أخبار عاجلة
الرئيسية » فرفش » نسخة معاصرة لكتاب العَلَّامة ابن الجوزي “أخبار الحمقى والمغفلين” (1)

نسخة معاصرة لكتاب العَلَّامة ابن الجوزي “أخبار الحمقى والمغفلين” (1)

أكتب هنا تجربةً من نوع خاص، تتضمن صياغتي لكتاب الأديب العربي الكبير العَلَّامة ابن الجوزي الذي عاش في القرن السادس الهجري (508- 597)، واسمُه الكامل هو: الشيخ الحافظ جمال الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن، بن أبي الحسن، بن محمد القرشي، التيمي البكري، بن علي.. ابن الجوزي.

اشْتُهِرَ الكتاب باسمٍ مختصر هو “أخبار الحمقى والمغفلين”.. وأما عنوانُه الكامل فطويل، ومسجوع، وعامر بالتهكم، وهو: (أخبار الحمقى والمغفلين، من الفقهاء والمُفَسِّرين، والرواة والمُحَدِّثين، والشعراء والمتأدِّبين، والكُتَّاب والمتعلمين، والتجار والمُتَسَبِّبين، وطوائف تتصل بالغفلة بسبب متين).

لهذا الكتاب حكاية، بل إن لي (أنا) معه حكاية قد تبدو طريفة، وهي أنني، قبل زمن طويل، أو بالتحديد، منذ أن بدأتُ بالكتابة الأدبية واخترتُ لنفسي لون الأدب الساخر، نصحني بعضُ الأصدقاء بقراءته، فسارعتُ إلى اقتنائه، وقرأتُه بنهم، ولكن ظني خاب، إذ لم أستفد منه شيئاً كثيراً، لأسباب سأطلعكم عليها بعد قليل. ثم إنه فُقد من مكتبتي، لا أدري كيف فُقد.

بعد مضي أكثر من ربع قرن على هذه الواقعة، وبينما أنا في أحد معارض الكتاب، إذ وقع بصري على نسخ من الكتاب، فاشتريتُ واحدة، هي التي اعتمدتُها في تحرير مادتي، وفيها إشارة إلى أنها الطبعة الخامسة، الصادرة عن دار الآفاق الجديدة، بيروت 1983.

كان سبب اندفاعي لشراء الكتاب هو تصوري أنني أصبحت الآن، بعد مضي كل تلك السنين، أكثرَ ثقافةً و(نضجاً) من ذي قبل، ومن ثم أستطيع أن أقرأه، وأستمتع بالاطلاع على طريقة العلامة ابن الجوزي في السخرية والاستهزاء من أصحاب الغفلة والغباء الذين كانوا يعيشون في زمانه، فأستفيد منه وأتعلم، لا سيما أن الحمقى والمغفلين ما زالوا يتناسلون على نحو هستيري، وأصبحوا موجودين حولنا أنى مشينا، بل إنهم يزاحمون الأذكياء والمتعلمين والمثقفين والمبدعين والنوابغ في أعمالهم، وفي كثير من الأحيان يحتلون أماكنهم.

قرأتُ الكتاب بتمعن، وتوصلتُ، أثناء ذلك، إلى قناعة مفادُها بأن قراءة الكتب التراثية بشكل عام، وكتاب “أخبار الحمقى والمغفلين” بشكل خاص، عمليةٌ عويصة، ومُتعبة، تحتاجُ أن يَرجع مَنْ يقرؤها في كل لحظة إلى الهوامش التي وضعها محققُ الكتاب، ليعرف المعنى الموازي للمعنى المقصود، ثم يطبقه على الجملة التي لم يفهمها، لكي يصل، أخيراً، إلى المطلوب، وفي بعض الأحايين لا تفي الهوامش بالغرض، ويضطر القارئ لأن يراجع المعاجم.

هذا الأمر قد يكون مقبولاً لدى قراء الكتب التي تحتوي على دراسات توثيقية لا يجوز فيها تحريك حرف من مكانه بسبب أهميتها الدينية أو التاريخية. وأما في كتاب يضم مجموعةً من النكات والمُلَح والطرائف والنوادر والأمازيح، فالأمر مختلف، لأن قراءة “الطرفة” تحتاج إلى سهولة ويسر، وينبغي أن يصل قارئها إلى قفلتها دونَ عوائق، ليحصل على ما يسمونه في فنون الكوميديا موضع التأثير، أو الـ (effect)، فيضحك دون إرادته، وبذلك يتحقق المطلوب، أو المرجو.

هنا، في هذه اللحظة من التفكير، طرحتُ على نفسي السؤال التالي:

– ألا يمكن أن يقوم باحثٌ ما بتقديم صياغةٍ جديدة لهذا الكتاب، ميسرةٍ، خاليةٍ من الكلمات الغريبة والمهجورة، ومن العَنْعَنَات الإسنادية التي يحفل بها كمثل قوله: أخبرنا محمد ناصر الحافظ قال: حدثنا علي بن الحسين بن الحسن بن أحمد بن شاذان قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد القرشي، قال: حدثنا خلف بن هشام، قال حدثنا الحكم بن سنان، عن حوشب، عن الحسن أنه قال؟

وقلت: إن هذه الإسنادات قد تنفع في القضايا التي تحتاج إلى توثيق، ككتب الحديث والسنة والفقه، وما إليها من كتب يمكن اعتبارُها مراجعَ للدارسين، وأما كتب الطرائف فما نفع التوثيق أثناء قراءتها الآن؟ لا بل إن ضررها أكبر من نفعها، لأنها تستهلك الوقت المخصص بمتابعة عنصر الطرافة، ثم تأتي الكلمات المهجورة لتضع مطباً في المعنى، وتفقد الطرفة الكثير من إصابتها، وبراعتها.

وحَدَّثْتُ نفسي قائلاً: إنني أستطيع أن أكتب نسخة من هذا الكتاب، بطريقة ميسرة، وسهلة، ومفهومة للقارئ المعاصر، دون أن أخلَّ بالمعاني والمضامين التي أرادها المؤلف، وأعتقد أن الناس سوف يسرهم ذلك حينما يتيسر لهم قراءة كتاب جميل وممتع دون صعوبات تذكر.

ولكن.. أتخيل، الآن، أن بعض الإخوة الباحثين التراثيين المتشددين سوف يعترضون على هذا العمل، وسيقول قائل منهم: إنْ هذا إلا تزويرٌ لكتاب تراثي، كتبه أديب فقيه عالم جليل. أستطيع أن أرد على هذا الكلام بكل بساطة، فأقول: إن بإمكان الباحثين الدارسين العلماء الأجلاء الذين ينقبون في التراث العربي أن يرجعوا إلى الكتاب الأصلي المتوفر في المكتبات، وينقلوا عنه ويناقشوا أفكاره بغض النظر عن كتابي هذا، وبامكان الجميع أن يعتبروا كتابي هذا “دراسة” معاصرة في ذلكم الكتاب التراثي، والدراسات إنما هي وجهات نظر تصيب وتخطئ، تفيد الناس فتمكث في الأرض، أو تكون زبداً فتذهب جفاء.

تعالوا نقرأ في النسخة التي حررتها:

تعريف الحماقة

كلمة الحماقة مأخوذة من (حَمُقَت السوقُ)، إذا كسدت، فكأن الأحمق إنسان كاسدُ العقـل والرأي، فلا يُشاوَرُ في سلم ولا في حرب. وقد سُمِّيَت البقلةُ (الحمقاء) لأنها تنبت في طريق الماء، وطريق الإبل.

والحُمق هو الغلطُ في الوسيلة، وفي الطريق إلى المطلوب، مع صحة المقصود، بعكس الجنون الذي ينطوي على خلل في الوسيلة والمقصود كليهما، وإذا شئت مثالاً يعبر عن الحماقة على نحو لا يجارى فإليك هذا المثال: طار طائر من أمير، فأمر بأن يُغْلَقَ بابُ المدينة!

فصل: في أن الحُمقَ غريزة

إن الذين يميلون إلى القول إن الحُمق غريزة يدللون على صحة رأيهم بأمثلة كثيرة، قريبة من منطق الأمور، فأبو إسحق يعتقد أن شفاء الأحمق من حمقه هو قرين الاستحالة، إذ يقول، مستخدماً لغة الأمر والنهي الجازمة: إذا بَلَغَكَ أن فقيراً اغتنى فَصَدِّقْ، وإذا بلغك أن حياً مات فصدق، وإذا بلغك أن أحمقَ استفاد عقلاً فلا تصدق.

وأما الأوزاعي فأراد أن يعطي لاستحالة الشفاء من الحُمق بعداً دينياً لا يقبل الجدل، فروى قصة عن رجل ذهب إلى المسيح بن مريم، عليه السلام، وسأله قائلاً:

يا روح الله، إنك تحيي الموتى؟

قال: نعم، بإذن الله.

قال: وتُبرئ الأكْمَهَ؟

قال: نعم، بإذن الله.

قال: فما دواءُ الحُمق؟

قال: هذا الذي أعياني!

فصل: في حدود الحمق

إن المؤلف هنا يميل نحو الموضوعية، حينما يعدد الجوانب المختلفة للحمق، ومساحاته وحدوده، ويؤكد أن الحمق، إذا لم يكن من جوهر النفس، فإن من الممكن معالجته، ودفع العوارض المفسدة عنه.

فأما إبراهيم النَظَّام فقد كان متشدداً ضد الحمقى، وحين سأله أحدهم: ما حدود الحمُق؟ قال: (سألتني عما ليس له حَدُّ)!

ويتحدث علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، عن مستويات الحمق الموجود في بني البشر، بشكل عام، فيقول: ليس مِنْ أحد إلا وفيه حُمْقَةٌ فيها يعيش.

ويركز أبو الدرداء على الجانب الديني (العقيدي) من المسألة، إذ يقول: كلنا أحمقُ في ذات الله. ويعتبرُ “وَهَبُ بن منبه” الحماقةَ نعمةً تؤدي إلى هناءة العيش فيقول: خلق الله ابن آدم أحمقَ، ولولا ذلك ما ه

خطيب بدلة