أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » ديانا.. قصة فتاة اعتقلت وهي حامل لتلد “تحت التعذيب”

ديانا.. قصة فتاة اعتقلت وهي حامل لتلد “تحت التعذيب”

تروي المعتقلة السابقة عائدة الحاج يوسف الملقبة بزينة، لــ”زمان الوصل”، قصة جديدة توثقها للعالم، قصة ديانا التي شاركتها الزنزانة، ديانا اعتقلت وهي حاملها لأنها زوجها “مطلوب”… نزفت في السجن تحت التعذيب، لتلد في مشفى 101، ويعيش معها طفلها في السجن… تحت أوامر الجلاد…

العمى، هو أن لا تُبصر ولا ترى ما حولك، أن لا تستطيع إدراك شكل الأشياء ولونها.

هذا ما كنت أظنه حتى التقيت بتلك المرأة الصغيرة وطفلها، كان اسمها ديانا، امرأةٌ لاتزال طفلة، وربما لم تتخطَّ الثامنة عشرة من عمرها.

عندما بدأ الحراك الثوري في الغوطة الشرقية، “ديانا” لم تكن من المطالبين بالحرية، ولم تصرخ سلمية، ولم تكن أيضاً من طرف النظام القمعي ولا من مؤيديه، لم تفعل شيئا من هذا كل هذا، وإنما هي فتاةٌ من مدينة “تل منين” في ريف دمشق، جاء بها القدر إلى الغوطة الشرقية في بداية ثورتنا ضد طاغية الشام وأعوانه، و تزوجت “رامي”، ذلك الفتى الشهم الذي لم تسمح له رجولته بالوقوف موقفاً حياديَّاً في الأحداث الجارية، فخرج مع مجموعةٍ من رفاقه ليتظاهروا في شوارع الغوطة تارةً، وتارةً أخرى لمساعدة من المهجرين من أبناء حمص ودرعا، ولجأ إلى تلك المنطقة.

“ديانا” لم تكن الفتاة القوية لتساند زوجها، كانت فتاةً مطيعةً لا أكثر، تخاف صوت الرصاص، وأنين الجرحى، وربما كان حَمْلُها مشكلتها الكبرى بالنسبة لها، فقد توجَّب عليها الخروج من الغوطة، تاركة “رامي” الذي أصبح كُلَّ حياتها على مدى ثلاث سنوات، وذهبت إلى بيت أهلها في “تل منين”، لتضع طفلها هناك.

ظروف العناية الطبية في الغوطة كانت كارثيةً بسبب ما خلَّفه قصف الطيران الروسي والأسدي الهمجي للغوطة الشرقية، ولا يساعد على ولادتها الصعبة، كما اخبرتها طبيبة النقطة الطبية، ولذلك توجب عليها الرحيل، وعلى حاجزٍ للجيش النظامي على الطريق، وبسبب دفتر العائلة، الذي كانت تحمله معها كوثيقةٍ ضرورية لتسجيل الطفل الذي سيولد، تم التعرف على زوجها، واختفت “ديانا”، مثل الكثيرات من فتيات ونساء بلدي، ابتلعها الحاجز وهي تحمل في أحشائها ثمرة زواجها من “رامي”، دون معرفة مصيرها من قبل زوجها أو ذويها، حتى قطعوا الأمل بإيجادها، أو حتى على الأقل فقدوا الأمل بأنها على قيد الحياة، هي وجنينها. في أقبية النظام، وتحت ضرباتِ الجلَّاد الظالم، بدأت “ديانا” تنزفُ، فاضطر المحقق لتركها لأيامٍ في الزنزانة بدون تعذيب، ثم نقلها إلى المشفى العسكري بدمشق (101)، حيث وضعت مولودها “أحمد”، في أسوأ حالاتٍ إنسانية يمكن أن تراها عين إنسان.

حين التقيت “ديانا” وطفلها كان قد بلغ 3 أعوام و8 أشهرٍ، والطفل المولود في السجن “أحمد”، كانَ يُعاملُ كأسير حربٍ، كشخصٍ مسلوب الحقوق، وكأنما هو مَنْ أشعلَ شرارة الثورة في سوريا. “أحمد” لم يُبصر النور، ولا يعرف معنى أرجوحة..كرة …تلفاز …دفتر …ألوان، وما يؤلمُ القلب أكثر، أن جميع الرجال لديهِ هم سجانون، لا يعرف المصطلحات الاجتماعية والعائلية الطبيعية في أي أسرةٍ، لا يعرف ما معنى أبي، أو جدي، أو عمي وخالي، كلُّ الرجالِ سجانون، وكان عليهِ أن ينام على الأرض كما الجميع، أن يأكل القمحَ مثلنا جميعاً، أن يشرب المياه الملوثة كشابٍّ عشريني، أن يُغمض عينيهِ حين يقرِّر السجَّان، وأن يستيقظ بأمرٍ من ذلك الوحش.

عن أيِّ شيءٍ أتحدثُ هنا؟! عن أي حقوقٍ للأطفال أتشدقُ بها في جحيم الأسد؟! حتى وإن أردتَ أن تداعب طفولتهُ بحكايةٍ صغيرة، فإنكَ تعجزُ عن السرد ولإيجاد كلماتٍ يفهمها، فهو لا يعلم ما معنى بحر .. شجر .. طيور .. وبقي مطموس الهوية تلك الفترة، مختفياً كوالدته، حتى بدأت حملة اعتقالاتٍ همجيةٍ تطال أهل الغوطة الشرقية، فاقتيدت امرأةٌ كبيرة في السن إلى سجن “عدرا” للنساء مصادفةً، وهنا كانت المفاجأة حيث إن تلك المرأة “الدومانية” الأصل، نظرت بتمعنٍ في وجه ذلك الطفل وقالت: (يالله شو بيشبه رامي)، فصرخت “ديانا” بصوتٍ عالٍ: (بتعرفي رامي جوزي؟!) . ذلك اليوم لن تمحوه كل القصص التي مرت بي. بعدها فقد علمَ “رامي” بوجود زوجته على قيد الحياة وأنه قد رُزِقَ بطفلٍ جميلٍ، بقي سجيناً لفترةٍ طويلةٍ، كما لو أنه أحد المجرمين الآخرين، وبعد عدة أيامٍ تمَّ توكيل محامٍ للدفاع عن ديانا، وأخرج طفلها إلى الحرية ليعيش مع جدته حتى خروج والدته من السجن، إن حالفها الحظُّ ونجت من الجحيم .

هذا النوع من الحرمان لا يمكن لكَ أن تراه سوى في سوريا الأسد، حيث يُحرم الزوج من زوجته وجنينه، ويُحرمُ الطفل من أمِّهِ، ويُحرم الطفل من حقه في الحياة الطبيعية، ويُحرمُ السوريُّ من إنسانيتهِ.

المصدر: زمان الوصل”



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع