أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » الصراع على سوريا ومرحلة التصفيات النهائية

الصراع على سوريا ومرحلة التصفيات النهائية

ازدادت في الفترة الماضية وتيرة العمليات الحربية الإسرائيلية وعمليات التحالف الدولي ضدّ مواقع إيرانية في سوريا. وشملت هذه العمليات مراكز تجمعات عسكرية للحرس الثوري الإيراني، ومواقع للميليشيات التي تموّلها حكومة طهران، ومستودعات تخزين أسلحةٍ، ومصانع لعتاد عسكري.

هذه العمليات تهدف بشكلٍ واضح إلى إخراج القوة العسكرية الإيرانية مع ميليشياتها من سوريا، وهذا يعني تغييراً جوهرياً في ميزان القوى العسكرية على الأرض، فخروج إيران وميليشياتها من سوريا سيؤدي إلى إضعاف قدرة النظام السوري على مواصلة حلمه بالسيطرة على البلاد عبر الحسم العسكري ضدّ المعارضة. ويعني ذلك فقدان الروس لأوراق قوةٍ حليفةٍ لهم (الوجود الإيراني)، وهذا سيؤدي إلى إضعاف الموقف الروسي، واضطرار الروس للقبول بالعودة إلى مسارٍ سياسيٍ لحل الصراع السوري على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وتحديداً القرار رقم 2254 مما يعني فشل جوهر مخططهم الذي حاولوا التسويق له تحت مسمى ” مسار أستانا – سوتشي ” والقبول بجنيف بشكل واضح وملموس.

طرد إيران من سوريا سيشكّل مدخلاً لخللٍ عميق في توازنات الصراع الجاري حالياً،

وعلى أرضية هذه المخاوف جاء رد الفعل الروسي كبيراً وغاضباً بعد إسقاط طائرتهم التجسسيّة إيل 20. فإسقاط الطائرة لم يتم بنيران الطائرات الإسرائيلية، فلماذا كلّ هذا الغضب الروسي على حدث لم تقم به إسرائيل؟!.

الغضب مصدره قلق روسيا من عدم فعالية تكنولوجيتها العسكرية، والتي ثبُتَ أنها لم تستطع أن تفعل شيئاً أمام هجمات متعددة ومنسقة من قبل التحالف الدولي وإسرائيل.

وقلق روسيا يرتكز أيضاً على فهمٍ عميقٍ بأن خروج القوة الإيرانية من سوريا يعني انكشاف ضحالة القدرة الروسية المقاتلة على الأرض، فبوتين وحكومته العتيدة لا يستطيعون تحمل جردةٍ كبيرةٍ من قتلى الجنود الروس في سوريا، الأمر الذي يعزّز من قدرة المعارضة الروسية على التشكيك بدور قواتهم في سوريا، ويكشف استهتار بوتين بدم الروس، ومصالح البلاد العليا، من أجل الحفاظ على نظام استبدادي قهري، دمّر بلاده للحفاظ على سلطته.

والقلق الروسي يقوم أيضاً على خوفهم من إدارة الغرب لملف الصراع في سورية وعليها بعد طرد إيران، وبالتالي تقسيم النفوذ والمصالح بما يخدم استراتيجيات الغرب البعيدة.

وفق هذه المعطيات ينبغي فهم لماذا تصرّ إسرائيل على خروج إيران وميليشياتها من الأراضي السورية؟، ولماذا أتت تصريحات رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ووزير دفاعه ليبرمان ناريةً ضدّ روسيا وموقفها من إسرائيل حيال إسقاط طائرة إيل 20؟.

فإذا كان لدى الروس أدلة بأنّ طائرتهم المنكوبة تم إسقاطها من قبل النيران الإسرائيلية ولم يجرؤوا على الاعتراف بذلك خشية الانزلاق وراء موقف مواجهةٍ حقيقيةٍ مع إسرائيل، يعرف بوتين أنه سيدفع وجوده السياسي ثمناً باهظاً لهذه المواجهة، وتحديداً من قبل اللوبي اليهودي الروسي والدولي، والذي يستطيع أن يُقعدَ الاقتصاد الروسي والروبل الروسي على الأرض بلا رحمة. أما إذا كان إسقاط الطائرة قد تمّ من قبل صواريخ أتت من المتوسط من قطع بحرية عائدة للتحالف الدولي فهذا معناه أن إسقاط الطائرة الروسية هو تنبيه غربي للروس للكفّ عن كثرة المناورات، ودعوتهم إلى حسم موقفهم لمصلحة التوافق مع الغرب.

الروس حمّلوا أضعف الجهات مسؤولية إسقاط طائرتهم أي حملوا النظام السوري مسؤولية ذلك، وهو أمر قابل للشك، والرواية بمجملها وما تبعها من تصريحات لا تخرج عن مربع تضليلٍ إعلامي لا يريد الروس لحقيقة ما جرى أن يظهر أمام الرأي العام.

لذلك تبدو عملية إسقاط الطائرة إيل 20 منعطفاً سياسياً وعسكرياً في أمر الصراع على سوريا

وهو ما تكشفه ردود الفعل الإيرانية وردود روسيا. فهذا الصراع تضيق مساحته شيئاً فشيئاً، وبالتالي تضيق مساحة المناورة التي برع الروس في استخدامها في ظلّ غياب إرادة دولية غربية في حسم هذا الصراع.

ضيق مساحة الصراع يعني اضطرار الروس والإيرانيين إلى الذهاب أبعد فأبعد في ممارسة اللعب والصراع عند حافة الهاوية وهذا إذا تمّ فلن يكون بمقدورهما التحكم بنتائجه عليهما. ويعني أيضاً في موقع آخر تقديم تنازلات حقيقية لمصلحة الموقف التركي من إدلب والمناطق المحررة في الشمال السوري، تنازلات ليست مجرد تصريحاتٍ بل تقديم ضمانات عسكرية حقيقية تُبقي مسألة إدلب وحلها بيد الحكومة التركية لنزع فتيل ” جبهة النصرة ” والمحافظة على قوة الجيش الوطني الحر.

ضيق مساحة الصراع لن يخدم بالمطلق ” الخبث الروسي ” بإعادة إنتاج نظام الأسد مرة ثانية وفق قاعدة (اضرب وتحايل ثم اضرب). وهذا ما يجعل الروس في وضعٍ لا يحسدون عليه، فهم إذا قدموا تنازلات للضامن التركي فهذا يعني فشلاً لمشروعهم (أستانا – سوتشي) على طريقتهم. وإذا اضطروا على مواجهة عسكرية في إدلب فهذا يعني أن الضامن التركي سيكون طرفاً في الصراع ضد المخطط الروسي الإيراني في الشمال السوري، وهو أمر سيخلّ بتوازن القوى العسكرية على الأرض، لأن الدولة التركية لن تتوانى في الدفاع عن أمنها القومي، ولن تقبل بوجود إيران وميليشياتها على حدودها، كما أنها لن تقبل بتصفية المعارضة السورية الحليفة لها.

إن ما بعد إسقاط الطائرة الروسية يمكن تسميته بمرحلة التصفيات الأخيرة، هذه التصفيات قد تسبّب حروباً أخرى على قاعدة طرد إيران وميليشياتها من سوريا والمنطقة، وبالتالي عودة الروس إلى مربعهم السابق قبل انفجار الثورة السورية، والتي كشفت حقائق الجميع بلا استثناء.

أسامة محمود آغي

باحث وأديب



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع