أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » جورج سالم.. بعد أن أكملتُ قراءةَ مجموعته القصصية “فقراء الناس”، أحسستُ أن الرجل يمتلك عمقاً إنسانياً هائلاً

جورج سالم.. بعد أن أكملتُ قراءةَ مجموعته القصصية “فقراء الناس”، أحسستُ أن الرجل يمتلك عمقاً إنسانياً هائلاً

تعرّفتُ إليه عندما كنت أزور مبنى “اتحاد الكتّاب العرب” في دمشق مطلعَ كلّ شهر لأخذ مجلّة “الموقف الأدبيّ” التي كُنت مشتركاً فيها. كان يجلس وراء طاولة، وأمامه كتاب… شخصٌ صامت، وقور، يضع نظّارةً على غموضه. أُلقي التحيّة، فيردّ بهزّة من رأسه، آخذ المجلّة وأنصرف. بعد ذلك، رحتُ أجلس في “مقهى القصر”، حيثُ يلتقي الكتّاب والفنّانون، وكان يقضي يوم الجمعة جالساً هناك مع أناس صامتين يتأمّلون الشارع المفتوح.

عرفتُ أنه يُدعى جورج سالم، وأنه يكتب القصّة القصيرة والرواية، وله دراسات أدبية وترجمات عديدة من الفرنسية، ويحمل إجازة في اللغة العربية، وأن زوجتَه تُدعى ليلى صايا، وهي تكتب قصصاً للأطفال. يذكرون اسمه دائماً على أنّه أحد روّاد القصّة في سورية. لذلك، رحت أراقبه بقليل من الوجل، ربما لأنني لم أكن متمكّناً من كتابة القصّة، ومن المفترض أن يكون هذا الشخص الجالس في المقهى، والذي ينظر إلى اللاشيء، قد صار معلّماً محترفاً يجب أن أتحفّظ أمامه.

بعد أن أكملتُ قراءةَ مجموعته القصصية “فقراء الناس”، أحسستُ أن الرجل يمتلك عمقاً إنسانياً هائلاً، وأنه يلتقط الأحاسيس الملقاة على رصيف الحياة، ويُعيد صياغتها بأسلوبٍ مرهفٍ بالألم والتعاسة البشرية التي كنّا نعيشها ولا نعرف مصدرها. أحببتُ كتاباته، لأنه يكتب عن بشر أعرفهم وأعايشهم، وينقلني إلى أماكن، بيوت وأحياء، أعرفها أو عشت فيها.

نحن أبناء مدينة واحدة، لكن ما يعرفه سالم عن حيوات الآخرين لم يُتَح لي بعد. ربّما لفارق التجربة الحياتية؛ إذ يكبرني بعددٍ لا بأس به من السنوات؛ فقد كنتُ في العشرين من العمر، بينما يقترب هو من عقده الخامس.

بعد أن قرأتُ مجموعات قصصيّة له استعرتُها من مكتبة الكلية، بدا لي متفرّداً عن غيره من كتّاب القصّة السوريّين؛ فهو يختار موضوعات لا نلتقي بها في القصّة السورية كثيراً. ولعلّ أكثرها حضوراً في فضائه السردي هو الموت. لعلّ مردّ ذلك هو تأثُّره بالوجودية التي كانت طاغيةً على عددٍ غير قليل من أعماله؛ ومن بينها: روايته اليتيمة “في المنفى”، ومجموعاته: “الرحيل” و”حوار الصم” و”حكاية الظمأ القديم” و”عزف منفرد على الكمان”.

لكن، كيف له أن يبحث عن الحياة في الموت؟ يبدو غريباً أن هذا الرجل الذي يحلق ذقنه كلّ يوم، ويرتدي بدلةً أنيقة، ويذهب إلى عمله بانتظام، حيثُ يجلس إلى الطاولة يقرأ ويُترجم، هو نفسُه من يكتب عن الأكفان والتوابيت والقبور والمقابر وحرّاسها، عن القرى الميتة، والفتيات الصغيرات اللواتي يقطفهن الموت.

لعلّ تفسير ذلك هو أنه فضّل مواجهة الموت عن طريق التفكير فيه دوماً. كان يُحبّ الحياة، ولعلّ هذا ما جعل وعيه بالموت يُسبّب له صدمةً، فلم يجد وسيلة للتغلّب عليه أفضل من الكتابة عنه.

يربط سالم بين الحياة والموت بخيطٍ رفيع هو الحب، فقد كان يرى العالم مندمجاً في وحدة مطلقة، ومنبثقاً من أصل واحد، والكاتب إذ يُبالغ في وصف الموت، فإنه لا ينسى أن يتحدّث عن الحب باعتباره أجمل ما في الحياة.

ومثل قصّة قصيرة، رحل جورج سالم (1933 – 1977) بجلطة دماغية في أحد فنادق دمشق، وإلى جانبه زوجته التي قدم معها من حلب ليُودّعها؛ إذ كانت ستُسافر إلى بلدٍ أوروبي. قبل ذلك، كتب في إحدى قصصه: “ثم إنني متّ من غير أن يتحقّق حلمي في الاستقرار. وحين دنا موعد الدفن، ورأيتُ القوم يحملون التابوت الذي سيسجنونني فيه، قلت في نفسي، لقد أزف أجل الاستقرار، الاستقرار النهائي التام، وسألج قعر حفرة ستكون مستقرّاً دائماً لي… وهناك سأشعر بالراحة الدائمة التي لا يعكّر صفوها معكّر”.

* كاتب سوري

فيصل خرتش