أخبار عاجلة
الرئيسية » حوارات » صلاح عيسى يروي ذكريات حبسة سبتمبر (الجزء الثالث والأخير)

صلاح عيسى يروي ذكريات حبسة سبتمبر (الجزء الثالث والأخير)

*ماذا فعل محابيس سبتمبر حين سمعوا باغتيال السادات؟

نختم اليوم الشهادة التي قمت بتسجيلها مع المؤرخ والكاتب الكبير صلاح عيسى عن تفاصيل حملة اعتقالات سبتمبر 1981 التي كان أنور السادات يخطط لها أن تستمر طويلاً، لكنه تعرض للاغتيال بعدها بشهر، ليصل خبر اغتياله إلى المعتقلين داخل محبسهم الذي لم يكن يتوقع أحدهم له نهاية قصيرة.

معركة الزيارة

ـ أستاذ صلاح، كيف استقبل المعتقلون خبر اغتيال أنور السادات؟

قبل الاغتيال بيوم كنا عملنا معركة كبيرة مع إدارة السجن، كان قد سُمِح لنا بالزيارة وكان منتظرًا أن تأتينا زيارات في العيد، سُررنا لأننا سنرى أهالينا لأول مرة منذ بدأت الحبسة، وفوجئنا بقرار أن الزيارات ستتم عبر السلك وجاءنا الخبر قبل يوم 6 أكتوبر، مجموعة منّا وكنت منهم لم نهتم، أنا شخصيًا كنت متعودًا على أن يزورني أهلي في تجارب الاعتقال المختلفة عبر السلك، “مش هانهب يعني”، لكن هناك زملاء آخرين قاموا بمعركة تزعمها كمال أحمد وسانده معظم الزملاء قائلين: “نحن لا يمكن أن نسمح برؤية أهلنا عبر السلك، يا كده يا مش عاوزين زيارة” وبعدها قرروا الاحتجاج على ذلك بألا يدخلوا الزنازين بعد فُسحة الصبح، ضابط السجن هدد باستخدام القوة، كنت وقتها مفوضاً من جانب المعتقلين للتحاور مع الإدارة بشأن طلبات الحياة العامة في السجن. حاولت نصح الضابط المسئول عن السجن بأن يهدأ ويروّق باله، وفي وسط الحوار والشد والجذب قام الشيخ مصطفى عاصي ـ أحد قيادات حزب التجمع ـ بالأذان لصلاة الظهر، وتجمع المعتقلون لأداء الصلاة في ساحة السجن، فتحفز الضابط لإجبار الجميع على العودة إلى الزنازين، ونجحت في إقناعه بأن يجعلهم يصلون في الساحة قبل العودة إلى الزنازين.

اقتنع الضابط المسئول عن السجن، بدأ معظم المساجين في الصلاة، أنا ومجموعة ظللنا مع الضابط مستمرين في حوارنا معه لحسم مشكلة الزيارة، كان معي المرحوم الدكتور محمد أحمد خلف الله، المهم أن الموقف تعقد لما بدأ الشيخ مصطفى يقرأ سور طويلة في كل ركعة، طبعاً صلاة الظهر ليست صلاة جهرية إلا في أوقات النوازل والشدائد، وبالتالي اعتبر الشيخ مصطفى أننا في واحدة من أوقات النوازل والشدائد، فبدأ يقرأ بصوت عالي، ويطيل في الركوع والسجود، فالضابط أحس إننا نضحك عليه ونرغب في مضايقته، وظللت أقول له كلما عبّر عن استفزازه: أرجوك خلي بالك وبالراحة لكي لا يتطور الموقف، وبعد أن انتهت الصلاة، قلت له أننا جميعاً متفقون على أننا لا نريد الزيارات، وإما أن نحصل على زيارات خاصة أو لا نريد زيارات من أصله، وعليه أن يبلغ الإدارة بذلك، وطبعاً الموضوع انتهى.

ـ وطبعاً نجحتم في فرض إرادتكم؟

(يضحك) لا، طبعاً قالوا لنا ما فيش زيارات خالص، قررنا أن نواصل التشاور طول الليل لنبحث كيف يمكن التصعيد، وكان الدكتور محمد حلمي مراد ـ وزير التعليم السابق وأحد أشهر وأهم قيادات حزب العمل ـ هو من يدير المناقشات، اتفقنا في النهاية على أن نستيقظ في الصباح، ونرفض وجبة الإفطار احتجاجاً على منع الزيارة، طبعاً اليوم التالي كان يوم ستة أكتوبر، خرجنا من الزنازين، وبدلاً من التوجه للإفطار، تجمع أغلب المساجين في الساحة وظللنا فيها حتى حل موعد صلاة الظهر، ولا يوجد أي تجاوب من الإدارة مع المعتقلين، بدأ أغلب المساجين يصلون الظهر، وفجأة خرج الضابط المسئول عن السجن من مكتبه وهو في حالة عصبية غريبة، وجاء لي ولبعض من كانوا يتفاوضون معه دائماً، وقال لنا: إذا لم يدخل الجميع الزنازين حالاً فأنتم مسئولون عما سيحدث، لا أريد فوضى في السجن.

لم نكن نعرف أن أعصابه متوترة لأن خبر السادات قد وصله، طبعاً لم نعرف شيئاً لأنه لم يكن لدينا وسيلة للوصول إلى الإذاعات، كان في تشديد على منع الراديوهات، المهم قررنا أنه طالما قمنا بإعلان موقفنا بوضوح، لا داعي لمزيد من التوتر، وقلنا للزملاء: يالله يا زملاء ندخل الزنازين، في العصر أخرجونا من الزنازين لفسحة المساء، وفوجئنا بكمال أحمد يقول بصوت عالٍ أنه يعلن إضرابه عن الطعام، فقال له ضابط برتبة لواء: يا راجل كبّر دماغك، وبعدين قال بيت شعر اللي هو: ما بين غمضة عين وانتباهتها، يُغيّر الله من حالٍ إلى حالِ.

ـ أكيد ما لفت انتباهكم وقتها حفظ اللواء لبيت الشعر مش أي حاجة تانية؟

بالضبط، ولا حد مننا تعامل مع العبارة على إن لها مغزى خاص، وطبعاً فهمنا معناها في الصباح التالي، كان المفروض أن يحدث الطقس المعتاد، وهو أن أخرج أنا أولاً من زنزانتي لأستلم الصحف المخصصة للمساجين، ثم أوزع الصحف وأشرف على توزيع الإفطار على الزملاء في الزنازين، وبعد ذلك أعود إلى زنزانتي لأفطر ثم بعد الإفطار نخرج كلنا إلى فسحة الصباح، لكن لم يأتِ أحد لإخراجي من زنزانتي أصلاً، وبدأ يومها الصياح من الزنازين: “يا صلاح فين الجرايد”، استمر الصراخ ولم يأتِ أحد، ولم يفتح أحد الزنازين، ظللنا ننادي ولا أحد يرد علينا، طبعاً كنا طوال الليلة السابقة قد سمعنا أصداء هتافات آتية من السجن المجاور لنا الذي تعتقل فيه الجماعات الإسلامية، ومع أن بعضنا ميّز منها عبارتهم الشهيرة: “هلك الهالك”، لكنها كانت عبارة محايدة لا نستطيع أن تفهم هي مرتبطة بمن، ممكن يكون القصد على حد هالك عندهم في السجن.

بعدها وجدنا المأمور والضباط يمرون على الزنازين، واحدة تلو الأخرى ويفتحونها ويتكلمون مع من فيها، كنت أنا وحمدين ننظر من الزنزانة، محمد عبد السلام الزيات طبعًا قاعد بألاطة حاطط رجله في وجهي، وباعتبارنا أنا وحمدين مشاغبين وقادمين من التأديب، ولذلك مروا على كل الزنازين ما عدا زنزانتنا. وبعد أن مروا على زنزانة الأستاذ هيكل والتي كانت مواجهة لزنزانتنا، كان عبد العظيم المغربي ـ المحامي الكبير والقيادي الناصري ـ يقف على فتحة بابها، أخذنا نشير لبعضنا فلم أفهم إشاراته التي كان يمكن فهمها على أنه خلاص كل شيئ خلاص، تخيلت أن الكلام يدور حول الزيارة.

المهم بعد أن أنهوا المرور على الزنازين لم يأتوا إلى زنزانتنا برضه، ثم فتحوا الزنازين، وبمجرد فتحها خرج الأستاذ عادل عيد المحامي وهتف: “تحيا مصر.. عاش كفاح الشعب المصري”، فقمنا مشاركين في الهتاف كلنا، بس أنا وحمدين والزيات وحدنا لم نكن نعرف الموضوع، المهم بعدها مباشرة لقينا الأستاذ أبو الفضل الجيزاوي المحامي بيقول لعادل عيد: “يا أستاذ عادل لا شماتة في الموت”، أول ما سمعت العبارة فهمت الموضوع على طول، المهم رد عليه عادل عيد منفعلاً: “لا.. فيه”، وبدأت من ساعتها المناقشات والتعبيرات المختلفة عن الآراء والمشاعر، ثم محاولة الوصول إلى معلومات تفصيلية لما حدث، وكان ذلك اليوم من أطول الأيام في السجن، وظللنا طوال اليوم نحلل ما حدث وما سيحدث.

دموع هيكل وأسئلة الزيات

ـ يصعب طبعاً أن أسألك عن كل ردود الأفعال لكافة المعتقلين، لكن كل ما تتذكره من ردود الفعل تلك سيكون مهماً لرسم صورة عامة لحالة المعتقل يومها؟

ما أتذكره مثلاً أن الأستاذ هيكل فور سماعه الخبر دخل زنزانته وبكى، أما فؤاد سراج الدين فاستقبل الخبر بهدوء شديد وقال ما معناه أن ما حدث كان نهاية متوقعة، أما محمد عبد السلام الزيات ـ وهذه شهادة للتاريخ ـ قال لي أنه أحس أن هناك حبل مشنقة تم فكه عن رقبته، كان في تلك الأيام يستعد لاستدعائه للتحقيق في قضية التفاحة التي كانت مهزلة قانونية بكل المقاييس، وكان عصبياً ومنفعلاً طيلة الوقت، وأقسم على الملأ وكأنه يرغب في إيصال رسالة إلى السادات قائلاً إنه سيفضح أنور السادات في التحقيق وسيقول كل ما يعرفه على أوسع مدى على أساس أنه يعرف تاريخًا عريضًا عن السادات، وبعد سماعه خبر الاغتيال كان الزيات مهتمًا اهتمامًا بدا لي غريبًا جدًا بتفاصيل معينة، كان مهتمًا مثلاً بأن يعرف من الذي كان على المنصة وقتها مع السادات، وماذا حدث لسيد مرعي بالتحديد؟ هل تم اغتياله مع السادات أم لا؟ وكان لدي الزيات قناعة كاملة بأن الذي أفسد السادات هو سيد مرعي وأنه هو الذي أقصى عبد السلام الزيات وبعض رفاق السادات القدامى لكي لا يكونوا المستشارين الأساسيين للسادات، ولذلك كان مهتمًا جدًا بمعرفة مصير سيد مرعي، خاصة أنه أشيع في البدء أنه قُتل ثم قيل أنه أصيب فقط، وفي وسط كل هذه الضجة كان الزيات مهتمًا بتطور حالة سيد مرعي الصحية، وأحسست أن هذا الموضوع ترك أثرًا في ذاته، هذه هي ردود الأفعال التي أتذكرها بشكل خاص، أما الباقين ما أذكره أنهم أخذوا الموضوع بشكل سياسي عام.

ـ بصراحة أنت شخصياً، هل فرحت بما حدث؟

لا تستطيع وصف مشاعري بالفرحة، لكن تقدر تقول أحسست أن كابوسًا قد انزاح، وكنت ميالاً إلى أن ما حدث كان نتيجة طبيعية وأن كانت غير متوقعة، لأن ما كان يحدث في البلد كان غير طبيعي، كانت هذه قناعتي دائماً، وكانوا بسبب ذلك يسمونني المتفائل، وذلك لأني حضرت وفاة عبد الناصر وكنت في السجن وقتها وكان هناك تحليل تقليدي للاشتراكيين والماركسيين بشكل عام يرى أن المهم هو الأوضاع وليس الأشخاص، وكان رأيي عن وفاة عبد الناصر وكذلك عن مقتل السادات أنه في العالم العربي وفي مصر الأشخاص مهمون، وأنه عند رحيلهم لابد أن يحدث تغيير شئنا أم أبينا، فهذه سلطة شخصية تنعكس سمات حائزها على السلطة وعندما يذهب ستتغير، ولذلك عندما جاء مبارك بعد تنصيبه وقال: “سأسير على نفس خط السادات”، الناس في السجن اكتأبت، لكني تعاملت معه بوصفه مجرد كلام، وقلت لهم هذا كلام طبيعي لابد أن يقال في مثل هذه المناسبات وقد قاله السادات بعد عبد الناصر ثم تبين عكسه.

ـ وطلعت النكتة الشهيرة بتاعة إن السادات نفذ وعده ومشى على خطى عبد الناصر بأستيكة؟

بالضبط، ولذلك كنت متأكداُ أن مبارك لا بد أنه سيحدث تغييراً بشكل عام، وكان بيشاركني في الرأي من يعرفون مبارك بشكل شخصي مثل هيكل ومحمد فائق، وكانت انطباعاتهم عنه بها جوانب إيجابية، وكان لديهم تخوف من التركة السياسية الثقيلة التي خلفها السادات، لكن كان عندهم شعور أنه سيحدث تغيير دون شك، وفيما يخص وضعنا في المعتقل، لم يكن لديهم شك أننا سنخرج وقتها. طبعاً كانت صورة مختلفة عما كنا نشعر به قبل حادث الاغتيال، لأنه كانت قد تسربت إلينا أخبار من خلال بعض الضباط والجنود أن معتقل الطور يتم إعداده لكي ننتقل إليه، وقيل لنا أن السادات سيطبق القاعدة التي اتبعها عبد الناصر وكتبها صلاح نصر في كتابه “الحرب النفسية”، وهي أن يعزلنا 5 سنوات عن المجتمع الخارجي ولذلك ارتاح أغلبنا بعد قتله لعدم تطبيق الفكرة التي كان مجرد تصورها مريعاً.

ـ هل كانت هناك مشاعر بهجة أو حتى خلينا نقول مشاعر شماتة واضحة شعرت بها حولك؟

لا شك أنه كانت هناك راحة لدى الجميع وأنا أولهم، يعني عندما كنت في السجن يوم وفاة عبد الناصر، بكيت وقلقت جدًا على البلد، لكن بعد قتل السادات أحسست بإزاحة الكابوس، لكن عمومًا في السجن لم تكن هناك مظاهر بهجة مبالغ فيها، حتى يومها فيما أذكر أقنعنا قائد السجن بعد مناقشة أن يعدل عن قراره بأن تكون مدة الفسحة نصف ساعة، وقلنا له أن هذه أجواء توتر فاتركونا ننفس قليلاً عن أنفسنا، وكان ذلك اليوم هو الوحيد الذي ظللت فيه الزنازين مفتوحة من الصباح وحتى الثامنة ليلاً، طوال النهار كنا نتناقش ونحلل ما حدث.

ـ نسيت أن أسألك من قبل، هل كان معكم في المعتقل مرشد الإخوان عمر التلمساني الذي شملته الحبسة؟

لا، التلمساني والأخوان لم يكونوا عندنا، ولم يكن معنا منهم سوى اسم أو اسمين من الإخوان، أذكر منهم الآن محمد عبد القدوس، وكان محمد قد ذهب في البداية مع الجماعات الإسلامية ثم جاء معنا، كان هناك مجموعة من الذين معنا تم نقلهم ليذهبوا إلى سجن طرة، منهم أبو العز الحريري وعبد العظيم مناف ـ الصحافي الناصري ـ الذي نقلوه لأنه أثناء الإذاعة وهو يقدم إعلانًا في فقرة الإعلانات في الإذاعة، ارتجل إعلاناً يقول: “خرج ولم يعد الحرية والكرامة”، ولا تدري لماذا أغضبتهم هذه العبارة كأنه ارتكب جريمة، فخرج هو إلى أبو زعبل ولم يعد حتى آخر الحبسة. بالمناسبة الدكتور ميلاد حنا وسمير تادرس كانوا قد قاموا في البداية بحبسهم في سجن المرج مع القساوسة المتهمين بالتحريض على الفتنة الطائفية، لكنهم تعبوا هناك لأنهم لم يكونوا متدينين، وبعد فترة تم نقلهم إلينا في سجننا.

الكاتب الصحافي عبد العظيم مناف (تويتر)

عن الباشا والأستاذ

ـ قبل أن نتحدث عن الأيام التي سبقت الإفراج عنكم، وهو إفراج لم يحدث في لمح البصر كما كان البعض يتصور، بل تأخر أسابيع، أريد أن أتوقف بالتحديد عن علاقتك بكل من محمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين، لأن علاقتك الإنسانية بهما تحديداً بدأت في السجن واستمرت وثيقة بعده، صحيح بقيت هناك بعض الخلافات في الرأي، لكن لم تعد خلافات تغلب عليها الحدة كما كان الحال من قبل؟

كما قلت لك، ما قرّب بيني وبين فؤاد سراج الدين بقوة، إلى جوار البعد الإنساني، أنني كنت قد درست من قبل محاكمة فؤاد سراج الدين وقمت بتحقيقها في كتاب كان مصادراً لسنوات، وظل مصادراً حتى دخلت السجن، وكان تقديري مما درسته عن تجربته أنه لم ينحرف بالوفد يميناً طبقاً لما كان شائعاً، وكل ما في الأمر أن تلك كانت الطبقة الأخيرة للوفد في زمانه الأخير، وهو رأي بالطبع لم يكن يسعد فؤاد باشا تماماً، لكن لم أكن معنياً بإقناعه برأيي، بقدر ما قررت أن أستغل الفرصة لمناقشته، واكتشفت أنه كان يعرفني ويقرأ لي منذ عام 1971، عندما كنت أكتب في جريدة الجمهورية باباً بعنوان (هوامش المقريزي)، وربما كنت أول من كتب اسمه في الصحف المصرية بعد فترة عزلة طويلة، ولما سأل عني، بدأ يتتبع ما كنت أكتبه في الصحف، وهو ما فوجئت به، لكن بالإضافة إلى ذلك البعد الشخصي، وجدت لديه انطباعاً عن اليساريين ووقتها لم يكن هناك تفريق بين الناصريين والشيوعيين، كان الكل على طريقة المنابر يوصف بأنه يسار، فكان حريصاً على أن يعلن لي أنه يفرق بين الشيوعيين والناصريين، وأنه يرى أن الشيوعيين أكثر إنصافاً، وطبعاً رأي أسبابه مفهومة ونابعة من تجربته الشخصية المريرة مع العهد الناصري.

في وقت قصير علاقتي بفؤاد سراج الدين تحولت إلى علاقة أبوة وبنوة ومجاملة، وقال وقتها: “أنا لم أنجب ابناً لكن صلاح عيسى ابني”، وكرر هذا الكلام كثيرًا في السجن وخارجه، ولا أعتقد أن ذلك كان بسبب معاملتي له في السجن، فأي شخص غيري كان سيفعل هذا مع شخص في سن أبيه ومريض يحتاج لمساعدة دائماً، أعتقد أنها علاقة نشأت بين قارئ للتاريخ وجزء من التاريخ، فيها خلاف لكن فيها رغبة في الفهم لما حدث في تلك الفترة التي كان فيها مؤثراً.

المهم استمرت العلاقة بعد خروجنا من السجن، خاصة في سنة 1983 وكان حزب الوفد لا يزال محظوراً، وكنت وقتها مدير تحرير صحيفة (الأهالي) لسان حال حزب التجمع، وكنت حريصاً على إيجاد خط بين الوفد والتجمع لتقوية المعارضة، وتبنينا في الصحيفة قضية الاعتراف بحزب الوفد وعودته للعمل السياسي، وساعد على ذلك أن انطباع فؤاد سراج الدين عن خالد محيي الدين وعن التجمع كان جيداً، لكن بالأساس كل هذا بدأ في الحبسة، ولا أدري هل كان سيحدث بدونها أم لا.

ـ وماذا عن محمد حسنين هيكل؟

كنت قد قابلت هيكل أول مرة سنة 1979 عندما تم تقديمنا للتحقيق أمام المدعي الاشتراكي، وفي أول جلسة رفضت الإجابة على أسئلة المدعي عن آرائي السياسية، لأنني في التحقيق لابد أن أجيب على تهم محددة، وليس عن أسئلة تخص مواقفي السياسية. في اليوم التالي ذهبت لاستكمال التحقيق، فالتقيت بهيكل وتعرفنا على بعضنا وسألني: “هم بيحققوا معاك في إيه؟” قمت حكيت له المناقشة التي دارت بالأمس، فاستوقفه رأيي، لكنه لم يختر أن يتبع طريقتي وأجاب على كل الأسئلة، وإجاباته نشرت بعد ذلك في كتاب كبير، لأنه كان مدركًا أن السادات صنع له هذا التحقيق، وكان هيكل يريد أن يدافع عن نفسه ويوثق هذا الدفاع.

محمد حسنين هيكل

عندما تقابلنا في السجن كانت المرة الثانية، وكنت أتبني اتجاهًا أنشره بين من هم في مثل سني وأصغر ممن كان لديهم مشاعر تحفز تجاه أسماء مثل هيكل، وكنت أرى أن علينا ألا نسجن بعضنا أكثر مما نحن مسجونون، بالتالي لا يجب أن تتحول الخلافات السياسية إلى سبب لجعل السجن أصعب، وطبعاً من المفروغ منه أنه لا يمكن السماح بأي معاملة غير محترمة، وهو ما كان الكل متفقاً عليه، أساس المشكلة أنه كان في الحبسة اتجاهات سياسية مختلفة إلى حد التناقض الكامل، يعني ناصريون ويساريون شبان وقتها مثل كمال أبو عيطة وأبو العز الحريري عندما يكونون في زنزانة واحدة مع عبد الفتاح باشا حسن، الموضوع بدا لهم وقتها أنها مسخرة تاريخية، ولم يكونا يعرفان قيمة الرجل وبالتالي كان هناك بعض الشغب البسيط، وعندما جاءا ليحكيا لي ما يحدث، قمت بمحاولة تضبيط الحماس قليلاً بتذكيرهما أن هذا رجل وطني مهما اختلفنا معه، وهو الذي دافع عن العمال المصريين الذين تم اعتقالهم سنة 51 بعد إلغاء معاهدة 36، وهو الذي قام بتشغيل كل العمال المصريين الذين رفدهم الإنجليز، وعندما ذهب الشباب في يوم 26 يناير 1951 إلى مجلس الوزراء هاتفين “أين السلاح يا نحاس”، وقف ليخطب قائلاً: “صدورنا قبل صدوركم وسنقاوم الاحتلال”، بالتالي هناك شخصيات تبدو من عصر قديم، غير متفقة معنا ولسنا مطالبين بالتوافق معها، لكن لا يجب أن ننسى أنها شخصيات وطنية لعبت دوراً مهماً في تاريخ هذا البلد.

نفس الكلام قلته للذين كانوا في زنزانة هيكل، مستغلاً ودية العلاقة ما بيننا للتأكيد على ألا يضايق أحد هيكل، خصوصاً أن السجن كان بالنسبة له تجربة جديدة على عكسنا، والحقيقة أن هيكل تصرف بذكاء وديناميكية عالية جداً، وكان متواضعاً مع الكل برغم أنه كان يبدو مندهشاً في الأيام الأولى لأنه لم يكن متعوداً على الاختلاط بشكل حقيقي مع من لا يعرفهم، وكما يقال السجن مثل الزواج ينكشف فيه الناس أمام بعضهم. ومع ذلك أنا وهيكل ظللنا لفترة نتجنب بعضنا، لأني لا أملك القدرة على اقتحام أحد، لكنه رجل ذكي وكما قلت لك جاء إلى بعد أن سمع عن التحليل الذي قمت به في الإذاعة، ثم توثقت علاقتنا عبر مواقف متعددة في الحبسة.

كان وقتها لديه ولدى آخرين مثله انطباع عني أني رجل وقح منفلت ولا احترم الآخرين ودماغي “طاقّة”، ربما لأن كتابتي كانت ساخنة، ومع ذلك لفت نظرهم كيف أصبحت مندوب الاتصال بين الإدارة والمساجين، وكنت الوحيد الموجود أغلب الوقت خارج الزنازين لمراعاة طلبات المساجين، وكل وقت هناك من يناديني من الدور الأعلى أو الأسفل: “يا صلاح.. هات لنا كذا، هات لنا كذا”. حاجات مزعجة قوي والناس قلقة طول الوقت، وكنت أضع أعصابي في ثلاجة وعارف طبيعة الناس ولذلك كنت استجيب لكل طلباتهم ولفت ذلك نظر هيكل ومحمد فائق تحديداً، وسألني محمد فائق مرة: هل أنت هكذا دائماً أم تضع أعصابك في ثلاجة من أجل خاطر الناس”، فقلت له: الاثنين معًا.

بعد ذلك وقبل قتل السادات بدأنا نذهب أنا وهيكل إلى المدعي الاشتراكي للتحقيق معنا، وتم تأجيل ذلك لأسبوعين، وبعد مقتل السادات بدأنا نذهب من جديد للمدعي الاشتراكي، وكان كل واحد منا يحكي للآخر ماذا حدث معه عند المدعي الاشتراكي، وفي يوم طلع هيكل على المدعي الاشتراكي وطلع من عنده راح مقابل حسني مبارك في قصر الرئاسة، بعد أن قابل أسامة الباز قبل ذلك، وجلس معه الرئيس لفترة، ثم رجع هيكل في نفس اليوم إلى السجن ومعه قرار بنقل حوالي 7 أسماء إلى مستشفي قصر العيني، وبعد يومين طلع هؤلاء من السجن مع المجموعة التي ذهبت لمقابلة الرئيس مبارك، كان منهم عبد العزيز الشوربجي وعبد الفتاح حسن وفتحي رضوان وغيرهم من كبار السن والمرضى، وللأسف كانت المنية قد وافت المهندس عبد العظيم أبو العطا، عندما لم يتحمل قلبه مرارة الاعتقال فتوفاه الله، وبالتأكيد لو كان الله قد مد في أجله لكان من أوائل من خرجوا، لأن حالته الصحية كانت سيئة جداً، أما محمد عبد السلام الزيات والمهندس محمود القاضي فلم يخرجا لأنهما كانا لا يزالان على ذمة قضية التفاحة.

عبد العظيم أبو العطا وزير الري في عهد السادات

أذكر أن هيكل قبل أن يخرج من السجن، أخذني على جنب بالتحديد وقال لي: “أنا مش هربان يا صلاح.. إوعى يتهيأ لك إني هربان”، قلت له: “لا طبعًا يا أستاذ هيكل”، وبعد يومين تم الإفراج عن مجموعة أخرى من المعتقلين، هي التي ذهبت مع مجموعة قصر العيني لمقابلة الرئيس مبارك، وبقيت في السجن مجموعة التفاحة ومجموعة أخرى أنا منهم، ثم بعدها قاموا بالإفراج عن متهمي قضية التفاحة، وظلت مجموعة لم تخرج كنت من بينها أنا وسمير تادرس والدكتور علي نويجي ـ القيادي اليساري البارز ـ وكمال أبو عيطة ومحمد القدوس وحمدين صباحي ود. عبد المحسن حمودة، وبدا لنا أننا لن نخرج بالمرة، فقررنا الإضراب عن الطعام ولكي يثنونا عن هذا أرسلوا إلينا خالد محيي الدين رئيس حزب التجمع ليقنعنا بالصبر وعدم البدء في الإضراب عن الطعام، وعرفنا من بعض الجنود أنهم قعدوا في السجن طول الليل منشغلين بتركيب أسلاك لكي يتنصت الأمن على لقائنا بخالد خاصة أنهم بعد قتل السادات كانوا قد شالوا أجهزة التنصت بمبادرة شخصية منهم لم يطلبها أحد لأننا المفروض لا نعرف بوجود الأجهزة. وعندما عرفنا أنهم يرتبون لتسجيل الجلسة اتفقنا على خطة لتنظيم كلامنا في الجلسة، واستقبلنا خالد في الحديقة قبل دخولنا الغرفة، وقلنا له بطريقة غريبة ومثيرة للضحك كلامًا غاضبًا أكثر من اللازم، وعندما جلسنا في الغرفة كتبنا له ورقة تقول إن اللقاء يتم التنصت عليه ونحن سنؤجل الإضراب من أجلك ولكن لا بد أن نفعل ذلك بعد مفاوضات عسيرة معك، وبالفعل قمنا بتسجيل مشهد تمثيلي مدته نصف ساعة وتظاهرنا بأننا إكرامًا له قمنا بفك الإضراب.

حمدين صباحي (تويتر)

بايعوا مبارك!

هنا أريد أن أذكر واقعة سياسية مهمة لم تنشر من قبل، وهي أنه بعد مقتل السادات بثلاثة أيام جاء إلى السجن المحامي البارز محمد رشاد نبيه وكان عضوا في مجلس الشورى ومن قيادات الحزب الوطني وجلس في اجتماع مع د. فؤاد مرسي وفؤاد سراج الدين ود. حلمي مراد الذين يمثلون أحزاب الوفد والتجمع والعمل في المعتقل، برغم أن الوفد كان لا يزال محظوراً وقتها، وقال لهم نريد أن تصدروا بيانًا من السجن تؤيدون فيه ترشيح الرئيس مبارك، لأن هناك محاولة من بعض الجهات في الداخل ألا يكون الرئيس مبارك مرشحًا للرئاسة ونحن نحاول أن يكون هناك إجماع قومي عليه، ولم يقل من هي تلك الجهات، لكنه قال لهم: فكروا في ذلك وسآتي إليكم غدًا لأعرف القرار، وبالفعل حدثت مناقشات موسعة شارك فيها الجميع: هيكل وحلمي مراد وأحمد فرغلي وفتحي رضوان ومحمود القاضي وإبراهيم طلعت وعبد العزيز الشوربجي وعبد الفتاح حسن وعبد العظيم أبو العطا ـ كان لا يزال حياً وقتها وقد كتب الأستاذ صلاح عنه وعن تجربة وفاته بالتفصيل في كتابه (تباريح جريح) ـ واتفقنا جميعًا على رأي دبلوماسي وسديد مفاده أنه من الصعب أن نبدي آراء سياسية ونحن مساجين لوجود مظنّة هي أننا سننحاز إلى فلان أو علان لكي يخرجنا من السجن، ولذلك نحن نعتذر بصرف النظر عن رأينا بالفعل في المرشح للرئاسة.

ـ طيب ماذا حدث بعد مشهد فك الإضراب، هل صدقت الوعود التي حملها إليكم خالد محيي الدين وغيره بأنكم ستخرجون قريباً؟

الغريب أنه حتى بعد خروج مجموعة التفاحة من السجن، بعد أن قررت النيابة أن القضية هزلية، بقيت أنا وآخرين في السجن، وبعد خروج مجموعة التفاحة بأسبوعين خرجت مجموعة محدودة أخرى أنا منهم ولم يبق في السجن إلا علي نويجي وسمير تادرس وفريد عبد الكريم وعبد المحسن حمودة، أذكر عندما جاء وقت خروجنا بعد طول انتظار، أن كمال أبو عيطة لم يكن يريد الخروج وظل يبكي لأن فريد عبد الكريم لم يخرج، فقال له المأمور: “هاجيب عساكر يشيلوك ويحطوك بره السجن لأن وجودك مش قانوني”، على أساس يعني إن الحبس كان قانوني أصلاً؟!

من ذكريات تلك الأيام الصعبة إن الدكتور عبد المحسن حمودة طلّع عيني في السجن، كنا أصدقاء ألداء، أذكر أنه كان مصابًا بالفتاق وكان كل يوم الصبح يكتب عريضة يسلمها للمأمور الذي كان يستلم جوابات المساجين، كان له حوالي مليون قضية ضد الحكومة ودائمًا يوكل محامين ويحمل الحكومة مسؤولية حياته، استجابوا له وقالوا سنجري لك عملية في مستشفى القصر العيني، والغريب إن كان رده بعد خروج مجموعة التفاحة هو الرفض وقال لهم: لا، لازم أعملها في مستشفى قطاع خاص، لأني لا أثق فيكم ولا أئتمنكم على حياتي. لم يعجبني موقفه، وتناقشت معه وتخانقنا حتى قال لي بعد ما نفد صبره: أنا رافع عليهم قضية تعويض ولو عملت العملية لن آخذ التعويض، وانفجرنا في الضحك سوياً، وأعتقد أن عبد المحسن حمودة كان أكبر واحد حصل على تعويضات في تاريخ مصر، وكم كان مثيرًا للضحك والبكاء، منظره في المستشفى استعدادًا للعملية وهم يعلقون يده بقيود في السرير. المهم بعد طول انتظار خرجنا، وبالمناسبة عندما خرجنا من السجن تركنا خلفنا كميات ضخمة من الترامس والمقاعد والشباشب والمراتب وحاجاتنا الشخصية، وكنت مصرًا على أخذ هذه الأشياء معنا وكانت فكرتي أن نضعها في حزب من الأحزاب لكي يتم أعطاؤها لأي سجناء قادمين لكن الفكرة لم تنجح خاصة أن الضباط كانوا “منظّرين” للاستيلاء على هذه الأشياء.

ـ بالمناسبة هل صحيح ما قرأته أن فكرة كتاب (خريف الغضب) الذي قلب الدنيا بعدها بسنين، نشأت على يدك في السجن؟

بالفعل، حضرت أول بذرة في تفكير هيكل في كتاب “خريف الغضب” وكان ذلك بعد موت السادات بأسبوعين، ونحن نتمشى في فناء السجن، حيث قلت له: “آن الأوان يا أستاذ هيكل كي تكتب ما تعرفه عن السادات”،فنظر لي باندهاش شديد جدًا، ولا أعرف هل كان قد فكر في هذا من قبل أم لا، وقال: “تفتكر ده ممكن دلوقتي؟”، قلت له: طبعًا، قال لي: تفتكر ده ممكن في مصر؟”، فقلت له: في مصر سيكون ممكنا بعد فترة، إبدأ بنشره في الخارج، ثم أدخله مصر بعد ذلك.

ـ بعد كل هذه السنين، ما الذي بقي معك من حبسة سبتمبر؟

استفدت منها استفادة مذهلة، وأهم ما استفدته أنني تعرفت بمجموعة كبيرة من قادة الحركة الوطنية، وكونت معهم علاقات ودودة خلال الشهور الخمسة التي قضيناها في السجن كانت حبسة مفيدة على المستوى الفكري والسياسي وأضافت إلى مناقبي ميزة أخرى هي أنني عندما سجنت، حضرت في السجن موت اثنين من الرؤساء، وكانوا يقولون لي في السجن “وشك حلو”، ويبدو أن هذا هو السبب لأني لم أعتقل من يومها.

(ضحكنا سوياً أنا والأستاذ صلاح عيسى، ونحن لا نعرف أن الأيام ستحمل لنا بعد ذلك الحوار ما يجمعنا من جديد، فنتفق ونضحك وأواصل التعلم منه ومشاغبته ومعاونته، ثم نختلف بعدها اختلافاً كبيراً لم يكن له علاقة بمسائل شخصية، بل كان اختلافاً له علاقة بالمواقف، وللأسف لم يكن بعده رجوع إلى علاقتنا السابقة كما كانت بنفس قوتها ومودتها، ولكن تلك قصة أخرى، لها أوان آخر).

بلال فضل