أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » مخيم اليرموك: فرع فلسطين والقدس السليبة بقلم عبد الكريم أنيس

مخيم اليرموك: فرع فلسطين والقدس السليبة بقلم عبد الكريم أنيس

من الخدمات الجليلة التي قدمها نظام الأسد، الذي حكم سوريا بمسمى “البعث” وبعده “التصحيح”، منذ ما يربو عن خمسين سنة، للكيان الصهيوني الذي يشاطره العداء حتى لو ظاهرياً، أنه أدخل نفسه في مقارنة مع ذلك الكيان حول الوحشية الممكنة للسيطرة على الأوضاع المحلية، وفق ما يسمح به النظام الدولي، وكما ترغب به الأطراف الدولية المحركة للمنطقة.

الاستقرار الراسخ في المنطقة، سمح للكيان الصهيوني بأن يتقدم للأمام ولنظام الأسد بأن يقضي على انتفاضة شعبه بالمزيد من القهر، عبر سيل قاهر من الانتهاكات بحق المواطنين المدنيين، كي تخشى بقية الشعوب من التغيير والتعبير عن إرادتها.

لم يحلم الكيان الصهيوني يوماً أن يحمل عنه أحد وزر إجرامه، أو يحوّل عنه الأنظار على الأقل، وأن يقوم بدون الحاجة “لتلطيخ” يديه الوسختين سلفاً، بما قام بالنيابة عنه نظيره النظام السوري الموغل في الإجرام.

فهل كان الكيان الصهيوني يحلم بقتل ما يزيد عن نصف مليون ضحية في سورية، جلهم من المدنيين العزل، وهم ماكثون في بيوتهم التي تحولت لقبور، وبأرخص وسائل القتل البشع المنحط والقذر، كغاز السارين والكلور ومشتقات الكيماوي المحرم استخدامها دولياً، أو فيما سواها عبر القصف بالمدافع والدبابات والطيران الحربي والصواريخ البالستية وعبر إلقاء البراميل المتفجرة بشكل عشوائي على المناطق المدنية؟!

وهل كان الكيان الصهيوني يحلم بأن يستطيع تهجير نصف عدد السكان في الداخل السوري! وأن يتسبب بفرار حوالي ثلت السكان لخارج البلاد؟.

بالتأكيد لن يحلم الكيان الصهيوني بتحقيق كل ما قام به نظام الأسد ضد شعب سورية، الذي بات يعي تماماً أن هذا النظام الفاجر ما هو إلا إفراز من إفرازات الكيان الصهيوني وأحد أهم الداعمين لوجوده، المحافظين على كيانه.

لكن هذا الشعب الذي ذاق ما ذاقه من ظلم وتنكيل وقتل وتشريد على يد هذا النظام الجبان المجرم يدور في باله ألف سؤال وسؤال حول ماهية الظروف التي تسمح وتبيح لأي طرف بأن يقوم بتشجيع وتوجيه التحية للنظام السوري، خاصة إذا كان ذاك الطرف ممن عانى القتل والتهجير والعذاب مثله!.

لا يمكن للفلسطيني صاحب العقل الوقَّاد أو ذاك الذي بوسعه أن يفكر قليلاً إلا أن يسأل نفسه، بل وأن يتخيل ويقارن بين حاله كـ”مواطن في دولة الاحتلال” مثل عرب 48 داخل فلسطين المحتلة، أو حتى ذلك الفلسطيني المقيم ضمن مناطق الحكم الذاتي، وبين احتمال وجوده في نطاق “دولة الممانعة الأسدية”. هل كان سيقبل أن يكون شريكاً للعصابة التي تقاتل باسم قضيته المشروعة فيصبح شريكاً في قتل أخوة له، هم البيئة الحاضنة لقضيته أساساً، بدون تمييز؟.

والفلسطيني يعلم بحكم تجربته مع نذالة الصهاينة أن طائرات الاحتلال الإجرامية الصهيونية كانت تنذر الفلسطينيين قبل دقائق قليلة في حال قررت تدمير بيوتهم من أجل إخلائها!، هل تخيل هذا الفلسطيني الذي يحيي الأسد المجرم، أن يكون في منزله مع أولاده فيسقط فوق رؤوسهم صاروخ أو برميل متفجر دونما سابق إنذار؟ هل تصور أنه ومن تبقى من عائلته سيلتحف في ليلة وضحاها السماء ويصبحون مهجّرين في العراء، غالباً مع ضحايا مبتوري الأطراف، غرباء في مدينة أخرى أو ضيوفاً ثقيلين في دولة جارة ستبكي وتأن من وجودهم مع مرور الوقت؟، أو يضطرون لخوض البحر، فإما أن يصلوا لبر أمان، أو يكونوا طعاماً للبحر ووحوشه؟!

لا يمكن نسيان أن كثيراً من الفلسطينيين تشاركوا منذ بداية الثورة السورية، مع السوريون الألم والقهر والعجز، وكثير منهم أحرار لم يرضَوا أن تكون شعارات استرجاع القدس السليبة ملوثة بدم أشقائهم السوريين الذين شاركوهم الأمل والحلم، وجراء هذا الموقف الأخلاقي قتل من الفلسطينيين الأحرار الكثير في معتقلات العصابة الأسدية، وكان من السخرية بمكان أن يقتاد الفلسطيني ليقتل تحت التعذيب في أكثر فرع لنظام الأسد الاستخباراتي قذارة ووحشية، والمسمى فرع فلسطين، ولا يدري أحد لماذا أسمى النظام هذا الفرع الدموي بهذا الاسم العظيم، الذي هو جرح ناكئ في الذاكرة الشعبية الوطنية، فهناك يذوق المعتقلون أشد أنواع التعذيب بكل وحشية متصورة ويموت كثير منهم دون مراعاة كرامة إنسانية ودون أن تحصل الجثث فيما بعد على دفن لائق أو قبر يحتويها كي يزورهم الأقرباء والمحبون، وغالباً لا يتم الاعتراف بواقعة الموت أصلاً لتكبر الكارثة مع تداعياتها الاجتماعية الكثيرة.

وكان من الصور الكارثية التي لفّت المعمورة أن شاهدنا كذلك الفلسطينيين والسوريين وهم محاصرون من قبل نظام الأسد، ويتم تجويعهم لتركيعهم في مخيم اليرموك، في تكرار لما فعله النظام مراراً وتكراراً في أماكن ومناسبات كثيرة، ففي تل الزعتر فعل الفظائع بحق الفلسطينيين مع حلفائه الطائفيين من حزب الكتائب الذين تحالفوا كذلك مع الصهاينة المجرمين، وكذلك فعل في العراق حين جعل مع النظام العراقي برئاسة صدام حسين آنذاك القضية الفلسطينية باباً للمزاودة والاتجار بالقضية المركزية للشعب العربي، في مسلسل طويل لا يبدو أن سينتهي الا بانتهاء هذه الأنظمة الاستبدادية واجتثاثها.

لم تكتف العصابة الأسدية المكلفة بالإبقاء على الوضع الراهن في سورية من قبل الأمم المتحدة بالقتل والتشريد للسوريين والفلسطينيين، بل واستباحت كذلك مناطقهم وأعملت فيها تهديماً وتفجيراً وقهراً وألماً.

وفي ملاحظة مهينة لم يتجرأ أحد ممن حيّا نظام الأسد وبات رهين المصالح الدولية، سواء للمصالح الإيرانية أو حتى الخليجية، من إدانة ما حدث في تلك المناطق، خاصة في مخيم اليرموك، من انتهاكات يندى لها جبين كل إنسان يعتبر القضية الفلسطينية قضية أساساً في الجرح الشعبي الموغل في الألم.

ورغم أن مخيم اليرموك كان ساحة مفتوحة لتجريب كل الأسلحة الروسية المعروضة للبيع في السوق الدولية، ورغم أنه كان ساحة مفتوحة للنزاع بعد التسوية التي قضت بخروج متشددين منه، اعتبره النظام ومن يسانده من مليشيات طائفية وإجرامية ساحة مفتوحة للنهب والسرقة عياناً جهاراً وبكل وقاحة وقهر ممكنين. وشاهدنا بأم العين واقعة تعفيش المخيم وتجريده من كل مقتنياته الكهربائية وغيرها ليصار فيما بعد لإعلانه، وعلى مشهد ومسمع من سكانه منطقة خالية من الإرهاب!.

يا للذاكرة المثقلة بالألم والعجز والقهر والتي ما عاد فيها سعة للمزيد.

ثم يأتي المشهد من أحد عناصر المنظمات التابعة لأحمد جبريل، ذيل النظام الأسدي، وهو يصور ما تبقىَ من منزله الذي يتعرض للسرقة أمام عينيه ويطلب منه السارق وبكل صفاقة ممكنة أن يوقف التصوير كي يتابع التعفيش، لأنه من المعيب أن يصورهم! ويكون الرد الممزوج بالعلقم لمن سلم نفسه للأنظمة العميلة أن يبعد كامرته (مع إطلاقه لبعض الكفريات) لكي يتابع السارق عمله ويأخذ ما يشاء فلم يعد لشيء أياً كان قيمة!

حقاً صدق من أطلق العبارة الشهيرة كعبارة رمزية لسوريا المغتصبة: “ارفع راسك يا حيوان أنت في سوريا الأسد”!.

لو أراد أي كان أن يرسم صورة أدبية ليلخص فيها حال الأنظمة التي تدعي الممانعة والصمود والتصدي لكفاه هذا المشهد، الذي يستحق أن يشغل أذهان المحللين والمختصين ليشبعوا هذه الواقعة تمحيصاً وتشخيصاً وخلاصات ونتائج، ففي مخيم اليرموك، حيث تعلم الناس معنى الرجولة والإخلاص للقضية الفلسطينية، وفي عمق البيئة الحاضنة للقضية المركزية لمظلومية الشعب الفلسطيني، والتي تحمل اسماً عظيماً لواقعة حربية يخشى تذكرها الظالمون والمجرمون، حيث انكسرت شوكة الإمبراطورية البيزنطية، وفي عقر دار بعض الموالين للأسد، حدث ما حدث.

وبعد أن كذّب كثير من المواليين وجود “سوق للسنّة” نتج إثر نهب ممتلكات المواطنين في حمص بعد استباحتها من قبل المليشيات التابعة للنظام، شاهد الجميع في نقل حي ومباشر “سوق الفلسطينيين” فيما بعد، في بازار مصغر لحجم دناءة وقذارة هؤلاء القتلة ومن يتبعهم ويصدقهم، أذاعه في بيان حي ومباشر إعلان المنطقة الجنوبية من دمشق منطقة خالية من الأدوات الكهربائية، وكل ما خف وزنه وغلا ثمنه، والإرهابيين، كذلك.

ولكن في قعر السفالة، حيث لا مزيد من المنافسة على لقب السافل الأكبر، لا أعتقد أن الأمر ذو شأن عظيم لمن وصل لهذا الدرك من الانحطاط.

في هذه الصورة لا يكتفِ النظام بالتدليل عن كنهه الحقيقي، بل يقول لصاحب القضية التي ركب شعاراتها طوال خمسين سنة، وكذا لكل من قال إن طريق القدس السليبة يبدأ بوأد الثورات ضد هذه الأنظمة المجرمة: هذا أنا بكل وضوح ممكن فإن فهمت فعليّ أن أزيد عليك حجم الأغلال والتقييد بحقك، وإن تجاهلت فسأستمر بكل سرور بحمل مظلوميتك والارتزاق منها والمتاجرة فيها وفيكم حتى اللانهاية، فاحزم أمرك!

وما شاهدناه حتى الآن كان المزيد من الانصياع من قبل المؤيدين، بكل أسف.

لا نعرف لماذا على أصحاب القضايا الكبرى أن يتجرعوا النذالة ممن بخس قضاياهم وتاجر وارتزق باسمها كما تفعل أقذر الأنظمة العربية والإسلامية، (الخليجي والمصري عموماً والفارسي والسوري تحديداً)؟.

ولا نعرف لماذا يستمر أصحاب القضية الكبرى بتمجيد تلك الأنظمة التي تنقل صراعاتها السياسية وحتى الدينية المذهبية، لساحة المستضعفين: فتارة يحاصرونهم، وتارة يقطعون عنهم المعونات المالية الصغيرة، وتارة يبثون رسائل إخضاع على لسان الجائعين والمحاصرين بتزويدهم ببعض المستلزمات للبقاء على قيد الحياة لكي يستخدموهم فيما بعد كرأس حربة في معسكر هذا أو ذاك، ثم يبيعونهم للصهاينة في بازارات سياسية رخيصة تتم تحت الطاولة.



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع