أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » حسام أبو حامد : مخيّم اليرموك.. وطني وِسادَة

حسام أبو حامد : مخيّم اليرموك.. وطني وِسادَة

بعد التوصّل إلى تسوية بشأن مخيّم اليرموك في سورية، ومناطق محيطة، توقفت المعارك، وبدا أن حصارا ضُرب حوله سنوات، من الداخل والخارج، قد انتهى، بعد تمكّن بعض أهله من زيارة ركام منازلهم، ليجدوا أنفسهم تحت حصارٍ من نوع آخر، حصار الألم والمرارة، وشبح مستقبلٍ غامض.

لم أرغب في زيارة مخيمٍ قد لا أعرف فيه “الدار بعد توهّم”، متجرّعا نوستالجيا مرحلة حسمت تكويني النفسي والفكري، بدأت هناك في عام 1986. أما أمّي السبعينية، فظلت تحذّرني من تلك الزيارة بقولها: “أنت عصبي، ودمّك حامي”، إلى أن أعلنت أنّها اقتحمت مبكرا التضاريس الجغرافية الجديدة للمخيّم، عدة مرّات، في فترات متقاربة.

سيرا على الأقدام، صَعَدتْ أمّي جبالا ووديانا، كانت سابقا منازل لأقارب، أو أنسباء، أو جيران، أو آخرين ازدحمت في وجوههم يوما أزقّة مخيّمٍ صغير في مساحته، مقارنةً بكثافة سكّانه وضجيجه. أما والداها، واثنان من أشقّائها، وربما ثالث انقطعت أخباره، يرقدون في المقبرة الجديدة، فحالت بينها وبينهم جبالٌ من الأنقاض عصيّة على الاختراق، لكن ركام الأبنية المجاورة سهّل عليها الوصول إلى منزلنا في الطابق الثاني مباشرة.

غصّت مدينة دمشق في عام 1948 بمشافيها، ومساجدها، ومدارسها، وبساتين غوطتها، باللاجئين الفلسطينيين. شكّل ذلك إزعاجا للسلطات السورية، ولبعض أهالي المدينة، وأربك الحياة فيها، فسعت السلطات السورية إلى نقل تجمّعاتهم طوعا، بما فيها تجمّعهم الأوّل في حي الأمين أو حارة اليهود (الأليانس)، إلى تجمّعهم الجديد، مخيّم اليرموك. نَظّمَتْ هذه العملية، بشكل رئيس، الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب التي تأسّست في 1949، وأُتبعت لوزارة الداخلية السورية. واعتمدت ميزانيتها على المساعدات والتبرّعات، قبل أن تصبح جزءا من ميزانية الجمهورية العربية السورية منذ 1969.

استأجرت الهيئة قطعة أرض يملكها آل الحكيم، في منطقة شاغور بساتين العقارية جنوبي
دمشق، وباشر مكتبٌ لها، على مدخل المخيم الشمالي، قبول طلبات اللاجئين الفلسطينيين الراغبين في الحصول على أرض، وقدّمت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تعويضا قدره ثلاثمائة ليرة سورية لكل غرفة يتم بناؤها، أو مساعدات عينية من مواد البناء بديلا، وباشرت بتقديم خدماتها الطبّية والتعليمية، وغيرها من خدمات اجتماعية. لكن تشكيل لجنة محلّية لمخيّم اليرموك (بلدية) في العام 1964 أوقف اعتراف “أونروا” بالمخيم، من دون قطع خدماتها التي تقلّصت باستمرار، لتبلغ اليوم أقلّ من حدودها الدنيا. تكفّل اللجنة بشؤون المخيّم، واستمرار خدمات “أونروا”، كان سببا للتميّز النسبي في مرافقه، وبُناه التحتية، عن باقي المخيمات التي اعتمدت على “أونروا” فقط.

منذ استقرار اللاجئين في مخيّمهم عام 1957، تعالى ضجيج الحياة فيه. ومع ذلك، لم ينقطعوا عن محيطهم الاجتماعي السوري، منخرطين في سوق العمل، بقطاعاته المختلفة، وبدت نسبة الفلسطيني إلى السوري، في عبارة “فلسطيني سوري”، ذات مغزى، عبّرت عن واقع التعايش بين السوريين والفلسطينيين.

وربما عكست الجنازة الحاشدة التي جمعت جثماني علي خربوش ومفلح سالم، في عام 1964، مكانة المخيّم الجديد الذي تحوّل ساحةً رئيسيةً ينطلق منها النضال الفلسطيني السياسي والعسكري، توالت قوافل الشهداء من انتماءاتٍ، وفئات مختلفة. عبد الكريم الكرمي (أبو سُلمى)، سعد صايل، خليل الوزير، فتحي الشقاقي، محمد المبحوح، محمد زيدان (أبو العباس).. وغيرهم، احتضنتهم مقبرة الشهداء في حارة المغاربة التي أصبحت اليوم أثرا بعد عين. ودّع المخيّم فدائيين ذاهبين إلى معارك، واستقبل عائدين منها، مهزومين ومنتصرين، لا فرق، طالما أن إرادته لم تُكسر بعد. أما جنازة رئيس الدائرة العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأمين العام لمنظمة الصاعقة، زهير محسن، الذي اغتيل في كان الفرنسية في 1979، ومشى فيها، جنبا إلى جنب، ياسر عرفات والرئيس السوري حافظ الأسد، فكانت شاهدا على لحظاتٍ نادرةٍ من عسل حذّر شهدتها العلاقات السورية الفلسطينية، المضطربة غالبا في مستواها السياسي.

لم يقتصر ضجيج المخيّم على الجنازات ومستلزمات المعركة، بل ضجّ أيضا بيوميات لاجئيه؛ أفراحهم وأحزانهم، شقاءهم وأحلامهم بغدٍ أفضل، المسيرات، التظاهرات التي حاولت كسر طوق قوى الأمن، وفرق مكافحة الشغب، أو الوصول إلى السفارة الأميركية في حي أبو رمانة الدمشقي، مخترقةً سُحب الغازات المسيلة للدموع، نشاطات ثقافية وسيوثقافية، مهرجانات، ندوات، حلقات حوار، ومثقفين من كل حدب وصوب. احتضن المخيم حيوات اللاجئين بكل تناقضاتها، فكان “في كل بيت عُرْس ودمعتان”، كما تقول أغنية مشهورة لفرقة العاشقين الفلسطينية.

لم نجد جدوى من تلك الزيارات المتكرّرة، لامرأة في مثل سنّ أمّي، والتي إن احتملت مشقّة
الطريق، يُخشى عليها من هول الصدمة. وبعد انتهاء ثورة الغضب التي انتابتني، ومن بقي من أفراد العائلة عالقا في الجغرافيا السورية، جلسنا بشغفٍ ممزوجٍ بألم نستمع إلى ما تقصّه علينا من تفاصيل زياراتها، لنركّب مما يتلقفه خصب الخيال من كلماتها وغصّاتها عالما عبرْناه، ونشفّ من وصفها وجوه من عادوا لتفقّد ماضيهم، مستقبلنا المجهول في بلد فيه وُلِدنَا وهَرِمْنَا. فاق وصف أمي دقّةً وصف صورِ، وفيديوهات وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي. وحين سألناها ألا تكفي مرة واحدة؟ أجابت: المخيّم كالأفيون، تعود إلى إدمانه طوعا، بعد شفائك منه قسرا.

توقّفت زيارات أمي إلى المخيم، بعد إجراءاتٍ متزايدة، لم تتوقّف عند تسليم بطاقة الهوية عند أحد الحواجز، واستلامها في طريق العودة، فلزيارة ركام من ذكريات بات مطلوبا: حكم محكمة يثبت الملكية، ثبوتيات ووثائق من دوائر رسمية عديدة، براءات ذمة للماء، والكهرباء، والهاتف (الخدمات التي توقّفت سنوات)، وأحيانا شهود عدول، وفوقها دائما طوابع ورسوم مختلفة. كانت الإجراءات بالنسبة لأمي، أشدّ تعقيدا من تضاريس ركام المخيم التي قطّعتها، جيئة وذهابا، الحواجز الأمنية، والعسكرية.

لم تُحضر أمّي معها مقتنياتنا القابعة تحت أنقاض الجدران والأسقف، والتي وجدتها تتناقص “تعفيشا” بعد كل زيارة. كان عذرها أن عناء نبشها ونقلها سيكلّفها ما يساوي قيمتها في السوق، أو أكثر. أما قيمتُها المعنوية الشخصية، فلم تعادل بالنسبة لها ما يساوي قيمة مخيّم مكبّل ومضيّع. تمثل الاستثناء الوحيد في ثلاث وسائد، حملتها في آخر زيارة لها، خفّ حَملُها، وارتفعت قيمة أحلام زارتها، وهي ترقد في أحضانها ملتحفة سواد ليال المخيم. سألتُها: لم الوسائد إذا؟ قالت: وسادةٌ من رائحة المخيم في غربتنا وطن.

دفع مخيم اليرموك ثمنا باهظا لإرادة الحياة، بل عوقب عليها، ليفارقه ضجيج الحياة، وربما للأبد (؟)

حسام أبو حامد