أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » آفة الأخبار الكاذبة صنّاعها

آفة الأخبار الكاذبة صنّاعها

تجد الأخبار الكاذبة والمزيّفة السوق مفتوحا أمامها في أوقات الأزمات الحادّة، إذ عادة ما يبحث المرء عن خبرٍ يخفّف من وقع الأزمة عليه، وقد يتعاطف مع الخبر الكاذب إذا كان يستجيب لرغبةٍ في نفسه، ويجد الدافع لديه لترويجه، مع إدراكه زيف هذا الخبر أو شكّه في صحته.

وفي الأزمة السياسية الماثلة في العراق، جرى تسويق أخبار كاذبة أو مزيفة كثيرة، تهدف إلى إسقاط شخصية معينة أو تلميع أخرى، أو لمجرد التضليل والخداع أو الضحك على الذقون، ولعبت شياطين الإنترنت دورها في تسويق هذا النمط من الأخبار ونشرها. وفي قبضة رسائل وصلت إلي هذا الأسبوع، ليس أقل من دزينة أسماء لمنصب رئيس الوزراء، وكل رسالةٍ تزعم أنه تم الاتفاق على الاسم المحدّد ولم يبق سوى الإعلان الرسمي. الأكثر من ذلك من يكتب لك عارضا تشكيلة وزارية كاملة، يزعم أنها حظيت بموافقة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وآخر ينقل خبر اتصالٍ أجرته الملكة إليزابيث شخصيا مع القادة العراقيين، للتفاهم معهم على تشكيل الوزارة الجديدة، وآخر ما وردني، وأنا أكتب هذه المقالة خبر دخول قوات عسكرية إيرانية مدرّعة إلى البصرة واحتلالها!

قد يكون بعضهم حسن النية، وهو يسوق أخبارا كهذه، لكن صنّاعها في الغالب ليسوا كذلك، إذ أن غرضهم هو الخداع والتضليل، وقد يرتدّ ذلك عليهم بالضرر، حتى لو تأخر كشف الحقيقة زمنا، ويعود بضرر أكبر على المتلقين الذين قد يتّخذون قراراتهم على وفق تلك الأخبار. وربما يبدو محمودا إعلان ميثاق “أخلاقي” يحدّد الأطر المهنية لوسائل الاتصال، بما يساعد على نشر الحقائق، وكشف الزيف والكذب، لكن المشكلة أننا نعيش في عالمٍ مفتوحٍ، تعمل فيه شبكات الأخبار على مدار الساعة، يكفي أن نعرف أن هناك ثمانية وثمانين مليون حساب كاذب على “فيسبوك”، وربما تجد مثلها على “تويتر” و”إنستغرام” وغيرها، ما يجعل مهمة تدقيق الأخبار، وتمحيصها أقرب إلى المستحيل، وقد تستدعي جهدا ووقتا يمكن للخبر الكاذب معهما أن يصل إلى جمهورٍ أوسع وأكبر. ويشكل فقدان القيم وانعدام الوعي أهم عاملين في فبركة الأخبار وترويجها، خصوصا وأن الناس في المجتمعات متدنيّة الوعي، لا يأبهون بالبحث عن الحقيقة، إنما يريدون الأخبار التي تُرضي تطلعاتهم.

يذكّرنا أوسكار أرنال، الباحث الفنزويلي في شؤون الاتصال، أن أية أخبار مفبركة ذات نيةٍ
مقصودةٍ أيديولوجيا أو إعلاميا، تسيء إلى الرسالة الإعلامية، وتؤدي إلى إفساد الرأي العام، وأن حملات التشهير المدبّرة بشكل متقن يقوم بها المتعصّبون الذين يتمسّكون بخيار شمشون، ولا يضيرهم أن يهدموا المعبد على ساكنيه!

ولا تبدو هذه الظاهرة جديدةً أو مستحدثة، لكنها اكتسبت راهنيّتها من تطوّر وسائل الاتصال على نحوٍ لا يعرف الحدود. والأخبار الكاذبة قديمة قدم الذاكرة البشرية، صولون الحكيم والشاعر الذي حكم أثينا روّج حكاية خبازي المدينة الذين أخفوا القمح، ليرفعوا سعر الخبز، فيحكم عليهم بالسجن، وصدّق الناس الحكاية، ثم اتضح أن أحدا لم يحصل على القمح بسبب الجفاف الذي لحق بالمزارع. ونيرون الذي أحرق روما أعلن أن المسيحيين هم الذين دبروا الحريق، وصدّق الناس ذلك. وفي عصر “غوغل” نجد آلاف الأخبار المفبركة بعناية، إلى درجة أن كشف زيفها لم يمنع كثيرين من إعادة ترويجها وتسويقها كلما شعروا بالحاجة إلى ذلك، فقد نسب بعضهم إلى دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع في عهد بوش، إقراره في كتابه “المعروف وغير المعروف” بأنه سلم المرجع الديني علي السيستاني مئتي مليون دولار في مقابل إعطاء فتوى لأتباعه بعدم التصدي للغزاة الأميركيين، مع أن الكتاب لم يتضمن كلمة واحدة عن واقعة كهذه. وقل الشيء نفسه عن اتفاق الولايات المتحدة مع الإخوان المسلمين في مصر على تأسيس دولة إسلامية في سيناء، وأنها طلبت من دول صديقة الاعتراف بها، قيل إن ذلك ورد في مذكرات وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، “خيارات صعبة”، والحقيقة أن المذكرات لم تشر إلى شيء من هذا.

ويظلّ مفتاح الحل هو في “فهم ما قيل ولماذا قيل” عبر عينٍ فاحصةٍ تتحقّق من أي خبر يطاوله الشك في صدقيّته، وقد نجد أحيانا أن منشئ الخبر قد عمد إلى التمويه، حتى على المصدر أيضا بطريقةٍ أو بأخرى. هنا على المتلقّي أن يتريث، وأن يفكر مرة وثانية وثالثة، قبل أن يتبنّى موقفا أو يتّخذ قرارا.

عبد اللطيف السعدون