أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » جدلية الداخل والخارج وأثرها في مهام الثورة السورية : أسامة محمود آغي باحث وأديب

جدلية الداخل والخارج وأثرها في مهام الثورة السورية : أسامة محمود آغي باحث وأديب

الثورات تعريفاً ليست فعلاً موجهاً للتعبير عن احتجاج سياسي فحسب، بل إن فعلها يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. يذهب إلى تغييرٍ عميقٍ في بنى المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية.. إلخ.

والثورة السورية ومنذ بداية انطلاقتها، انقسم الرأي المعارض فيها حول استدعاء الخارج إلى التدخل في مجرياتها إلى قسمين، قسم يريد تدخلاً خارجياً يسرّع من إسقاط بنية النظام المستبد الحاكم، وقسم آخر لا يريد أيّ تدخلٍ خارجي في مجريات الصراع السياسي بين النظام وقوى الثورة، لأنه يعتبر أن مهام الثورة هي مهام تقوم بها القوى الوطنية ذات المصلحة بالتغيير الديمقراطي.

استدعاء الخارج هو استدعاء يشمل أبواباً متعددةً، من هذه الأبواب أن التدخل الخارجي في مجريات الصراع الداخلي يأتي على قاعدة إحداث خللٍ في ميزان القوى الفاعل على الأرض لمصلحة المستدعي، وهذا الاستدعاء لن يبقى استدعاء حيادياً مجرّداً، بل سيُصبح جزءا حقيقياً من تعقيدات هذا الصراع ومن توسعه.

استدعاء الخارج في الصراع السوري تمّ على صورتين اثنتين، استدعاء مارسته بعض قوى المعارضة، ظنّاً منها أنها تشكّل بديلاً سياسياً مقبولاً للخارج، الذي أوحى برفضه لأسلوب النظام السوري بعدم استماعه للمطالب الشعبية، التي كانت تريد إصلاحات سياسيةً حقيقيةً، تلغي بنية الاستبداد، وتفتح البلاد على أفق دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ تعددية. واستدعاء عمل عليه النظام السوري حين قبل بتدخل ميليشيات حزب الله اللبناني ثم تدخل إيران وروسيا عسكرياً لمصلحته.

هذان الاستدعاءان لقوى خارجية للتدخل في الصراع الداخلي نقلا هذا الصراع من حيّزه الداخلي ومعادلاته الداخلية إلى مستوى إقليمي ودولي، وبالتالي لن تكون الأطراف التي تمّ استدعاؤها للانخراط في الصراع أطرافاً بلا أجندات ومصالح. هذا الأمر غير في مهام الثورة السورية، وهو ما كان ينبغي الإعداد له بصورةٍ منهجيةٍ وبرنامجيةٍ تقوم على تحليل طبيعة وواقع الصراع السوري ثم اشتقاق المهمات النضالية لمواجهته. استدعاء النظام لقوى ” حليفة له ” وهي في الجوهر” القوة الإيرانية ” و “القوة الروسية ” وقيامهما بدورٍ مادي ملموس على المستوى العسكري والسياسي والاقتصادي في مواجهة الثورة السورية، يعني بالمحصلة أنهما قوتان تعملان على أهداف استراتيجية تخصهما، وهذا يعني تحوّل النظام من وضعيته السابقة ما قبل الثورة أي من وضعيته كـ ” نظامٍ مستبدٍ قهريٍ متحكمٍ بكل مناحي الحياة ” إلى وضعية واجهة سياسية لا تملك قوةً بذاتها، بل تتبع مركزي القوة الفاعلين على الأرض.

وبالمقابل فإن استدعاء الخارج من خلال التدخلات الإقليمية فرض شكلاً تدخلياً مادياً واضحاً، غيّر من طبيعة الصراع واتجاهاته، وهذا الأمر لم تلتقطه قوى المعارضة، التي بقيت أسيرة أجنداتها الأولى، وبقيت تمارس ردود فعل على الأحداث دون لعب دور فاعل فيها. فالتدخل الأمريكي أتى على قاعدة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ” داعش “، ولكنه لم يكن تدخلاً من أجل تحقيق هذا الهدف فحسب، بل إنه تدخل ساهم في تعقيدات مشهد الصراع السوري حين دعم بالسلاح والمال والتدريب قوات سوريا الديمقراطية ” قسد ” لاستخدامها في معادلات صراع إقليمية وداخلية يريد منها إبقاء قوى الإقليم وقوى الصراع تحت عباءة هيمنة دولية.

إذاً يمكن القول أنّ المهام الرئيسية التي وضعتها الثورة السورية نصب عينيها، وناضلت بقواها السلمية من أجل تحقيقها، لم تعد لوحدها هي المهام المطلوب تحقيقها.

لقد حدثت تبدلات جوهرية في معادلة الصراع السوري، سبّبها فعل جدل العلاقة بين الداخل والخارج، وهذا التبدل يستدعي بالضرورة تبدلاً في مهام الثورة السورية، لتنتقل من وضعية إسقاط نظام الاستبداد إلى وضعية مهمةٍ ثنائية هي إسقاط الاستبداد وطرد الاحتلالات عن البلاد. حيث يرتبط البعد الوطني للصراع السوري ” طرد الاحتلالات ” مع البعد الديمقراطي ” إسقاط الاستبداد “. هذان البعدان تقوم بينهما علاقة جدلية فكل العناصر فيهما تدخل ضمن علاقة التأثير والتأثر المتبادل.

إن القول بأولوية مهمة من المهمتين السابقتين هو قول خارج منطق تطور الحدث السوري، فالعلاقة بين المهمتين (الوطنية والديمقراطية) هي علاقة تكاملية لا يمكن الاستغناء عن إحداهما أو تقديم أو تأخير إحداهما عن الأخرى، فالبعد الوطني يعني إخراج وطرد كل قوى التدخل الإقليمية والدولية من البلاد دون استثناء لأي قوة، وهذا يتطلب العمل على إضعاف هذه الاحتلالات، ومحاربة مطامعها وأجنداتها الخاصة بها. أما البعد الديمقراطي فيعني بقاء مهمة الخلاص من نظام الاستبداد والقهر مهمةً رئيسية ثانية تتضافر مع المهمة الأولى في إنجاز تحرير البلاد واستقلالها وبناء دولتها الديمقراطية.

البعدان الوطني والديمقراطي ليسا مجرد رغبتين أو شعارين، بل هما ضرورتان ينبغي العمل عليهما برنامجياً وتنظيمياً، وهذا يتطلب إعادة النظر في برنامج ومهام الثورة السورية، ويتطلب تحديد طبيعة القوى القادرة على حمل مهام هذا البرنامج الوطني الديمقراطي.

إعادة النظر تعني أولاً بناء مؤسسات الثورة بصورة جديدة خارج تدخلات قوى إقليمية ودولية، وهذا يتطلب من جميع القوى الوطنية الديمقراطية القيام بعملية مراجعة منهجية لمواقفها ونقد هذه المواقف.

وإعادة النظر بمؤسسات الثورة تعني بالضرورة بناء هذه المؤسسات بصورة مختلفة عن السابق بحيث يبقى الارتكاز فيها قائماً على التفاف الداخل الوطني حولها وتشكيله حاضنة لعملها.

لذلك يمكننا القول الآن أن القضية السورية في وضعها الراهن ليست بيد القوى الوطنية السورية، بل بيد قوى التدخل والاحتلالات، وهذا يفرض رؤيةً جديدةً تساعد على الخروج من مستنقع الصراع الإقليمي والدولي على أرضنا السورية عبر بناء مؤسسات ثورية وطنية حقيقية.. فهل يحدث ذلك في القريب العاجل؟..



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع