أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » المحامي فوزي مهنا: أهالي السويداء من معبر حدودي إلى الأردن إلى معبر الموت مع دولة داعش

المحامي فوزي مهنا: أهالي السويداء من معبر حدودي إلى الأردن إلى معبر الموت مع دولة داعش

طيلة عشرات السنوات، كان أهالي السويداء ولا يزالون ينتظرون افتتاح معبرا حدودياً لهم مع الأردن، أسوةً ببقية المحافظات الحدودية السورية الأخرى، والتي تملك كلٌ منها معبراً أو أكثر إلى الدول المجاورة، وإذ بهم أمام معبر مُشرّع الأبواب على دولة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي “داعش”.
.
لم يُدرك أبناء السويداء أن هذا المعبر الذي تم تدشينه، بتاريخ 21/5/2018, بموجب الاتفاق الذي قضى بنقل عناصر تنظيم داعش الإرهابي، من مخيم اليرموك والحجر الأسود، إلى البادية السورية، كما سبق أن نشرته صفحة “دمشق الآن نيوز” الموالية، عندما أعلنت عن بدء انطلاق عدد من الحافلات من منطقة الزاهرة الجديدة بدمشق، لإجلاء عناصر تنظيم داعش، إلى مناطق سيطرة التنظيم في البادية السورية.
.
وكما أشار إليه أيضاً المرصد السوري لحقوق الإنسان بنفس التاريخ، بأن دفعة ثانية من عناصر التنظيم، المُدرج على لائحة الإرهاب الدولية، قد غادرت المنطقة ليلاً، وهو ما أكد عليه باليوم نفسه، موقع “السويداء 24” على لسان مراسله في المنطقة، بقوله: أنه تم نقل المئات من مقاتلي التنظيم، ممن غادروا المخيم، من خلال عشرات الشاحنات والسيارات، وأن عناصره قد دخلوا فعلاً إلى منطقتي “الأشرفية والعورة” في بادية السويداء، واللتان لا تبعدان عن ريف السويداء الشمالي الشرقي، سوى أقل من 10 كيلومترات ، ضمن المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، الممتدة من بادية البوكمال شمالاً، إلى بادية تدمر ، وحتى بادية السويداء، والتي تقدر مساحتها، وفقاً لبعض المصادر بنصف مساحة البادية السورية.
.
والمفارقة الغريبة بهذا الاتفاق هي أنه تم نقل هؤلاء الإرهابيون إلى البادية السورية، في حين تم نقل أسرهم وأطفالهم إلى منطقة ادلب، تزامن ذلك مع سقوط طائرة استطلاع بنفس المنطقة، في صباح ذلك اليوم، نتيجة لخلل فني، وفقاً لما تم تداوله من أخبار .
.
لم يُدرك أهالي تلك القرى، الفقيرة والمهمشة، الواقعة على أطراف البادية، بأن هذا المعبر، مثله، مثل معبر مورك، الذي يسيطر عليه وحوش جبهة النصرة، في محافظة إدلب، والذي بدوره تحكمه تبادل المصالح، من مقايضات ومساومات وصفقات فساد وتهريب، فيما بين عناصر الجبهة، وبعض المتنفذين والفاسدين في الجهة المقابلة.
.
كما لم يُدرك أهالي السويداء بأن هذا المعبر، والذي يمتد عبر الصحراء، على طول عشرات، بل مئات الكيلومترات، دون باب أو بوّاب، أنه سيفتح عليهم أبواب جهنم، من مداهمات لعدد من القرى، وتفجيرات انتحارية في وسط مدينتهم، لذلك كان حجم الكارثة يفوق كل التوقعات، وكانت الحصيلة أكثر من 260 ضحية، وما يزيد عن 300 جريح، فضلاً عن أكثر من 30 مخطوف، جميعهم من الأطفال والنساء.
.
والمؤسف بالأمر هو أنه لم يتم حمايتهم وأطفالهم ونسائهم من هؤلاء القتلة، ولا تم تحذيرهم من هذا الخطر القادم، كي يقومون بحماية أعراضهم وبيوتهم بأنفسهم، بعد أن تم نقل التعزيزات العسكرية المتواجدة في تلك المنطقة، بصورة مفاجئة إلى محافظة درعا، رغم استمرار العمليات العسكرية الحكومية، ضد تنظيم الدولة، وفقا لما ذكره مراسل عنب بلدي في السويداء، بتاريخ 27 حزيران الماضي، وهو ما أكدت عليه أيضاً شبكة السويداء 24 بخلو خطوط التماس المواجهة للتنظيم من القوات العسكرية النظامية، بما فيها قوات البادية.
.
وما كان يؤنس هؤلاء المساكين، ويُثلج صدورهم أيضاً، هو أن السلطات كانت قد أعلنت في شهر أيلول من العام الماضي عن سيطرتها الكاملة على بادية السويداء، فضلاً عما كانت تتناقله الأخبار اليومية من مواجهات ومناوشات عسكرية، فيما بين الجيش السوري، وعناصر هذا التنظيم، منذ تاريخ افتتاح ذلك المعبر وما قبله، ومن يقرأ عناوين الأخبار المنتشرة على الشبكة العنكبوتية، سيجد أن تلك المناوشات، كانت كثيرة ومتواصلة، مثلما هي كثيرة حالات التنسيق، فيما بين متنفذين وفاسدين وسماسرة ومهربين من كلي الطرفين.
.
كان الأشقاء الثلاثة المغدورون ( نجيب وحكمت وجودت) من “آل أبو عمار” من قرية الشبكي، في ذلك اليوم الأسود، في اغترابهم السعودي المر، عندما نمى لعلمهم نبأ خطف أفراد أسرهم وأطفالهم، من قبل عناصر التنظيم، بالقطع لو تبلّغ هؤلاء تلك التحذيرات، أو استشعروا تلك الأخطار، لحضروا ودافعوا عن بيوتهم وأسرهم وأعراضهم بأسنانهم، ومثلهم كان حال ابن قريتهم زهير الجباعي، الذي تم قُتل جميع أفراد أسرته عن بكرة أبيهم.
.
في فجر ذلك اليوم، وكما هي العادة لدى أهالي جبل العرب، سارع هؤلاء الضحايا، لفتح أبواب بيوتهم بلهفة المشتاق، دون سؤال من هو الطارق، ربما يكون والداً مسافراً او ابناً عسكرياً طال انتظاره، أو مستجير، أو قد يكون صاحب حاجة، لم يخطر بذهن هؤلاء المساكين، بأن السواطير والسكاكين ستغرز في صدورهم.
.
كيف حصل ذلك ، ومن هو المستفيد؟ الواقع مجموعة كبيرة من الأسئلة، تطرح نفسها هنا، لن نتحدث في هذه الُعجالة عما يتداوله الناس في السويداء اليوم، من عوامل مهدّت لوقوع هذا الهلوكوست الدامي، والتي من أهمها أنهم ربما يدفعون ثمن رفضهم المشاركة في النزاع السوري السوري المتواصل، وقيام مشايخ الكرامة بحماية ما بين 30 ألف إلى 50 ألف من أبنائهم، ممن رفضوا الالتحاق بالخدمة الإلزامية، مع أن السويداء قد دفعت الضريبة مُضاعفة، بتقديمها عدداً كبيراً من الشهداء العسكريين من خيرة أبنائها.
.
مُتاسئلين بأحاديثهم باستغراب عن الأسباب التي دعت الجهات المفاوضة بالقبول لنقل هؤلاء القتلة، إلى جوارهم، خلافا لكل الصفقات السابقة، التي أبرمت مع هذا التنظيم وغيره من تنظيمات إرهابية أخرى، منذ بداية نشوب الأزمة، والتي كان من نتائجها تجميعهم في محافظة ادلب، باستثناء الصفقة التي أبرمها حزب الله في آب/ اغسطس العام الماضي، والتي تضمّنت نقل بعض عناصر التنظيم، من جرود عرسال اللبنانية، إلى الحدود السورية العراقية.
.
وما سبق ذلك من أحداث، بدءاً من مصرع مؤسس حركة رجال الكرامة “البلعوس” وبعض رفاقه بتفجير، وقيام الحركة بإصدار بيان قبل ما يقارب الشهر، والتي أكدت فيه أنها لا زالت على موقفها الحيادي مما يجري في البلاد، على اعتبار أن ذلك صراع داخلي فيما بين أبناء الوطن الواحد، بحسب وصفها، مؤكِّدةً تمسُّكها بثوابت مؤسسها “وحيد البلعوس” المتمثل بأن دم السوري على السوري حرام، وهو ما دعى روسيا من خلال وفدها الذي قام بزيارة محافظتهم، قبل أيام من وقوع تلك المجزرة، بتصنيف هذه الحركة بالإرهاب، إلى غير ذلك من أحاديث أخرى يتم تداولها في السويداء اليوم.
.
من معبر إلى الأردن، إلى معبر مع دولة داعش! أي معبر شُرِّع على أهالي السويداء؟ وأي مجهول بات أمامهم؟ خصوصاً بعد أن سقطت لديهم فجأة تلك الكذبة الكبيرة، والتي طالما رددوها بأحاديثهم العامة وتحليلاتهم اليومية، والتي مفادها وجود توافقات دولية حيال حمايتهم كمكون درزي أقلوي، فضلاً عما تم تداوله من أخبار مؤخراً من نقل حوالي 400 عنصر من جيش خالد بن الوليد، المبايع لتنظيم داعش، من مناطق سيطرتهم في حوض اليرموك، إلى مناطق شرق السويداء مع أسلحتهم وعائلاتهم.
.
وبالتالي فإن كل المعطيات الداخلية والخارجية تشير، إلى أن مستقبل السويداء، لا يشي بخير، مع وجود هذا التنظيم الإرهابي بجوارها، ومع إعادة ترتيب أوراقه في هذه المنطقة، وذلك تبعاً للدور المرسوم له من قبل الدول الراعية، والذي من المتوقع أن يكون مع مستقبل الأيام أقوى مما كان، بعد أن فقد معظم الأراضي التي كان يُسيطر عليها، الممتدة على طول الحدود السورية العراقية، بما فيها عاصمته الرقة، التي أعلن منها قيام دولته الإسلامية.
.
خصوصاً في ظل تضارب المصالح فيما بين الدول المتحكمة بالشأن السوري اليوم، بدءاً من السعي الأمريكي المتواصل من أجل الإبقاء على هذا التنظيم، بهدف تأخير الحل السياسي الذي تقوم بفرضه روسيا اليوم، لما من شأنه استمرار بقاء واشنطن في الأراضي السورية، بذريعة محاربة الإرهاب من جهة، وابتزاز الدول الخليجية الممولة لحملتها، من جهة ثانية.
.
وما توقف التحالف الدولي الذي تتزعمه واشنطن عن استهداف التنظيم في عمق الصحراء، على الرغم من تنقل عناصره بالقرب من قاعدتها المتواجدة في منطقة “التنف” على مثلث الحدود السوري العراقي الأردني، بحجة أنه يتحرك خارج حدود منطقة الـ55 كم المتعلقة بالقاعدة، سوى خير دليل على ذلك.
.
وهو ما تؤكده أيضاً موسكو ، بين كل فترة وأخرى من اتهامات توجهها لواشنطن بمسؤوليتها عن استعادة «داعش» لمكانته ، التي خسر بعضاً منها ، وهذا ما عبّر عنه بوقت سابق، المتحدث باسم قاعدة حميميم الروسية «أليكسندر إيفانوف» من أن التنظيم فقد توازنه بشكل كامل في الآونة الأخيرة، لكنه الآن يستعيد توازنه بشكل سريع، بعد تدخل واشنطن عبر قوات سوريا الديمقراطية ، ووضعها قيود حالت دون استكمال القضاء على التنظيم المتشدد بشكل كامل.
.
والواقع فإن حقيقة حجم التهديدات التي يُشكلها هذا التنظيم لأهالي السويداء، وحجم الانتهاكات الجسيمة بحق البشرية والإنسانية جمعاء، على الرغم من قيام الجيش السوري اليوم بمطاردته، ليست بخافية على أحد، خصوصا في الأماكن التي تواجد فيها، في كل من سورية والعراق، وقيامه بارتكاب المجزرة تلوى الأخرى، فضلاً عن الإعدامات الميدانية، وحالات الخطف المتكرر، والتي بلغت في شهر أيار الماضي لوحده في محافظة السويداء 24 حالة خطف، وفقاً لما نشره موقع السويداء 24 بتاريخ 6 آذار / مارس 2018 مما تسبب بنزوح عشرات العائلات البدوية السورية إلى محافظة درعا.
.
خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، أن هذا التنظيم لم يعد يهتم بقضية السيطرة على الأرض على ما يبدو، بمقدار اهتمامه بإشعار الآخرين أنه لا يزال موجوداً، وذلك من خلال ارتكابه مجزرة هنا وأخرى هناك، أو من خلال نصب الكمائن، معتمداً على ما يتوفر له من تكتيك حرب العصابات، وما توفره له البادية السورية من تحصين استراتيجي، فضلاً عن قدرته على المناورة، لذلك يُخشى من استمرار قيامه بشن هجمات جديدة أخرى، قوية وخاطفة على بعض قرى ريف السويداء.
.
وبالتالي فإن المخاوف المستقبلية الحقيقية على أهالي السويداء، إنما تكمن في إمكانية قيام التنظيم باستهداف طريق عام دمشق السويداء، بين كل فترة وأخرى، أسوة بما فعله في الثامن من شهر أبريل/نيسان الماضي، حينما تمكّن خلاله داعش من قطع طريق دمشق – بغداد، بعد معارك عنيفة خاضها مع القوات الحكومية، والميليشيات الإيرانية في البادية السورية، أو من خلال اللجوء للأعمال الانتحارية..

ختاماً يُدرك أهالي الجبل وهم المجبولون بترابه وتراب هذا الوطن، أنهم بالقطع لا يحتاجون للحماية من أية دولة كبيرة كانت أم صغيرة، كما تُمهد له الولايات المتحدة وحلفائها اليوم، من خلال إدخال وحدات حماية الشعب الكردي التي تقوم بدعمهم على خط أزمة المختطفين من أبنائهم.
.
يُدركون أنهم لن تستطع قوة في العالم أن تسلخهم عن وطنهم السوري، لأنهم قادرون أن يدافعوا عن وجودهم في هذه المنطقة بأنفسهم، والتي لهم فيها جذور عميقة، عمق أشجار سنديانهم وبلوطهم وزيتونهم، قادرون أن يدافعوا عن وحدة وطنهم السوري، والتاريخ يُعلمنا بأنه لا يمكن لقوة في العالم أن تقتلعهم منه.
.
لقد سبق أن زحفت إلى جبلهم الجيوش العثمانية، زحفت إليهم جيوش إبراهيم باشا المصري، زحفت جيوش فرنسا، لكنهم أبادوا هذه الجيوش وهزموها وبقيوا، لا ألوان صخورهم تبّدلت ولا تغيّرّت رائحة زهر غارهم ولا زيتونهم.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع