أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » العقيد الركن الطيار اسماعيل أيوب : حول ملابسات إسقاط “إيل-20” / “il-20”

العقيد الركن الطيار اسماعيل أيوب : حول ملابسات إسقاط “إيل-20” / “il-20”

طالبت روسيا “إسرائيل” أثناء زيارة قائد سلاح الجو الإسرائيلي الميجر جنرال “عميكام نوركين” بتوضيحات أكثر حول ملابسات إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية “il-20” التي سقطت مساء يوم الاثنين 17/9/2018 أثناء غارات جوية إسرائيلية وضربات صاروخية يعتقد أنها تابعة لحلف “ناتو” على أكثر من 20 هدفا لنظام الأسد في عدة محافظات سورية أبرزها الضربات التي استهدفت إحداها معهد الصناعات التقنية في اللاذقية.

وبات من المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد أعلنت أن الدفاعات الجوية للنظام السوري قد أصابت الطائرة الروسية، ثم صرحت بشكل واضح أن صاروخ دفاع جوي سورياً من طراز s-200 هو من أصاب الطائرة الإسرائيلية وقد تبنت روسيا التصريح الأمريكي، حيث أعلنت أن أربع طائرات إسرائيلية من “طراز f-16” كانت قد تسترت بالطائرة الروسية أثناء إطلاق النار على الطائرات الإسرائيلية ـبينما أعلنت “إسرائيل” أن النظام وإيران هما من تسببا في إسقاط الطائرة الروسية “il-20” ومقتل جميع الضباط الـ15 الذين كانوا على متنها دون أن توضح كيف.

ويبقى السؤال ما هي الحقيقة ومن أسقط الطائرة الروسية، ولماذا روسيا تطالب بالمزيد من التوضيحات من “إسرائيل” حول إسقاط الطائرة الروسية.

فرضية إسقاط الطائرة “il-20” من قبل صاروخ سوري طراز “s-200”.

هذه الفرضية التي أعلنت عنها الولايات المتحدة وتبنتها روسيا وهي من الناحية العلمية فرضية غير واقعية البتة لأسباب علمية صريحة في مجال الرادار والدفاع الجوي نذكر منها ما يلي:
1-إن الوسائط الرادارية الروسية البرية والبحرية والفضائية كانت تراقب المجال الجوي في منطقة الأعمال القتالية بشكل دقيق والطائرة “اليوشن il-20” كانت إحدى هذه الوسائط الرادارية كونها طائرة استطلاع وتشويش.
2-إن الكود والسود (رموز شيفرة سرية تدخل في جهاز التعارف كل يوم منتصف الليل) الذي تحمله الطائرة هو نفس الكود والسود على كل وسائط الطيران والدفاع الجوي السورية الروسية.
3-إن هذه الطائرة لم تكن بمحض المصادفة في منطقة الأعمال القتالية، بل كانت بشكل مقصود أثناء الهجوم الإسرائيلي كونها طائرة سطع وتشويش من أجل التشويش على المجموعات الضاربة المعادية، وخاصة أنه لم يكن هناك أي نشاط جوي روسي فوق البحر من قاعدة “حميميم”، وهذا ما يعزز فرضية كون الطائرة الروسية أقعلت من أجل التشويش على الطائرات المغيرة أو على سفن الأسطول لحلف “ناتو” التي كانت قد وصلت على مشارف السواحل السورية.
4-في عرف الأعمال القتالية لسلاح الجو في كل دول العالم يتم عزل منطقة الأعمال القتالية من قبل مجموعات الحماية الجوية (المقاتلات) للمجموعات الضاربة (القاذفات)، وهذا يفترض بالضرورة على مجموعات الحماية إسقاط أي طائرة معادية تطير في منطقة الأعمال القتالية.
5 -إسرائيل أبلغت الروس في سوريا قبل الضربة بأنها ستقوم بضربات جوية على مواقع لم تحدد مكانها، وحسب التنسيق الجوي الروسي الإسرائيلي في هذه الحالة كان يجب على كل الطائرات الروسية أن تكون على أرض المطار في “حميميم” وليس في الجو، كي لا تعتبر هدفا للمقاتلات الإسرائيلية أو تشكل خطرا عليها.
6- فرضية الإصابة بصاروخ طراز “s-200” هي هرطقة غير قابلة للتصديق حتى من قبل الروس أنفسهم، وخاصة أن روسيا كانت قد أعلنت منذ أكثر من عام عن ربط شبكتي الرادار والدفاع الجوي السوري والروسي ضمن شبكة واحدة، وأصبحت بالتالي قيادة النيران المضادة للطيران (أوامر الإطلاق) تحت السيطرة الروسية لكل وسائط الدفاع الجوي السورية والروسية، ولا يعقل أن يقوم ضابط قائد روسي أو سوري بإطلاق النار على هدف صديق وخاصة أن هناك شيئا في عالم الرادار والدفاع الجوي يسمى (بالتعارف) على الهدف أثناء وبعد كشفه من قبل محطات الرادار ووسائط الدفاع الجوي حتى يتم التعارف على هذا الهدف المكشوف صديق أم عدو ليتم اتخاذ القراربالقبض عليه وإطلاق النار عليه وإسقاطه وإن كل منظومات الدفاع الجوي السورية وحتى القديمة (فضلا عن منظومة s-200) تمتلك هذه الخاصية (خاصية السؤال والجوي للأهداف الجوية) عن طريق جهاز التعارف.
7-فرضية تستر أربع مقاتلات إسرائيلية من طراز (f-16) غير منطقية من عدة أوجه أبرزها أنه لا تستطيع أربع طائرات مقاتلة التستر بطائرة مثل الطائرة المسقطة، ولو كان ذلك صحيحا لتم تدمير الطائرات الإسرائيلية الأربع بنفس الصاروخ، إذ إن قطر دائرة التدمير للصاروخ “s-200″، هو 500 متر ومن وجه آخر فإن طريقة التستر باتت قديمة جدا في ظل التطور الهائل لسلاح الدفاع الجوي ولسلاح الطيران ووسائط التأثير النارية جو-أرض التي تحملها الطائرات المغيرة.
8- من المعروف في العقيدة الشرقية لوسائط الدفاع الجوي أن إطلاق النار مقيد بشخصية القائد الأقدم (مركزي) أي من قبل الضابط القائد الأقدم الذي يكون في غرفة العليات المركزية والذي يحمل أمامه على شاشته (شاشة الضابط القائد) الموقف الجوي المتشكل لحظة بلحظة، وهو المخول بإبلاغ المستوى الأعلى من أجل اتخاذ القرار بإطلاق النار، فكيف يطلق النار على طائرات معادية متسترة بطائرة على هذه الدرجة من الأهمية في سلاح الجو الروسي.
9- إن الطائرة المسقطة “طراز il-20” تمتلك منظومة متطورة للغاية للتحذير من الإشعاعات الرادارية من طراز “cirina” من السلسلة الأحدث (sbo-20) التي بمقدورها أن تحذر طاقم الطائرة من أنها واقعة تحت الكشف الراداري المعادي أو الصديق وتستطيع أن تحدد للطاقم مصدر الإشعاع ونوعه واتجاهه ومسافته، وهل هو صديق أم عدو وتحديد نوع الواسطة التي تطلق هذا الإشعاع، وخاصة الطائرات المقاتلة ووسائط الدفاع الجوي الغربية وتستطيع تحديد نوع الهدف ولحظة القبض عليه من قبل أي محطة رادارية معادية أو صديقة، ولو كانت محطات الرادار السورية -الروسية هي التي قبضت على الطائرة لكان طاقم الطائرة على الأقل قد بلغ مقر القيادة إنها تحت قبض محطة رادار صديقة، وبالتالي تم تلافي إطلاق النار عليها.
إضافة إلى أن الطائرة المسقطة مزودة بمنظومة حماية ذاتية يصفها الروس بأنها قادرة على حماية الطائرات الحربية من الإصابة بالصواريخ الحرارية والرادارية من طراز (bko)، من خلال التشويش الإيجابي والسلبي، فضلا عن كونها طائرة سطع وتشويش ومن مهمتها التشويش على الرادارات والوسائط النارية المعادية والصديقة.
10-تحميل الروس “إسرائيل” مسؤولية إسقاط طائرتهم وأن الطيارين الإسرائيليين يتصرفون بشكل غير مسؤول أثناء الغارات واحتفاظ الروس بحق الرد على إسقاط الطائرة وادعاؤهم بتأخر “إسرائيل” بإبلاغهم عن الغارات يدحض فرضية إسقاط الطائرة الروسية بصاروخ سوري.
11- رفع “إسرائيل” درجة استعداد وسائط حماية المنشآت الهامة في الدولة العبرية، مثل المنشآت النووية وتعزيزها بوسائط دفاع جوي إضافية ينم عن خوف إسرائيلي أو حذرهم من رد روسي على إسقاط الطائرة ويعزز فرضية أن تكون الطائرة “il-20” قد أسقطتها المقاتلات الإسرائيلية أو وسائط دفاع جوي تابعة لحلف “ناتو” على متن سفن الأسطول الغربي الذي شارك بالضربة على أهداف تابعة للنظام في عدة محافظات سورية استمر 20 دقيقة متواصلة.
12- أمر الرئيس بوتين بتزويد القواعد الروسية في سوريا بوسائط إلكترونية متطورة للغاية يشير إلى ضعف وسائط المراقبة الروسية وإن إسرائيل قد أبطلت إلكترونيا وسائط المراقبة الروسية الموجودة أثناء الضربة وأن روسيا حقيقة لا تمتلك دليلا ماديا ملموسا يدين “إسرائيل” بأنها أسقطت الطائرة، إلا من خلال طلب روسيا من “إسرائيل” تزويدها بتسجيلات وسائط المراقبة الموضوعية الإسرائيلية للفترة التي كانت الطائرات الإسرائيلية متواجدة فيها في سماء المنطقة أثناء اختفاء الطائرة الروسية، وهذا يدحض فرضية أن تكون وسائط دفاع جوي سورية، تقودها روسيا قد أسقطت الطائرة.
13-ذهاب قائد سلاح الجوي الإسرائيلي الميجر جنرال “عميكام نوركين” إلى موسكو مسرعاً لاطلاع الروس على ملابسات الحادث يؤكد أن وسائط المراقبة الرادارية الروسية والسورية كانت مبطلة (مشوش عليها) أثناء الغارات، ولا يمتلك الروس أدنى أدلة على من قام بإسقاط الطائرة الروسية أو لعقد صفقة بين الدولتين لتلافي ارتدادات إسقاط الطائرة بين الدولتين.
14-عدم مسارعة رأس النظام على الاتصال بالروس والاعتذار عن إسقاط طائرة روسية بطريق الخطأ يؤكد على عدم صحة الفرضية وخاصة أن جهاز الدفاع الجوي السوري تحت سيطرة القادة الروس في سوريا.

وإذا افترضنا جدلا أن رواية إسقاط الطائرة بصاروخ سوري طراز “s-200” يقوده أو يشرف عليه بشكل مباشر عملياتيا وتكتيكيا ضباط روس رفيعو المستوى، وبعد كل ما ذكرناه سابقا يمكن أن نقول إن جهاز الدفاع الجوي الروسي والقائمين عليه من قادة وضباط غير مؤهلين للعمل في مثل هذه الظروف التي لا يستطيعون فيها التمييز بين الهدف المعادي من الصديق، وأن على روسيا أن تجري تحقيقا وتحليلا معمقين مع الضباط والعناصر الروس والسوريين الذين كانوا في كبائن القيادة وغرف العمليات للوصول إلى اتخاذ تدابير من شأنها تلافي ما حصل وليس إلقاء التهم بإسقاط طائراتها على دول أخرى طالما أنها لم تسقطها (مع العلم أنها استدعت قائد القوى الجوية السورية اللواء أحمد بللول وقائد “الفوج 49” الذي انطلق منه الصاروخ المفترض منه، مع 40 ضابطا آخرين إلى مطار “حميميم” من أجل التحقيق معهم.

ومن الجدير بالذكران المسافة الدنيا للاشتباك بشكل ناجح من قبل الصاروخ s-200 مع أي هدف جوي هو 60 كم لأسباب فنية تتعلق بالصاروخ لسنا بصدد الحديث عنها، وأن المسافة بين مكان إطلاق الصاروخ ومكان سقوط الطائرة هو 45 كم، وهذا يدل على أن الطائرة لم تسقط من قبل صاروخ من طراز “s-200”.

كل ما سبق وأمور أخرى أقل أهمية مما ذكر تدل بشكل غير قابل للشك على أن المضادات السورية لم تسقط الطائرة الروسية وأن طرفا آخر هو من أسقطها، وهو محصور بين “إسرائيل” والسفن الحربية الغربية المرابطة في المنطقة.

ويبدو أن إلقاء التهمة على وسائط الدفاع الجوي السوري أسهل بكثير على الروس من إلقاء التهمة بالدليل القاطع على “إسرائيل”، لأن ذلك من شأنه أن يجعل روسيا وجها لوجه أمام تحد من نوع آخر أمام الرأي العام الروسي والقيادة الروسية برمتها، وأن عدم الرد على “إسرائيل” يعتبر إهانة كبرى لدولة عظمى مثل روسيا من دولة مهما علا شأنها مثل “إسرائيل”، وخاصة أن هذه المرة الثانية التي يتم فيها إسقاط طائرة روسية من قبل دولة أخرى في المنطقة بعد إسقاط مقاتلة تركية من طراز “f-16” لطائرة “سوخوي 24” عقب اختراقها المجال الجوي التركي في 25/11/2015 وما تبعها من أزمات بين تركيا وروسيا، حيث لا ترغب روسيا بإعادة شبح ذلك السيناريو على الحكومة والشعب الروسيين مع دولة مثل “إسرائيل” واقتصار الأمر على اتهام نظام تابع لها بإسقاط الطائرة خطأً، وأن استدعاء قيادات عليا من قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي السوري يمكن أن يهدئ من موجة غضب الشارع الروسي اتجاه مقتل أبنائهم في هذه الحادثة، ومن الممكن جداً أن نسمع في المستقبل القريب عن عقوبات تطال ضباطا كبارا في سلاح الدفاع الجوي في جيش النظام.