أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » ابتسام تريسي : المتاجرة بالخوف / مع رسم كاريكاتور معبر

ابتسام تريسي : المتاجرة بالخوف / مع رسم كاريكاتور معبر

نحن في مأزق؛ لأنّنا لا نجيد الركض بتلك السرعة المذهلة التي يسير بها قطار التغيير لنلحق بعرباته؛ لذا نجد أنفسنا نتحوّل من دون إرادة أو تفكير عميق إلى استخدام أو بدائل للخوف، أو اختراعها، فتزدحم حياتنا به من أشياء قد تصيبنا بالهلع والاكتئاب، وتحرف بوصلة تفكيرنا من دون أن نملك لها ردّاً! أشياء عادية موجودة بكثرة، منها:

الخوف من السّمنة (أحد أمراض العصر الأكثر شيوعاً وانتشاراً)، الخوف من الطعام الذي يسبّب السرطان، الخوف من استخدام أكياس النايلون، أشياء قد تبدو لكثرة انتشار ظاهرة الخوف منها كأنّها القضية الأساسية للخوف في هذا العصر. يخاف أصحاب المال من لصوصيةٍ محتملة، أو هجوم إرهابي، فيحصّنون أنفسهم بالحرّاس، والأسلحة، والسيارات ذات الزجاج المقاوم للرصاص، ويهتمون بنوع الألبسة والأحذية.

النساء يحاربن تبدلات الزمن بعمليات التجميل والجراحة، واعتزال الأطعمة والريجيم الذي غالباً ما يصيب بالاكتئاب. إنّه نوعٌ من الهوس الجماعي، لم يفرضه العصر كما نتوهم، بل فرضته مخيلتنا المريضة التي تسعى إلى إيجاد بدائل تغني الحياة، وتجعل لها هدفاً ومعنى، ولو عن طريق الخوف منها! وتقوم هذه البدائل مقام التطور الحقيقي للعصر الذي لا يمكننا مجاراته باختراعاتٍ، تسمح لنا بالوقوف في عربات القطار، حتّى وإن كانت آخر العربات.

يخترع الطغاة بدائلهم أيضاً، البدائل التي تجعلهم محور هذا العالم المجنون في تطوّره السريع.. من آليات التّطور التي اخترعها الطغاة إبادة المجتمعات التي يحكمونها، والقضاء على الحضارات، ومحو ذاكرة الجماعات بالتّغيير الديمغرافي. وتكريس وجود جماعات إرهابية لمحاربتها، وتلك ليست مهمة الطّغاة فقط، بل أيضاً أصحاب شركات السّيارات المصفحة وتجار الأسلحة.

.. الدولة تتنصل من مسؤولياتها في حماية التجمعات والاتحادات، وتترك الفرد في العراء،
يبحث عن أمانه الشخصي، بالمُتاح لديه من وسائل، وهي في مطلق الأحوال ضعيفة وهشّة، وغير قابلة للمواجهة. وبذلك يصبح الفرد جاهزاً لتلقي رسائل السلطة “الدولة” التي تطالبه بمزيد من المرونة والطواعية التي هي الحل الوحيد ليشعر بالأمان الذي لا تستطيع توفيره له، وتدفع الأفراد لتبنّي مقولة “اللهم أسألك نفسي”، فالفرد يريد أمانه الشخصي في دولةٍ تفكّك الجماعات التي كان الفرد يشعر داخلها بالأمان “الجمعي”.

المهمة الأولى للدولة أن تحمي مواطنيها من كلِّ خطر يهدّد سلامتهم، وهذا أول الوعود التي يطلقها مرشحو الرئاسة في العادة. ولكن حين تتنصّل الدولة من دورها، أو تكون هي السّبب في جعل حياة مواطنيها في خطر بتحويل المسار من حماية المواطن من الأخطار الخارجية، على اعتبار أنّه يعيش بأمان داخلي، إلى حمايته من أخطار فردية، هي من أوجدها وأكثرها حضوراً في زمننا الحماية من الجماعات الإرهابية التي انتشرت كالوباء في كلِّ الدول والمجتمعات، ولم تقتصر على الدول التي تعاني من الحروب على أراضيها، كسورية، فمصر على سبيل المثال استوردت إرهابيين “دواعش”، وصار من مهام الدولة حماية مواطنيها منهم. وكرّست ذلك عبر المسلسلات الرمضانية والميديا وخطابات الرئيس الموجهة إلى الشعب.

الردود العنيفة للسلطة تزيد من شعبية الإرهابيين، ففي سورية اندفع الشباب بحماسة مذهلة للانضمام إلى الدواعش وجبهة النصرة، واستقطب هؤلاء شباباً من جميع أنحاء الوطن العربي والدول الأجنبية. وتهدف هذه السياسة في محاربة الإرهاب، في ظاهرها، إلى القضاء على تلك الجماعات، وفي باطنها مجرّد استعراض لقوة الدولة وهيمنتها وقدراتها في السيطرة على الشعب، المصفق بحماسة لتلك النجاحات، وهي تحقق أهداف الإرهابيين أيضاً الذين حقّقوا غايتهم بالقضاء على القيم التي تدعم الديمقراطية، وتحترم حقوق الإنسان. ما يجري في سورية خير مثال على ذلك.

وقد فرض العصر على السّاسة استثمار الخوف، وجعله سلعةً يتاجرون فيها لحماية مواطنيهم، في غياب القضايا الكبرى التي تاجر بها الساسة الذين سبقوهم في الحكم، فقد كانت تلك القضايا (القضية الفلسطينية، القومية العربية) أربح تجارةٍ بالنّسبة للنخب الحاكمة على طول الوطن العربي وعرضه. وقد كسدت هذه التّجارة في العصر الحالي، أو لنقل في المرحلة الراهنة من التّاريخ العربي.. فلجأ السّاسة، بشكلٍ عام، إلى التجارة “بالخوف”، فصارت لدى المواطن مئات القضايا الدّاخلية الفرعية التي تخيفه، ويحتاج لمن يحميه من خطرها.. فطفت على السطح قضايا “الاستغلال الجنسي للأطفال، أطفال الشوارع، اللصوصية، النصب والاحتيال، والهجمات الإرهابية”.

تدنّى التنافس في الانتخابات الرئاسية، في الغرب، إلى إطلاق الوعود بمحاربة الجريمة في
فرنسا. في أميركا، كانت تصريحات جورج بوش الابن، في برنامجه الانتخابي، محاربة الإرهاب. وفي بريطانيا، محاربة المشرّدين والمهاجرين.

ولا يُنسى الحدث المهم، في العقد الماضي، وهو تفجير برجي التجارة العالميين الذي كرّس بعبع الإرهاب في أميركا، وقبل تلك الأحداث (11 سبتمبر)، في العام 2011، كتب الباحث فيكتور غروتوفيتش “الإرهابي صديق الدولة”، وأوضح في دراسةٍ له عن طرق ألمانيا الفيدرالية، في أواخر سبعينات القرن العشرين، في استغلال الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الأحمر، حسب ما جاء في كتاب “الأزمنة السائلة” للفيلسوف البولندي، زيغمونت باومان، أنّ نسبة المواطنين الألمان الذين كانوا يعتبرون السلامة الشخصية قضية سياسية عام 1976 لم تتجاوز 7%، ارتفعت بعد عامين وصار معظم الألمان ينظرون إلى سلامتهم الشخصية أنّها أهم من مكافحة التضخم المالي والبطالة.

في النتيجة.. الملاحظ أنّ الحرب على الإرهاب تقضي على ضحايا مدنيين يفوقون، من حيث العدد، من تستهدفهم الدولة في حربها، وقد تقتصر عليهم فقط؛ لإنّ الإرهابيين يستطيعون تأمين أنفسهم بإخلاء المكان المستهدف قصفه، وبتحرّكات خفيفة وسريعة تضيّع أثارهم، وذلك لأنّ الأنظمة تحارب أفراداً قليلي العدد، يحملون أسلحة خفيفة باستخدام جيش وأسلحة تصلح للحروب الكبرى على الجبهات الخارجية. وهم ينتصرون دائماً؛ لأنّهم يعتمدون على التضخيم الذي تنتهجه الأنظمة، لتأثيرهم وأعدادهم وقوتهم الهائلة. وتساهم الأنظمة، إلى حد كبير، في نشر الرعب من الإرهابيين أكثر مما يفعل الإرهابيون أنفسهم بأعمالهم المروّعة.

إذن، تبث الأنظمة العربية الخوف في نفوس مواطنيها من الجماعات الإرهابية التي تحاربهم، بحجة نشرها الخوف! وبذلك يصبح الخوف أداة تجهيل واستعباد، بدلاً من أن يكون أداة تطوير وإنتاج كما كان عبر التاريخ البشري الطويل.

ابتسام تريسي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع