أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » تحطيم العقل العربي بقلم الباحث والأديب أسامة محمود آغي

تحطيم العقل العربي بقلم الباحث والأديب أسامة محمود آغي

ما تزال روح جورج لوكاتش ترفرف في الوجدان الألماني، وتذكّر الألمان أن من يتجاوز عتبة التطور الطبيعي للمجتمع، ويقوم بحرق المراحل ستلحقه لعنة هذا الحرق وذاك التجاوز. لم يُدرك الألمان حقيقة ما جرى لهم من خوض حربين عالميتين بغير كشف لوكاتش لكلمة السر.

كان على “بسمارك” ألا يتشاطر كثيراً على عجلة التطور التاريخي للدولة البروسية، وكان عليه ألا يُعملَ سيفه في تحطيم جدر الإقطاعيات البروسية الكثيرة لتوحيدها بالقوة.

ما فعله بسمارك كان خطاً تاريخياً كلّف الألمان اضطراباً عميقاً في بنى المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق رأي لوكاتش الذي عرضه في كتابه ” تحطيم العقل”.

ما فعله بسمارك في بروسيا يفعله حكام عرب عديدون بطرق أخرى، فليس حرق المراحل التاريخية هو الفعل الوحيد المجافي للتطور التاريخي، بل هناك احتيال حقيقي على الواقع يمارسه حكام عرب من خلال الامتناع عن رؤية ضرورة تطور البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بلدانهم. هذا الاحتيال يأخذ شكل تزيينات للواقع لا قيمة لها، مثل فتح دور السينما والسماح للنساء بقيادة السيارات.. الخ.

هذه الإصلاحات الشكلية لا تمس جوهر البنية المجتمعية العميقة. الاحتيال التزييني يتغافل قصداً عن ضرورة إطلاق فعاليات العقل في تطوير الاقتصاد وبنى المجتمع والبنى السياسية، ويمنع بالقوة أيّ فعل تاريخي يخصّ تطور البنى المجتمعية، بما يعني مشاركتها في صنع قرار حياتها المصادر من بيوتات اعتمدت مصادرة كلّ شيء بالقوة.

التغييرات الشكلانية لا تنفع في تغيير الاحتقان العميق الجاري في جوهر البنى السياسية والاجتماعية. فهي تنسى أو تتناسى “أن التراكمات الكمية ستؤدي إلى تغييرات كيفية”، وهذا قانون علمي يصلح في البيولوجيا كما يصلح في المجتمعات.

ما يمارسه حكام عرب هو تجاهل للتطور التاريخي الذي يلحق بمجتمعاتهم، كما يلحق بمجتمعات العالم الأخرى. هذا التجاهل يسمح بمزيد من مراكمة التطور المغلق، الذي لا يجد نافذةً للتعبير عن حاله من خلالها، لذلك ومع مرور الزمن يكون هناك تفويت للتطور الطبيعي، هذا التفويت هو شكل آخر من الاحتيال على التطور التاريخي بغير طريق حرق المراحل.

بسمارك حرق المراحل ليُلحق بلاده بتطور أوربا، ولكنه ترك هوة مرعبة خلف التطور الألماني، قادت بلاده لاحقاً إلى حربين عالميتين، حدثتا لاستعادة البنية تطورها العام الطبيعي.

ما يحدث في بلداننا العربية هو أسوأ بكثير من حرق المراحل، فنحن نتفارق بعمق كل يوم يمر عن درجة تطورنا العام الطبيعي، التطور ينبغي له أن يغيّر في أنساق البنى وفي اتجاهها، ولكنه لدينا يموت بأمر القائد التاريخي والملك المفدى، لأنه يرى في هذا التطور خطراً جسيماً على مكانته وعلى حدود ملكيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ما يحدث في بلداننا أن الوقت يمرّ ونحن نزداد انفصالاً عن حركة الواقع الحقيقية، لنجد أنفسنا في واقع مُتخيل تنشد فيه الجوقة ” عاش الملك.. يحيا الملك، عاش القائد.. يحيا القائد “.

ما يحدث أن حكامنا يعتقدون أن توزيع حفنات من رز الإعاشة، أو تقديم المنح المالية في بعض الأعياد، أو زيادة الرواتب والأجور هي عطايا ما كانت لتتم لولا الإرادة الجميلة للمانح، هؤلاء الحكام يظنون أن السياسات تبنى على الكذب والتلفيق وتزوير الحقائق، فيضطر الجمهور إلى تصديق أن الحوت ابتلع القمر، وأن كندا دولة تسحق حقوق مواطنيها بكل احتقار. أليس هذا الكلام يكشف عن تحطيم مقصود للعقل العربي؟، أليس هو استغفال علني لوعي الناس وتتفيه لمعرفتهم الثقافية والفكرية والحياتية الملموسة؟، يقول الحاكم للجوقة: أنا أقرّر كل شيء، لأني أفهم بكل شيء أكثر من الكلّ، ألست أنا الحاكم ؟ إذاً أنا المعرفة وعليكم أن تصدقوا كل ما أقول، أو كل ما تبثه صحفي وتلفزتي وبياناتي.

هذا الاستغفال هو بوابة لمزيد من مراكمة احتقان التطور الموصد الأبواب، والتراكم سيبلغ في زمن ما درجته القصوى، وقتذاك سيحطم التطور جدر الواقع المقيّد، ليخرج من ضيقه المفروض عليه.

تحطيم العقل العربي يعني احتقار لوعي الإنسان العربي، ويعني أيضاً جهلاً سياسياً فظيعاً بتطور المجتمعات، وتطور حاجاتها الاقتصادية والسياسية والفكرية.

ولكن من منا سيوقد شمعةً في هذا الظلام الفظيع، كي تخرج القافلة من عتمة الأبواب الموصدة إلى فضاء الإنسان الجديد. إنها ضرورة لن يبقى بعدها سوى الانحلال الكلي لروح الأمة، فهل يستيقظ الناس، ويهدمون البنى المغلقة في العقل والواقع، ويهدمون جدرها العمياء، لتنكشف هذه البنى أمام سلطة الضوء وسنن قوانين التطور التاريخي، والتي لا نعرف عنها سوى اسمها .. فالموتى لا يعرفون.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع