أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » أوضاع مصر السياسية والاجتماعية في القرن التاسع عشر بعيون رحّالات أوروبيات

أوضاع مصر السياسية والاجتماعية في القرن التاسع عشر بعيون رحّالات أوروبيات

مع بدايات القرن التاسع عشر، بدأت الحكومات الأوروبية بإرسال رحالة ومستكشفين إلى بلاد المشرق العربي والإسلامي لأسباب مختلفة.

وبحسب عرفة عبده علي، في كتابه “مصر في عيون نساء أوروبا”، كان عدد من هؤلاء جواسيس تركّزت مهماتهم على دراسة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والطائفية والقبلية لتلك البلاد، وإيجاد الوسائل المناسبة لاستعمارها.
غيرترود بل… أدوار مخابراتية

تندرج رحلات غيرترود بل ضمن هذه النوعية من المهمات. ذكر علي أن الرحالة البريطانية كانت من أهم الشخصيات التي أسهمت في رسم الخرائط السياسية والجغرافية للمنطقة العربية، خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، وفي تطبيق معاهدة “سايكس – بيكو” التي اقتُسمت بموجبها البلاد العربية بين إنكلترا وفرنسا.

تعلّمت بل العربية وقامت برحلات استكشافية في جزيرة العرب والعراق وتركيا بين عامي 1897 و1899، كما قامت برحلات استكشافية في أوروبا.

لكن رحلتها الأهم كانت في صيف عام 1914، عندما تسارعت وتيرة الأحداث في المنطقة، مع تصاعد وتيرة الثورة العربية ثم اندلاع الحرب العالمية الأولى وإعادة رسم الخرائط السياسية للمنطقة لصالح القوى الكبرى خاصة إنكلترا وفرنسا.

في تلك الظروف، وصلت بل إلى القاهرة للمرة الأولى على متن سفينة حربية تابعة للأسطول البريطاني، وراحت تقدّم تقاريرها الاستخباراتية إلى مدير الاستخبارات المدنية والعسكرية في القاهرة الكولونيل جيلبرت كلايتون، بعيد تشكيل “مكتب القاهرة” لتنسيق النشاطات البريطانية في شمال شرق الجزيرة العربية والبصرة والكويت والهند.

ورغم تنقّل بل بين القاهرة وشمال جزيرة العرب والهند ولندن، إلا أنها كانت تتطلع دوماً للعودة إلى العاصمة المصرية ولقاء النخبة البريطانية التي خالطت أبناءها في فندق “غراند كونتننتال” في ميدان الأوبرا الخديوية، لا سيما أنها كانت تحظى بدعم وزير المستعمرات آنذاك ونستون تشرشل، في مهمات خاصة كُلّفت بها ولها علاقة بتحديد مستقبل العالم العربي.

وكان من أبرز ضباط هذه النخبة لورانس العرب واللورد كرومر. وشهدت فنادق “سافوي” و”شبرد” و”مينا هاوس” الذي أطلق عليه في فترة الحرب العالمية الثانية لقب “وكر الجواسيس” جانباً من لقاءات بلْ وضباط المخابرات البريطانية.

وفي الأوقات التي كانت تخلو من اللقاءات الاستخباراتية، كانت بل تسجل انطباعات سريعة، فكتبت: “لو سألني أحد عن البلد الذي أمتعني أكثر، سأقول في الحال: مصر. ففيها وجدت مجتمعاً مختلفاً تماماً عن مجتمع الجزيرة العربية، بل يختلف عن مجتمعنا في لندن، فالحكومة والدين والناس كلها جديدة علينا”.

ولم تفوّت بل الفرصة، فرصدت أجواء القاهرة التي جمعت بين المتناقضات. من أمام فندق شبرد كتبت: “تتزاحم العربات والمكارية أمام مدخل شبرد أوتيل. وأيضاً أمام غراند أوتيل القريب. أجراس الحمير، والعمامات البيضاء والطرابيش الحمراء، ونساء محجبات، عرب وأتراك ويونانيون وأرمن وسوريون ونوبيون، خليط من الأجناس البشرية يزاحمهم سياح من أوروبا وأمريكا، وسُياس يفسحون الطريق لعربات الهوانم. ومع هذه المناظر أرى هنا الفقر في أبهى صورة مُغلفاً بالمشغولات الفضية والمصنوعات اليدوية السياحية”.
سوزان فوالكان… بنت الشعب

لم تكن أهداف كل الرحالات الأوروبيات تصب في خانة الجاسوسية أو نقل معلومات ثمينة إلى بلادهن، فمنهنّ مَن حملنَ أهدافاً إنسانية ارتبطت بالظرف السياسي وقتئذ.

قبل مجيء بل بنحو 80 عاماً، كانت مصر على موعد مع رحلة قام بها السان سيمونيون إلى مصر (1834 – 1836)، وكان من بينهم طبيبة فرنسية تُدعى سوزان فوالكان عُرفت بالدفاع عن حقوق المرأة، وكانت تقوم بأعمال الغسيل والكيّ لزملائها وزميلاتها في مواقع العمل، والتحقت بالعمل كممرضة في مستشفى الأزبكية.

جاء السان سيمونيون لتنفيذ مشاريع كبرى في مصر، أهمها حفر قناة السويس لربط شرق العالم بغربه حتى يسود السلام بين الشعوب، كما حلم مؤسس التيار هنري دي سان سيمون.

سجّلت الطبيبة ملاحظاتها عن المصريين في كتاب باسم “ذكريات فتاة من الشعب”، ودوّنت صفحات مؤثرة عن وباء الطاعون الرهيب الذي حلً على مصر عام 1835، وراح ضحيته في القاهرة وحدها 35 ألف نسمة. وبينما شاهدت هلع أبناء الجاليات الأجنبية، لاحظت أن المصريين مسلمين وأقباط يتقبلون الوباء بصبر ورضى بقضاء الله.

ورصدت فوالكان الظروف القاسية للعمال المصريين خلال حفر قناة المحمودية وكتبت: “هذا الشعب يبدو عبقرياً في صمته أو في صمته العبقري عندما يواجه صعوبة الحياة بلفظة ‘الله كريم’”.

ولفت نظرها حرص المرأة المصرية على كرامتها وسلوكياتها وحماية جسدها. كتبت: “أجسادهن لا بأس بها، فهن لا يخضعن لأي نوع من القهر، وبالتالي تنمو أجسادهن بشكل طبيعي”.

بيد أن أكثر ما جذبها هو الحمامات الشعبية التي كانت تتردد عليها ووصفتها وصفاً دقيقاً، وذكرت إنها تضفي على المرأة جاذبية تضاف على جاذبيتها الشرقية. كما رسمت صورة دقيقة لحريم القصور وتحدثت عن تقاليدهن وعاداتهن، بعد أن عايشت أسرة مدير الجيزة حسن بك، مدة طويلة.
أولمب أودوار… معاداة الخديوي إسماعيل

لم تكن فوالكان الفرنسية الوحيدة التي وطأت قدماها أرض مصر ودونت مشاهداتها عنها. فبعد ثلاثين عاماً من رحلتها، بدأت مواطنتها أولمب أودوار رحلة طويلة إلى مصر وتركيا وروسيا.

وخلال 15 شهراً قضتها في الإسكندرية والقاهرة بين عامي 1864 و1865، جمعت هذه الرحالة غير المستقرة نفسياً، حسب وصف جون ماري كاريه في كتابه “رحالة وأدباء فرنسيون في مصر”، كل اللغط الدائر والثرثرة الخالية من الصحة وعرضتها في كتاب “الكشف عن خفايا مصر”.

ورغم أن أودوار لم تكن تخطط للقيام بدور سياسي عند مجيئها إلى مصر، إلا أنها ارتبطت بعلاقة ببعض الخصوم السياسيين والشخصيين للخديوي إسماعيل، فانكبت على الإساءة إلى البلاد وعاداتها وتلطيخ العرش ببعض القصص.

ذكر كاريه أنها حصلت من مصطفى فاضل باشا، شقيق الوالي وعدوه اللدود، على أكثر من معلومة أحسن اختيارها للإساءة إلى العرش وإلى النظام.

جمعت أودوار قصصاً هزيلة وشائعات سيئة عن تلك الفترة بحيث لا يمكن للقارئ أن يفرّق بين الحقيقي والخيالي. مثلاً، تقول إن صهر الخديوي أحمد بك الدفتردار كان وحشياً يتلذذ بإدخال الرعب في قلوب زائريه من الأوروبيين وهو يستقبلهم متوسطاً أسداً ونمراً.

ونقلت عن الدفتردار أنه قام خلال حملة سنار برسم خريطة بدماء الرهائن ثم أهداها إلى معهد فرنسا، وأنه هو الذي أمر بشق بطن أحد الجنود لأنه سرق وشرب لبناً بما قيمته خمسة قروش “ليتأكد من وجود اللبن في معدته، وهو أيضاً الذي جعل ضابطه البيطري يدق المسامير في راحة قدمي أحد الجنود الذي تظلم لعدم امتلاكه حذاء يرتديه”.

ولم تنسَ الحديث عن زوجة الدفتردار نازلي هانم التي “تغيّر كل ليلة عشيقاً ومكان إقامتها، وتلقي ضحايا نزواتها في النيل أو تدفنهم في كهوف القلعة”.

أما عباس باشا الذي كان شاباً ومحافظاً للقاهرة، فتروي عنه إصداره أمراً بجلد عشيقته كوتشكوك هانم خمسمئة جلدة قبل نفيها، فضلاً عن غرقه في بحور الرذيلة في قصره في بنها (في محافظة القليوبية) حيث كان يخطط ويحيك المؤمرات والدسائس ضد أسرته إلى الدرجة التي فكر فيها ذات مرة في تلغيم قاعة الاستقبال في القلعة، إلى أن اغتيل هو نفسه بعد ليلة ماجنة على يد اثنين من حراسه المفضلين.

لم تتوقف أودوار عن قصّ قصصها المثيرة، فانطلقت تكشف عن خفايا الحريم، وضخّمت بعض القصص، مثل قصة الزوج المخدوع الذي أطاح برأس زوجته الخائنة وأرسله في حقيبة إلى عشيقها، وكذلك الباشا الطاعن في السن الذي أمر بخنق طفلي زنا ولدتهما زوجتاه من غريميه.
آن بلنت… مناصرة عرابي والقضية المصرية

لم تمنع الجنسية الإنكليزية الرحّالة آن بلنت وزوجها ويلفريد بلنت من مناصرة أحمد عرابي وانتقاد سياسة بلدهما الرامية إلى احتلال مصر.

كان الزوجان قد زارا من قبل العراق وشبه الجزيرة العربية ودونت الزوجة مشاهداتهما في كتاب بعنوان “رحلة إلى نجد. مهد العرق العربي”.

وفي 30 نوفمبر 1881 وصل الزوجان إلى فندق “النيل” في القاهرة، وكان مقاماً للكثير من الرحالة الأوروبيين، في أجواء سياسية مشحونة تنبئ بقرب احتلال مصر بسبب الديون.

لم يُضِع الزوجان الوقت كثيراً وذهبا في 14 ديسمبر للقاء أحمد عرابي الذي كان يقود الجيش في مواجهة الخديوي ووصفته بأنه “ضابط مصري ابن فلاح خريج الأزهر يتعاطف مع الطبقات الفقيرة. وسرعان ما أصبح بطل الشعب”. وبدأت آن العمل بصورة فعالة مع زوجها لصالح عرابي والقضية الوطنية المصرية.

ولم تمنع الأحداث السياسية بلنت من التنقل الدائم بين الصحراء خلف الشاطئ الشرقي للنيل، وبين القاهرة للاهتمام بالجياد والاطلاع على الأحداث السياسية، حتى باتت يوميات مذكراتها خليطاً من معلومات عن الجياد والتخمينات الدبلوماسية التي كانت ترسلها إلى الصحف البريطانية.

ولما فشلت المساعي الدبلوماسية في حل الأزمة السياسية، فتح الأسطول البريطاني نيران مدافعه على الإسكندرية، فكتبت الرحالة الإنكليزية “كان التدخل البريطاني قاسياً وغير مسيحي”.

يوماً بعد يوم، كانت بلنت تقع في غرام القاهرة أكثر فأكثر. اشترت وزوجها 37 فداناً بالقرب من منطقة المطرية (غرب القاهرة) لتأسيس مزرعة للخيول، لكنهما تطلقا لاحقاً، بعد ثلاثين عاماً من الزواج، لتقرر الرحالة قضاء ما تبقى من عمرها في هذا المكان وتغدو خبيرة عالمية في سلالات الجياد العربية.
أرتيميس كوبر… أجواء الحرب العالمية الثانية

إبان الحرب العالمية الثانية، عاشت الكاتبة الإنكليزية أرتيميس كوبر في مصر، ودرّست في جامعتي فاروق والإسكندرية، ورصدت في كتابها “القاهرة في الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945” جوانب من تلك الحرب التي كانت العاصمة المصرية شاهدة على كثير من تفاصيلها الشيقة.

روت قصة التخطيط لأهم عملية إنزال للكوماندوس بالمظلات في يوغسلافيا بقيادة جوزيف بروز تيتو (1892 – 1980) ضد القوات الألمانية. حُبكت العملية في حمام إحدى شقق القاهرة.

ورغم انشغال كوبر بخبايا السياسة، إلا أن محمد الخولي مترجم كتابها، يذكر في مقدمته أنها لم تنسَ “رصد عالم الحفلات الأسطورية في قصر الأميرة شويكار زوجة الملك فؤاد، أو تتبع الضباط الإنكليز الذين اختاروا أن يعيش بعضهم بسبب الشح في جامع أحمد بن طولون، أو إصغاء السمع إلى الشائعات التي ينشرها قسم البروباغندا”.

تتبعت الكاتبة الإنكليزية أيضاً نشاط ملوك وعائلاتهم كانوا يعيشون على أرض مصر كلاجئين بعيداً عن نيران القصف في بلادهم مثل بيتر الثاني ملك يوغسلافيا وجورج الثاني ملك اليونان.

وبحكم اهتماماتها الأدبية، توقفت كوبر كثيراً عند الحياة الأدبية الناطقة بالإنكليزية التي نشأت وترعرعت وقت الحرب في القاهرة والإسكندرية. فقد تطوع في الحرب شباب تخرجوا من الجامعات البريطانية وجاءوا إلى الشرق الأوسط في الخدمة العسكرية لمكافحة الفاشية والنازية، وكانت لهم إبداعات في مجالات الشعر والقصة والرواية والأزجال الشعبية الساخرة.

المصدر: رصيف 22