم يكن الثأر يوماً من عاداته، ولا حتى استثناءاته، وهو ما يمكنّني اليوم من المناداة بالسلميّة كخيار وحيد مهما كانت الظروف، لأنّه من غير الممكن أن تجمع بين صفاتك الحضاريّة.. والعقليّة الثأريّة، ولأنّ الأسلوب الثأريّ يهدّم.. ولا يبني، يفرّق.. ولا يجمع. وكم أرسلتُ من نصائح لمسؤولين بالمبادرة إلى القيام بمسؤولياتهم وحلّ العقد التي بدأت المطالب الشعبية المحقّة بها قبل أن تتطوّر تلك المطالب إلى ما يقطع الطريق على أيّ حلّ.

لقد فكـّكتُ هذه القيود عنك أيّها البطل، والتي كان جزءاً منها يثقل كاهلي ويضعني في مقام الجبناء، ففتحتُ الشبابيك أمامه، وجزءاً آخر أمارسه بالفطرة التي ربيّتنا عليها من الوطنيّة ومشاعر العزّة وقيم الوحدة والحريّة والعدالة والكرامة، و جزءاُ ثالثاً منها كالرغبة في الثأر، يلمّح به البعض، كنتيجة طبيعيّة لاستشهادك الصاعق، وأنتَ في ريعان شبابك فراجعت شريط تربيتك وشروطها لأتوصّل إلى النتيجة التي أعتقد جازماً أنّـها ما يرضيك حيث أنت في مقامك الذي نرجو الله أن يكون بصحبة الشهداء والصالحين.

مَـن أعـرفـهـم مـن قـيـاديـي الـبـعـث.. الـذيـن أعـطَـوْا الأوامـر الـمـبـاشـرة بـتـصـفـيـة والـدي الـشـهـيـد الـشـاب مـحـمـّد عـادل بـادنـجـكـي وغـيـره 28 شـهـيـداً فـي 8/8/1980 هـم:
– مـحـمـّد زهـيـر مـشـارقـة: الأمـيـن الـقـطـري الـمـسـاعـد لـحـزب الـبـعـث.
– رشـيـد أخـتـريـنـي: أمـيـن فـرع حـزب الـبـعـث بـحـلـب.
– فـاتـح حـمـوي: أمـيـن شـعـبـة الـعـُمـّال الـثـالـثـة بـحـلـب.
الآن لـم يـبـقَ مـنـهـم عـلـى قـيـد الـحـيـاة سـوى رشـيـد أخـتـريـنـي.
وبـالـطـبـع تـمّ تـدرّجـهـم بـالـقـيـادة.. حـتـّى وصـل أوّلـهـم إلـى مـنـصـب نـائـب رئـيـس جـمـهـوريـّة.. وثـانـيـهـم إلـى مـنـصـب نـائـب رئـيـس مـجـلـس الـوزراء.. وكـانـت جـائـزة تـرضـيـة الـثـالـث كـرسـي فـي مـجـلـس الـشـعـب.. وهـو مـَن كـان صـديـق الـحـارة فـي طـفـولـة والـدي.
وتـلاحـظـون مـعـي أنـّهـم لـيـسـوا مـن الـسـنـّة فـقـط.. بـل مـن أهـالـي حـلـب أيـضـاً.. بـاعـوا دمـاء أهـل بـلـدهـم بـكـرسـيّ حـقـيـر.
كـانـت تـحـكـمـنـا عـصـابـة بـكـلّ مـا تـحـمـل الـعـبـارة مـن مـعـنـى!

فـي قـصـّة يـوم الأب:

فـي ذكـرى اسـتـشـهـاد والـدي عـام 1996.. وأثـنـاء اسـتـعـراض لأرشـيـف صـور والـدي مـع الـعـائـلـة.. وقـعـت عـيـنـي عـلـى مـا يـشـبـه رسـالـة مـن الـعـالـم الآخـر.. مـُظـهـّرة عـلـى صـورة مـلـتـقـطـة مـع والـدي فـي حـديـقـة الـسـبـيـل فـي حـلـب.. فـي الـعـام 1964.. وكـان عـمـر والـدي 22 عـامـاً.. وعـمـري ثـلاث سـنـوات.. ومـن يـومـهـا خـطـرت لـي فـكـرة (يـوم الأب) عـرفـانـاً بـالـجـمـيـل.. لـشـابٍ كـان تـفـكـيـره أكـبـر مـن عـمـره.. تـرك لـي رسـالـة أصـبـحـت نـامـوسـاً يـرقـب أعـمـالـي وخـطـواتـي.. كـي لا أخـيـّب ظـنـّي بـه.
وهـذا نـصّ الـرسـالـة:

” فلذة كبدي محمود
في يومٍ من أيّام الربيع الحلوة.. دفعتني رغبة عاطفيّة لمرافقتك أنتَ وحدك دون كلّ الناس.. بعد أن خاب أملي من كلّ الرفاق.. وأكثر الأصدقاء.. ولم أجد سواك صديق أصحبه في ذلك اليوم المُشرق الذي كان بالضبط يوم الأربعاء 26/شباط 1964 أي يوم كان عمرك ثلاث سنوات وعشرون يوماً بالضبط.
لقد أتعبتني كثيراً حتى استطاع المصوّر أن يلتقط لك هذه الصورة.. وكنتَ تشدّني إليك وأنت تحاول أن تبتعد عنه.. وأنت تنظر إليه نظرات كلها خوف واشمئزاز من تلك الآلة التي في يده. وبعد أن التقط لك بدأت تعربد وتمسح الصورة وجهك بيديك وتقول لقد مسحتها.. وكنت تعني أنك مسحت الصورة من على وجهك.
هذه الكلمات أخطّها إليك لتقرأها طيلة حياتك.. وتذكر والدك الذي أعطاك كلّ قلبه وحبّه.. قلا تخيّب ظنّي بك.. وأثبت له أنّه أحسن الاختيار بانتقائك صديقه الوحيد في هذه الحياة القاسية.

واسلم لوالدك عادل
حلب في 29/شباط/1964

محمود عادل بادنجكي
8/8/2011
الذكرى 31 لاستشهاد والدي 8/8/1980



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع