أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون المهاجرين » الخطة التركية الخاصة لإعادة اللاجئين السوريين: نجاحات وإخفاقات

الخطة التركية الخاصة لإعادة اللاجئين السوريين: نجاحات وإخفاقات

تصاعد الحديث أخيراً عن عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم من بلدان الجوار ومن دول أوروبية، خصوصاً بمبادرة من الجانب الروسي، أبرز حلفاء نظام بشار الأسد، في محاولة للتأكيد على انتصار الأخير، وفي خطة روسية أقرب إلى المقايضة بهدف ابتزاز العالم لدفعه إلى تقديم الأموال لإعادة إعمار سورية في مقابل إعادة قسرية للاجئين بشعار الطوعية. ويحاول الروس والإيرانيون، حلفاء النظام، الحصول على القسم الأكبر من “كعكة” إعادة الإعمار تلك، نظير دعمهم اللامحدود للنظام الذي يبدو أنه غير مكترث وغير معني بعودة السوريين إلى بلدهم، فـ”سورية بـ10 ملايين صادق مطيع للقيادة أفضل من سورية بـ 30 مليون مخرب”، وفق تعبير مدير إدارة الاستخبارات الجوية، جميل الحسن، الجهاز الأكثر فتكاً بالسوريين.

وبعيداً عن الخطة الروسية، تسير تركيا بخطتها الخاصة لإعادة أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين إلى بلدهم علماً أن تركيا تستقبل نحو 4 ملايين سوري مهجر قسراً، موزعين في جنوب تركيا وفي إسطنبول ومدن أخرى، وهو ما شكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد التركي. وحاولت تركيا إقامة منطقة حظر طيران في الشمال السوري لضمان عودة اللاجئين، إلا أن جهودها لم تلق نجاحاً، حتى تدخلت منتصف العام 2016 بشكل مباشر في الصراع السوري، إذ دخل جيشها الشمال السوري لطرد مسلحي تنظيم “داعش”، في عملية حملت اسم “درع الفرات”، وانسحب هذا الأمر بعد ذلك على المناطق التي باتت تحت سيطرتها في شمال وشمال شرقي حلب.

وإلى جانب الضغط الاقتصادي الذي ترغب تركيا بالتخفيف من حدته، فإن الرأي العام التركي بات يضغط أيضاً على حكامه للتخفيف من عبء اللاجئين. ولا يقتصر الضغط على جمهور المعارضة المؤيد لأحزاب تتبنى موقفاً “سلبياً” قومياً وسياسياً من جمهور المعارضة السورية في تركيا، بل إن التململ يصل في الكثير من الأحيان إلى أطياف واسعة من جمهور الحزب الحاكم حتى “العدالة والتنمية”، وهو ما تستشعره القيادة التركية، وبناءً عليه تحاول التسريع من مشاريعها التنموية داخل الأراضي السورية لإقناع ما أمكن من السوريين بالعودة.

وعملت الحكومة التركية على النهوض بمنطقة “درع الفرات” من واقع خدمي وتعليمي وطبي سيئ، وبذلت جهوداً في إنشاء مستشفيات، وجامعات، ومدارس، ومراكز خدمية للسوريين المقيمين في المنطقة في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي بهدف مركزي هو تأمين الظروف المعقولة لعودة أكبر قدر ممكن من اللاجئين المقيمين على أراضيها. ومن المنتظر أن يتم خلال العام الحالي افتتاح العديد من المنشآت الكبرى في المنطقة، إثر الانتهاء من مستشفى الباب، الذي يعد الأول من نوعه في المنطقة على صعيد المساحة والسعة والتخصصات والكوادر الطبية والإمكانيات. وبيّن القائمون على المستشفى أن قدرته الاستيعابية تبلغ 200 سرير وثماني غرف عمليات، ومخابر تحاليل كاملة. ويعد مستشفى الباب الجديد الأول من نوعه في المنطقة، ومن المنتظر أن يدخل الخدمة قريباً بعد استكمال كادره الطبي والإداري. كما ستقوم الحكومة التركية بإنشاء مستشفيات أخرى، خصوصاً في مدينة إعزاز، أبرز مدن ريف حلب الشمالي، ومستشفى آخر في مدينة جرابلس شمال شرقي حلب، وهناك مستشفيان في بلدتي مارع والراعي في طور الإنشاء ما يعني تقديم خدمات طبية متكاملة لسكان منطقة “درع الفرات”، والحد من حالات تحويل المرضى إلى المستشفيات التركية، وهو ما قد يدفع عدداً كبيراً من السوريين اللاجئين في تركيا للعودة إلى بلدهم.

وأشارت مصادر محلية إلى وجود 21 مستوصفاً وخمس مستشفيات في الخدمة في مناطق “درع الفرات”، تشرف عليها وزارة الصحة التركية، في مدن الباب وجرابلس وإعزاز تقدم خدمات لعشرات آلاف المدنيين. وتحول الشمال السوري، غربي نهر الفرات، إلى منطقة نفوذ تركي منذ بدايات العام الماضي عقب سحق تنظيم “داعش” من قبل الجيش التركي وفصائل الجيش السوري الحر، وتالياً سحق الوحدات الكردية في منطقة عفرين في شمال غربي حلب. ومنذ ذلك الحين، انصبت الجهود التركية باتجاه إنماء المنطقة لتهيئة الظروف المناسبة لعودة عشرات آلاف السوريين، أبناء هذه المنطقة، من تركيا. وتشهد المنطقة وفق مصادر محلية، تحدثت إليها “العربي الجديد”، عمليات إعادة إعمار لمساكن المدنيين من قبل أصحابها، بالإضافة إلى إنشاء مساكن جديدة، خصوصاً أن المنطقة استقبلت آلاف المهجرين قسراً من ريف دمشق وريف درعا وجنوب دمشق ومن مدينة حمص وريفها. وأشارت المصادر إلى أن الاهتمام التركي لم يقتصر على هذه الجوانب فحسب، موضحة “قامت الحكومة التركية بترميم جل المدارس والمساجد في المنطقة، وأقامت حدائق عامة، فضلاً عن الاهتمام بالطرق التي تربط بين مدن وبلدات المنطقة”. وأوضحت المصادر أن وزارة التربية التركية تشرف على المدارس وتصرف رواتب للمدرسين السورية تعادل 150 دولاراً أميركياً. كما أنشأت جامعة غازي عنتاب فرعاً لها في مدينة جرابلس السورية، وطلبت أخيراً كادراً للتدريس بمختلف الاختصاصات. كما أنشأت جامعة “حران” التركية فرعاً لها في مدينة الباب السورية، يضم اختصاصات علمية وأدبية عدّة، وسيشمل كليات الهندسة والعلوم، ومن المتوقع أن يبدأ باستقبال الطلاب في شهر سبتمبر/أيلول المقبل، وفق رئيس المجلس المحلي في المدينة.

لكن المصادر أشارت إلى أن الواقع الخدماتي في المخيمات، خصوصاً الجديدة منها، “لا يزال متردياً للغاية”، وإلى وجود حالة استياء شديد لدى المهجرين، خصوصاً من دمشق وريفها، إزاء هذا الواقع، مؤكدة عودة بعض العائلات إلى مناطق سيطرة النظام رغم المخاطر على حياتهم نتيجة سوء الخدمات، والاكتظاظ الشديد داخل هذه المخيمات. وتتحمل الحكومة التركية أعباءً إضافية في المنطقة التي تضم أكثر من نصف مليون مدني جاؤوا من مختلف المحافظات السورية، إذ “باتت مدينة جرابلس وريفها تضم أكثر من 250 ألف مدني”، وفق المصادر ذاتها، مشيرة إلى أن منطقة إعزاز تضم نحو 30 مخيماً، ما يعد من أكبر تجمعات المهجرين ربما في العالم كله. وأغرى تحسن الحال في منطقة “درع الفرات” الكثير من اللاجئين السوريين في تركيا للعودة، إذ تشير أرقام غير رسمية إلى أن نحو 100 ألف لاجئ عادوا من تركيا إلى سورية منذ العام الماضي. وذكر معبر باب السلامة الحدودي أن 3166 سورياً من بين نحو 50 ألف شخص دخلوا سورية لقضاء إجازة عيد الفطر اختاروا “الاستقرار” في سورية وعدم العودة مرة أخرى إلى الأراضي التركية.

لكن هناك الكثير من المنغّصات في منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التي تضم عفرين وريفها، إذ لا يزال الوضع الأمني غير مستقر في ظل “فوضى السلاح”، وتعدد الفصائل المتباينة في الأهداف، وهو ما يدفع باتجاه تأخير عودة المزيد من السوريين إلى بلادهم. ولم يحاول الجيش التركي بشكل واضح وجاد “لجم” أو “تقليم أظافر” هذه الفصائل المتفلتة التي لا تزال “تعيث فساداً في المنطقة دون رادع حقيقي”، وفق مصادر محلية. وتنتشر في المنطقتين العشرات من الفصائل التي تقيم حواجز بين المدن والبلدات، فضلاً عن دخولها، بين فترة وأخرى، في احتراب داخلي بسبب النفوذ والسيطرة وهو ما يعزز بيئة عدم الاستقرار الأمني.

أمين العاصي