أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » عاطل ابن عاطل

عاطل ابن عاطل

جلس إلى طاولته المعتادة في ذلك المقهى الشعبي القديم.. هو مخلص حتى للطاولة والمكان لا يريد الخيانة، وضع أوراقه على الطاولة بعدما نفض غبار الكرسي المهترئ بمصائب الأقوام السابقة، بدأ يتفحّص المكان وكأنه يزوره لأول مرة، ربما لأنه لم يعهده فارغاً هكذا، فالساعة الآن تشير إلى السادسة صباحاً..

في الحائط المقابل صورة لنادي الترجي العريق بالأبيض والأسود تعلوها عين زرقاء معلّقة لطرد عين الحاسدين والأرواح الشريرة، حسبما تقول الأسطورة. إلى يمين الصورة، صورة أخرى لنجم الكرة العالمية الأرجنتيني ليونيل ميسي، وهو يصرخ فرحاً بأحد أهدافه. في الحائط المقابل بعض الصور الممزقة، التي تعود إلى فترة الانتخابات التشريعية في البلاد، لكن الذي كان يبشر بالخير أن علم تونس بهلاله ونجمته كان حاضراً يعلو الجميع بإطار خشبي قديم يبدو أنه قد عاصر كثيراً من الحكومات والثورات.

قال بصوت خافت يثقله النعاس:

– عادل اكسبريس كالعادة.

رد عادل: نادر كيف الحال؟

– الحمد الله على كل حال.

عادل النادل المشهور هنا، قال مرّة أمام عشرات الزبائن لو أن رئيس الجمهورية يفهم لوضع صورتي على العملة بدلاً من أبو القاسم الشابي فضحك الجميع، كلامه كان منطقياً بعض الشيء فعادل كان يُلهم العشرات بقهوته المعصورة بإتقان، هو أربعيني قد غزاه الشيب بشكل كامل، مقوّس الظهر ذو مشية بطيئة.

أخذ نادر يُقلّب بأوراقه شهادة جامعية ومضمون ولادة ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية. هذا كل ما يملك، تلك الأوراق كانت بمثابة الأسلحة لمواجهة حياة قاسية كانت تحاربه بضراوة، لكن تلك الأسلحة على ما يبدو كبندقية صدئة تحارب منظومة نووية. هو عاطل من العمل منذ ثلاث سنوات، والده سكّير عاطل كذلك، ووالدته تعمل خادمة في المنازل لتُؤمن لقمة خبز وكثيراً من زجاجات الجعة والويسكي، كان نادر يصفها بأنها بألف رجل، لكنها سرعان ما تعود لأنوثتها وضعفها بين يدي والده الذي ينهال عليها ضرباً مع كل زجاجة ويسكي تنتهي..

الاكسبريس جاهزة، تأخر ماجد، الساعة السادسة والنصف، الانتظار موت بطيء، عندما تكون “بطالاً” (عاطلاً) فذلك من شأنه أن يعلمك الصبر والجبروت واللامبالاة في بعض الأحيان، مع الاحتفاظ بقليل من الأمل الذي يمكن له أن يشرق في أي لحظة، نادر كان يردد ذلك دائماً، أخذ هاتفه الذكي وقبل أن يضغط على زر الاتصال يطلّ ماجد من بعيد، قال نادر متهكماً:

– حمداً لله عليك يا رجل.

قل صباح الخير أولاً هكذا علموك؟

– محاضرات ومواعظ صباحية كالعادة.

لا علينا الآن، قل لي ماذا فعلت وما جديدك؟

– الرجل الذي تشتغل عنده أمي يريد رشوة لكي يوظفني في الشركة التي حدثتك عنها، المبلغ كبير يا ماجد لا أعلم ما الذي عليَّ فعله.

كم المبلغ؟

– خمسة آلاف دينار.

هاهاهاها خمسة آلاف ماذا؟! يمكنك فتح مشروع صغير بهذا المبلغ.

– الرجل يقول إن المبلغ ليس له بل سيدفعه لعدة أشخاص في إدارة الشركة وسيكون هو وسيطاً بيننا فقط.

عصابة.

– ربما.. هي مجرد فرع صغير لعدة عصابات تسيطر على دواليب الدولة، لا يهم الآن فليذهبوا جميعهم إلى الجحيم، المهم أن أجد وظيفة محترمة أقتات منها.

معك حق.

– إلى متى يا رجل؟ ما هذه الدولة التي تقتل شبابها ببطء؟ لم أدع باباً إلا وطرقته لكن دون جدوى، حتى باب الهجرة الذي كان ملاذاً أخيراً، الهجرة الآن يا صاحبي هي أصعب من أي شيء تريد فعله في وطنك، تخيل أنك تعيش مع عائلتك الفقيرة في غرفة صغيرة لا الأب قادر على إطعامك، ولا هو قادر على فتح باب البيت لك لكي تخرج منه لتعمل، هكذا تماماً شروط الهجرة تعجيزية جداً.

لماذا يدفعون الشباب إلى الانحراف والموت؟ ألم تسأل نفسك ما الذي يدفع عشرات الشباب للموت في البحار زحفاً إلى أوروبا؟ ألهذه الدرجة انقطعت سبل الحياة حتى خاض الراحلون تلك المغامرة بحثاً عن الحياة؟

– ومن قال لك إنني لم أصل إلى تلك المرحلة.. تخيل يا رجل فكرت يوماً أن أذهب إلى أحد الفنادق وأتعرّف إلى عجوز أوروبية وأتزوجها كما فعل الكثيرون.. هاهاهاها.

مهلاً على نفسك يا رجل أ لهذه الدرجة.

– وأكثر.. الدولة تبرت منّا يا رجل، هي لا تريدنا في بيتها وكأنها امرأة أبينا.

انتهت الاكسبريس وانتهت معها علبة سجائر وطنية، الشارع يمتلئ بالسيارات وأطفال المدارس، وقف نادر بعدما انتهى من النواح الروتيني وودع ماجد، الناس في العادة يشربون القهوة ليبدأوا يومهم بنشاط إلا هو فقد كان استثناءً غريباً، القهوة الصباحية هي الجرعة الأولى لرحلة نوم عميق.

عبد الوهاب الشابي