أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » لوبي المولدات في مواجهة لبنان…ربع قرن من الفشل في إدارة ملف الكهرباء

لوبي المولدات في مواجهة لبنان…ربع قرن من الفشل في إدارة ملف الكهرباء

يضاعف انطفاء الكهرباء المتكرر عن شقة اللبناني الثلاثيني إلياس خوري، بسبب “ساعات التقنين”، من معاناته اليومية التي تبدأ من صعوده سلالم العمارة الواقعة في منطقة الحدث بمحيط المجلس الدستوري، إضافة إلى قيمة فاتورة الاشتراك التي بلغت في يوليو/تموز الماضي 115 ألف ليرة (76 دولاراً) نظير استهلاك خمسة أمبيرات من الكهرباء، مقارنة بما يتقاضاه من عمله في أحد المصارف اللبنانية، إذ يصل راتبه إلى مليون ونصف المليون ليرة شهريا، تذهب لتسديد فواتير إضافية كالمياه والتليفون الأرضي والهاتف الجوال، إلى جانب دفعه قسط الشقة الشهري المقدر بـ 950 ألف ليرة لبنانيّة، كما روى لـ”العربي الجديد”.

وتعد معاناة إلياس وغيره من اللبنانيين جزءاً من أزمة الكهرباء في لبنان الذي بلغ معدل ساعات القطع في كافة مناطقه 235 ساعة في يونيو/حزيران الماضي، فيما بلغت ساعات القطع في يوليو/تموز الماضي 332 ساعة، بينما بلغت في أغسطس/آب الماضي 303 ساعات في كافة المناطق اللبنانية خارج مدينة بيروت التي تنقطع فيها الكهرباء حاليا 4- 5 ساعات يومياً، بحسب ما وثقته معدة التحقيق عبر البيانات المحددة لتعرفة المولدات الكهربائية الخاصة الصادرة عن المكتب الإعلامي لوزارة الطاقة والمياه.

كيف ظهرت أزمة الكهرباء؟

بدأت أزمة الكهرباء في لبنان منذ عشرين عاماً، مع الارتفاع العالمي لأسعار المحروقات بحسب إفادة رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه، النائب السّابق محمد قباني لـ”العربي الجديد”، والذي قال إنّ التعرفة التي تتقاضاها الدولة مقابل الاستهلاك، والتي تختلف نسبها، هي أقلّ من كلفة “الكيلو واط” المولد، وبات العجز يرتفع عاماً بعد عام بسبب النقص في الجباية، وارتفاع في الهدر غير الفنيّ.

ويبلغ إجمالي عجز الكهرباء المتراكم منذ عام 1992 وحتى نهاية العام الماضي، 36 مليار دولار أميركي، تمثل 45% من اجمالي الدين العام البالغ 79.5 مليار دولار حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2017 بحسب ما ذكره الخبير الاقتصادي والأكاديمي في الجامعة اللبنانيّة جاسم عجاقة، والذي لفت إلى أنّ “خدمة الدين العام الناتجة عن الكهرباء تبلغ أكثر من ثمانين مليار ليرة لبنانيّة سنوياً”.

لوبي المولدات الخاصة

عجز الدولة عن تأمين الكهرباء وتقصيرها في هذا الملف، أدى في مقابل ذلك، إلى خلق الحاجة إلى أصحاب المولّدات الخاصة، كما يقول جوزيف خباز، صاحب مولد كهربائي في المتن، لـ”العربي الجديد”، مضيفا أنّ المواطن كان يلجأ في السّابق إلى وضع “موتير” صغير في منزله، لكنّه “وجد أنّ الاشتراك معنا أكثر أماناً وضمانةً، ونحن لا نلزم أحداً بهذه الخطوة”.

وبدأت قوة لوبي المولدات الضاغطة بالظهور إلى العلن اليوم أكثر من الفترات السابقة وفق إفادة قباني، مشيرا إلى أنهم ينظمون أنفسهم ويوحدون مواقفهم وتحرّكاتهم وقراراتهم، لتشكيل الضغط المطلوب ومواجهة الخطر المهدد لأعمالهم، بدعم من الفعاليات، سواء السياسية، أو الحزبية والتي تشكل غطاء لهم، لكن رئيس لجنة أصحاب المولدات عبدو سعادة، يرد على الاتهامات التي تطاول أصحاب المولدات بالاحتماء بغطاء سياسي وحزبي قائلا: “فليسمّوا الأمور بأسمائها، إذا كانت هذه الأقاويل صحيحة”، مضيفا لـ”العربي الجديد” أن أكثر من 3000 صاحب مولد، يعيشون وعوائلهم الذين يفوقون 7 آلاف عائلة من هذا القطاع الذي أدى إليه عجز الدولة والأزمات المتراكمة. وتابع “نتفوق على الدولة من الناحية الإنتاجيّة بإجمالي قدرة إنتاج تصل إلى ثلثي الاستهلاك بينما تنتج الدولة الثلث المتبقي”.

ويؤكد وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية رائد خوري إن الدعم الذي يناله أصحاب المولدات، لا يمكن أن يكون علنيّاَ، مضيفا أن “الأرباح الطائلة التي تجنى من هذا القطاع، يمكن ربطها بفساد ناتج عن نفوذ بعض أصحاب المولدات، المرتبطين بمصالح مشتركة، مع بعض البلديات وفعاليات محلية أخرى”، مشيرا إلى أن الخطوات التي تقوم بها الوزارة والقرارات المتخذة، ستقطع أي صلة وصل بين صاحب مولد وداعم سياسيّ كما يقول.

أسباب الأزمة

تعود أزمة الكهرباء في لبنان إلى ثلاثة محاور، بنيويّة، واستثماريّة وسياسيّة، وهي الأخطر بحسب عجاقة، الذي قال إن الصراع السياسيّ يعرقل الحلول والمشاريع، ومن ضمنها الخطة التي وضعها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، وأقرها مجلس الوزراء في 21 يونيو/حزيران 2010، والتي تتكوّن من عشر مبادرات مترابطة ومتكاملة لتغطية المحاور الأساسية الثلاثة للقطاع، وهي البنى التحتية، المصادر/الطلب، والأطر القانونية، مضيفا أن الخطة تتضمن، البرامج التنفيذية لهذه المبادرات مع موازنتها، وطرق تمويلها، وإطارها الزمني التنفيذي.

وأهم مشروع مرتبط بملفّ الكهرباء بحسب قباني، كان القانون رقم 462 تاريخ 2/9/2002 الذي يتضمن خطة إصلاحيّة واضحة لصالح إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، التي لم تبصر النور، لأن لا مصلحة للوزراء بمشاركة الهيئة في القرارات التي تعنى بحقائبهم الوزارية.

ويقول قباني “بدأنا المشروع على أساس جلب شريك استراتيجي في المعامل بأربعين في المئة، يتولى إدارة الإنتاج والتوزيع، لكي تتحسن أوضاع المؤسسة ماليا، وترتفع باقي الأسهم في السوق وتصبح أداة جذب للمستثمرين، إلا أن اعتراض بعض القوى السياسيّة، وتحديداً وزراء الطاقة المتعاقبين، حال دون تنفيذه واحترام بنوده”.

تسعيرة مرتفعة

تنتج المولدات الخاصة 1500 ميغاواط، وتعد بمثابة قطاع بديل إلى جانب كهرباء الدولة بحسب تأكيد عجاقة لـ”العربي الجديد”، مؤكداً أن قيمة ما ينتجونه، يصل إلى ‏‏1.5 مليار دولار من الكهرباء، وهذا يشكل ثروة بحد ذاته، لذلك يقاتل أصحابها للبقاء على الساحة، لكن وزارة الاقتصاد تلقت شكاوى من قبل المواطنين من جميع المناطق اللبنانية حول التسعيرات المرتفعة لتكلفة الكهرباء، بحسب ما أوضحته المدير العام في وزارة الاقتصاد عليا عباس التي قالت لـ”العربي الجديد” إنّ “الوزارة ألزمت أصحاب المولدات بتركيب العدادات، وذلك ضمن مهلة لإنجاز تركيبها في 1 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وهذا الحلّ هو عادل للجميع سواء للمستهلك، أو صاحب المولد”، مشدّدة على أهميّة التواصل مع وزارتي الطاقة والداخلية، ولا سيما لناحية التدخّل مع البلديات في الإشراف على التسعيرات، وعدم التساهل في تطبيق القانون”، وهو ما يؤيده أنطوان شختورة رئيس بلدية الدكوانة التي كان لها موقف متمايز عن باقي البلديات، إذ رفض التوقيع على فواتير اشتراك المولّدات، لعدم اقتناعه بالتسعيرة المرتفعة، كما يقول لـ”العربي الجديد”، مضيفا “الفاتورة لا يجوز أن تتجاوز المئة ألف ليرة لبنانية في مقابل كل خمسة أمبيرات”، لكن سعادة رفض تسعيرة المولدات المفروضة عليهم بـ 300 ليرة للكيلوواط، وتركيب عدادات إلكتروميكانيكية (كيلوواط/ساعة) لدى المشتركين”، مؤكداً لـ”العربي الجديد” أن لا أحد يتاجر ليخسر، مشيرا إلى أنّ التسعيرة لا يمكن أن تكون موحدة لكل المناطق، وقد تختلف التسعيرات بين شارع، وشارع، وبين حي وآخر، إذ إن هناك عدة عوامل تؤخذ بعين الاعتبار لطرحها، منها ساعات التقنين، وأسعار المازوت والكمية التي يحتاجها كلّ مولد حسب حجمه وسعته ومصروفه، فهناك مولدات 200 KVA و400 KVA وغيرها، غير أن وزارة الطاقة والمياه أكدت أن الكيلوواط يكلفها ما بين 220 ليرة إلى 300 ليرة، وفق ما أوضحه سيزار أبي خليل وزير الطاقة والمياه في مؤتمر صحافي عقد في 7 أغسطس/آب الماضي.

وتحتسب التعرفة بناء على أساس سعر وسطي متغير لصفيحة المازوت الأخضر (20 ليتراً) والذي بلغ في شهر أغسطس/آب الماضي 19.548 ل.ل. إضافة إلى كافة مصاريف وفوائد وأكلاف المولدات، بالإضافة إلى هامش ربح جيد لأصحابها وفق بيانات تحديد سعر تعرفة المولدات الخاصة الصادرة بشكل دوري عن الوزارة.

لبنان مهدد بالظلام

يطالب وزير الاقتصاد رائد خوري المحافظين والبلديات بضرورة التشدد في مراقبة نشاط أصحاب المولدات، ويقول خوري إن بعض أصحاب المولدات لا يلتزمون بالأسعار التي تحددها وزارة الطاقة، إلى جانب تلاعبهم بالتسعيرة وساعات القطع، ولا يقدمون فاتورة مفصلة للمواطن، علما أن العدادات من شأنها منع الغش، والتلاعب، وتنظيم الفاتورة، لكن خباز يقول إن تركيب العدادات سيكلف أصحاب المولدات أكثر من 25 مليون دولار، والمبلغ سيُدفع من جيب أصحاب المولدات، وجيب المواطن، إذ سيتحمل أصحاب المولدات كلفة التركيب على أن تحسم لاحقاً من الفاتورة.

بالمقابل، رفض تجمع مالكي المولدات الخاصة تصريحات الوزير خوري في بيان صدر عنهم، في 7 سبتمبر/أيلول الجاري فيما هدد أصحاب تجمّع المولّدات في مؤتمر صحافي عقد في 6 أغسطس/آب الماضي، بقطع الكهرباء عن اللبنانيّين ابتداءً من أكتوبر/تشرين الأوّل المقبل، رفضاً للقرارين الصادرين عن وزارتي الاقتصاد والتجارة والطاقة والمياه بشأن تركيب العدادات والتسعيرة المُحدّدة، غير أن مستشار وزير الطاقة والمياه خالد نخلة قلل من تهديد أصحاب المولدات بقطع الكهرباء معتبرا أنه من باب التهويل، قائلا لـ”العربي الجديد”: “تمّ الاتفاق بين وزارات الداخلية والطاقة والمياه ووزارة الاقتصاد للحيلولة دون حصول ذلك”.

بيروت – ريتا الجمال