أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » كتاب أثينا العثمانية كما رآها رحالة : أوليا جلبي في مدينة أثينا العثمانية: مشاهدات وتعليقات

كتاب أثينا العثمانية كما رآها رحالة : أوليا جلبي في مدينة أثينا العثمانية: مشاهدات وتعليقات

يظل الرحالة التركي أوليا جلبي (1611 – 1684م / 1020 – 1095ه) أهم الرحالة المسلمين عبر عصور التاريخ. تشهد على ذلك رحلاته ومشاهداته في القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا. فقد زار الرجل عشرات الدول والأقاليم والشعوب، كما احتوى سفره الضخم «سياحتنامه أوليا جلبي» على عشرة أجزاء تحكي رحلاته في البلاد الإسلامية وغيرها. تمت ترجمة بعض أجزاء من عمله الكبير إلى اللغة العربية، بخاصة تلك التي تعلقت بالحجاز ومصر والسودان والعراق وكردستان والقوقاز. غير أن غالبية سفره الثمين لم تُترجم إلى العربية بعد. وربما يعود ذلك – كما ذكرت في مقال سابق – إلى أن لدينا باحثين في تاريخ الدول العربية تحت الحكم العثماني، وليس لدينا باحثون في التاريخ العثماني بمعناه الواسع.

من هنا، تكمن أهمية هذه الترجمة العربية الجديدة التي قام بها كل من أحمد أمين وشاكر موسى لزيارة الرحالة التركي الشهير إلى مدينة أثينا تحت الحكم العثماني في القرن السابع عشر الميلادي. كما تنبع أهميتها أيضاً من كونها تتحدث عن مدينة عالمية حملت مشعل الحضارة الكلاسيكية إلى العالم الوسيط والحديث.

قدم المترجمان لعملهما البديع بمقدمة عن أوليا جلبي وأهميته التاريخية مع التركيز على رحلته إلى بلاد اليونان التي وردت في الكتابين الثامن والتاسع من سفره الكبير. مع تبيان خريطة عملهما القائم على الاعتماد على مخطوط الرحلة في مكتبة قصر طوب قابي باسطنبول ومقارنتها بالترجمات التركية الحديثة اللاحقة. كما قاما بمراجعة الترجمات اليونانية للرحلة الخاصة بمدينة أثينا ومقارنتها بالنص العثماني، مع ملاحظة إغفال هذه الترجمات لحديث جلبي عن السيد المسيح والحساسية الثقافية والدينية التي نتجت من ترجمة يونانية لنص تركي.

اهتم أوليا جلبي بالتراث المعماري للمدن التي قام بزيارتها في سياحاته المتعددة، لذا كان من الطبيعي أن يولي اهتماماً خاصاً بالمنشآت المعمارية في مدينة أثينا عاصمة الحضارة اليونانية القديمة، ولفتت نظره بالطبع التحولات التي جرت على بعض آثار المدينة لتصبح منشآت إسلامية بعد الغزو العثماني مثل معبد/ مسجد البارثنون وغيره.

ذكر المؤرخ البيزنطي كريتوفولس نجاح العثمانيين في اقتحام أثينا على عهد السلطان محمد الفاتح عام 1457م بعد انتزاعها من قبضة البنادقة. حدث هذا قبل أن يدخلها الفاتح بنفسه في العام التالي، واستمرت المدينة بعد ذلك في قبضة الأتراك حتى العام 1830م.

وصف أوليا جلبي أثينا بأنها «معقل الحكماء الأول» في إشارة إلى الفلاسفة اليونان. كما أبدى إعجابه بالتماثيل اليونانية القديمة أيضاً. غير أنه لم يستطع التخلص من الفكر الأسطوري الذي تكرر كثيراً في جل كتاباته، فأشار إلى أن نشأة المدينة إنما تعود إلى الملك سليمان. كما أشار إلى قلعة أثينا ومناعتها واصفاً كيفية إمدادها بالمياه عبر تخزين مياه الأمطار، أو نقلها على ظهور الحمير من الآبار القريبة من المدينة.

وكان من الطبيعي أن يتوقف أوليا جلبي كثيراً أمام الصبغة العثمانية الجديدة لمدينة أثينا، فتحدث عن وجود منشآت إسلامية وبعض المساجد، بخاصة الجامع الكبير في البارثنون الذي احتوى على ستين عموداً من الرخام الأبيض تحمل الأعمدة الجانبية منها رواقاً أعلاها ليظهر الجامع مكوناً من طابقين. كما لاحظ أيضاً تميز الأعمدة الأربعة ما بين المحراب والمنبر ومدى تكلفتها العالية، الى درجة أنه كتب «تعادل قيمة الأعمدة ضرائب الدولة كاملة». كما وصف جلبي قبة الجامع الضخمة ومصابيحه. ولاحظ التصاوير والرسوم القديمة على جدران المعبد القديم/ الجامع الحالي، فضلاً عن الأعمال الفنية الرائعة التي تزخر بها أثينا. واعترف بتفرد المدينة في ذلك حين كتب «… لكنني لم أر في أي إقليم هذه التحف الموجودة في أثينا»، وأيضاً «إن أي رحالة في العالم لم يأت ويرى هذه مدينة أثينا فعليه ألا يقول أنه قد رأى العالم». وفي دليل على شغفه بالتاريخ السابق للمدينة، أشار رحالتنا إلى مهاجمة المسلمين لأثينا في القرن العاشر الميلادي ونهبهم لها، بخاصة للأعمال الفنية الموجودة في البارثنون، حيث قام الجنود المسلمون بنزع الأحجار الكريمة من عيون التصاوير الموجودة على الأبواب والأعمدة، والاستيلاء على الشمعدانات والقناديل المزينة بالحلي والثريات والصلبان المصنوعة من الياقوت.

غير أن جلبي يعود ليقول أنه على رغم ذلك كله فما زال جامع أثينا (البارثنون) يحتفظ بالعديد من الأعمال الفنية القيمة التي تجعله في صدارة جوامع العالم آنذاك.

كما لفت نظره تخصيص أماكن لتدريس الأطباء في أسفل الجامع. وهو المكان نفسه الذي استخدمه العثمانيون كمخازن للبارود بعيد فتحهم المدينة. وتتبع أيضاً مصير تلك الغرف ليذكر أن وظيفتها قد تطورت في زمنه لتصبح في مثابة خانات وفنادق للتجار.

لم يكتف بالإشارة إلى الجامع الكبير في أثينا، بل أشار أيضاً إلى مسجد حامية الحصن، ثم إلى تكية حسين أفندي صاحب الطريقة الخلوتية. كما أشار إلى وجود تركي مكثف في بلدة ندية الملاصقة لأثينا، حيث وجد العديد من المساجد فيها فضلاً عن مدارس لطلاب العلم وكتاتيب للصبية وتكيتين للدراويش وحمامات الحاج علي وعابد أفندي وحمام البك وخانات للتجار وسوق غير مغطى بالمدينة.

وتطرق بعد ذلك إلى عدد منازل سكان مدينة أثينا آنذاك، فذكر أنها كانت 700 منزل ليونايين وأتراك. جميعها مبنية بالأحجار ومغطاة بالقرميد وتتميز بفخامتها «ولا توجد إطلاقاً بيوت مسقوفة بالطين أو الطوب اللبن مع الخشب. ويوجد صهريج للمياه في كل منزل تتجمع فيه مياه الأمطار». كما لاحظ أن السكان اليونانيين في أثينا يحتكرون الطبقة الأرستقراطية بعكس السكان المسلمين، وذلك بسبب كونهم تجاراً وأصحاب علاقات مع التجار الإيطاليين. وعلى رغم أن الإحصاءات العثمانية الرسمية قد أشارت إلى 4000 يوناني يدفعون ضريبة الخراج، فإن جلبي يذكر أن عددهم قد زاد في الحقيقة عن 10000 شخص.

كان من الطبيعي أن يلتفت التركي الغريب إلى أزياء سكان مدينة أثينا وملابسهم، فصور لنا في تفصيل نادر ما كان يرتديه الرجال والنساء فيها. ليشير إلى أن كبار السن كانوا يعتمرون قبعات مكونة من الحرير والقطيفة ويرتدون ثياباً سوداء. بينما ارتدى الشبان طرابيش حمراء وصديريات من القماش المزركش وحزاماً من الحرير الملون وجوارب وأحذية في الغالب. على حين ارتدت نــساء أثيـــنا فساتين ملونة بينما كشفن وجوههن واعتمرن قبعات واسعة مزينة بريش الطاووس. ويبدو أن طول مكوث أوليا جلبي في أثينا قد جعله يلحظ أن نساءها اليونانيات المسيحيات والتركيات المسلمات لا يخرجن إلى الشوارع لقضاء أغراضهن نهاراً ، بل يؤجلن ذلك إلى بعيد غروب الشمس حيث يخرجن حاملات مصابيحهن نحو الزيارة أو إلى الحمامات وغيرها. غير أنه شهد لنساء أثينا بالجمال الفائق «أجمل نساء العالم. وتوجد فتيات شديدة البياض بحواجب مرسومة، دقيقات الثغر أسنانهن كاللؤلؤ…. الخ».

ومجدداً، يعود جلبي للاعتماد على الأسطورة التي اعتمد عليها سابقاً حول بناء الملك سليمان لمدينة أثينا، فيشير إلى ما أسماه «سراي بلقيس» في المدينة، الذي تحول إلى مسجد من أجل صلاة الحامية العسكرية التركية. ويرى المترجمان – عن حق – أن جلبي يتحدث هنا عن الجامع القديم Eski Cami أو جامع سور الحبوب، الذي وُجد إلى جوار منشأة معمارية هائلة على شكل خيمة مثمنة الأضلاع يذكر هو نفسه أنهم يطلقون عليها اسم «حلقة أفلاطون» ويحوي كل معارف الحكماء. كما تحتوي أضلاع المبنى على تصاوير مهمة لذكور وغلمان يمثلون الرياح الثمانية والبروج الإثني عشر والكواكب السبعة السيارة ويقع داخلها قبر مهم من أيام اليونان. وذكر أنه في أعلى القبة الرخامية لهذا البناء كانت توجد قديماً «مرآة العالم في زمن الفلاسفة القدامى»، التي تشبه مرآة الاسكندر والتي كانت تقوم بكشف الهجمات البحرية المعادية للمدينة. وحسناً فعل المترجمان عندما قاما بالربط بين ذلك وبين منارة الإسكندرية القديمة التي ورد ذكرها في العديد من المصادر التاريخية القديمة والوسيطة.

ولم يفت جلبي التنويه في شكل متكرر إلى العلم الغزير والحكمة القديمة التي تميزت بها أثينا كوريثة للحضارة اليونانية. وتحدث عن الكهوف والصوامع التي خُصصت لاعتكاف الفلاسفة والحكماء أرسو وأبقراط وسقراط وفيثاغورث وجالينوس وغيرهم. كما شهدت هذه الصوامع مناقشات علمية مستفيضة ساهمت في تقدم العديد من العلوم والفنون. وفي ملاحظة ذكية منه، أشار إلى ما سمعه من أن حكماء أثينا وعلماءها في ما بعد كانوا يتحاورون مع علماء مدينة بغداد وحكمائها من دون وساطة لغوية. ولم يستطع رحالتنا أن يخفي دهشته من ذلك «وهذا سر غريب، إذ إن ما بين أثينا إلى بغداد مسافة تمتد إلى خمسة أشهر!!». والحقيقة أن ما غاب عن أوليا جلبي هو العلاقات العلمية والثقافية التي نشأت بحكم الجوار ما بين بيزنطة (دولة الروم) وريثة العالم اليوناني، وبين الخلافة العباسية في بغداد، إذ تحدثنا المصادر التاريخية والأدبية المعاصرة عن وشائج وحوارات ومناظرات علمية وثقافية ودينية بين عديد العلماء يونانيين ونظرائهم المسلمين.