أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » لماذا لا يفضح “هلال هلال” أسماء الفاسدين المدعومين ويفضح داعميهم ؟. . بقلم: م. سليمان الطويل

لماذا لا يفضح “هلال هلال” أسماء الفاسدين المدعومين ويفضح داعميهم ؟. . بقلم: م. سليمان الطويل

لماذا لا يفضح “هلال هلال” أسماء الفاسدين المدعومين ويفضح داعميهم ؟. . بقلم: م. سليمان الطويل

يقول الأمين القطري المساعد لحزب البعث في سورية “هلال هلال” على صفحته الرسمية بأن “هناك فاسدون محميون زيادة عن اللزوم، ولهم مرجعيات مختلفة يصعب اقتلاعهم”.
“هلال هلال” هو نائب رئيس حزب البعث بشار الأسد، والمعروف أن كل مسؤولي الدولة مُنتسبون لحزب البعث، باستثناء بعض الوزراء (الفراطة) الذين لا يحلُّون ولا يربطون. وهذا يعني أنّ من يرشِّح هؤلاء للمناصب هو حزب البعث. حتى أن التجار ورجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال فغالبيتهم تنتسب لحزب البعث كنادٍ للتعبيرعن ولائهم لرئيس الدولة وليس لإيمانهم بحزب البعث، ومن منهم غير منتسب لحزب البعث فإنما هو مُلتَمسٌ جدا لدى النافذين في الدولة لأنهم يستفيدون منه. وهناك نافذون بالدولة وفي مواقع حساسة وقريبة جدا من صاحب القرار لا يردُّون ولا يخدمون إلا التجار والأثرياء الذين يقدمون لهم الهدايا (التي هي في الحقيقة رشاوى)، فهل تمرّد كل أولئك على حزب البعث وقيادته وعلى من وضعوهم في السلطة ولا يستجيبون لهم في الحد من فسادهم وإفسادهم؟.
إنْ كان الشخص الثاني في حزب البعث الذي ما زال المتحكم بكل الدولة السورية، ولو ظاهريا، يُصرِّح عن فاسدين محميين زيادة عن اللزوم، وإن كان ليس هو ولا زملائه بالقيادة من يحمون أولئك الفاسدون، فمَن هو الذي يحميهم؟.
طبيعي جدا أن يستسلم “هلال هلال” أمام الفساد والفاسدين والمفسدين ويرفع يديه ويعلن عجزهُ عن مكافحة الفساد والفاسدين. ولعلّه أدرك متأخرا جدا قول البعض أن النظام هو عجينة كبيرة مجبولة ومعجونة كلها بالماء الملوث، فكيف يمكن التعامُل مع هذه العجينة وجعلها صالحة لصناعة الخبز والاستهلاك؟. هذا غير ممكن ولا بُدّ من رمي العجينة كلها جانبا والاستعاضة عنها بعجينة جديدة معجونة بالماء الصالح للاستهلاك. وسورية كانت دوما مليئة بالعجائن النظيفة ولكنها كانت دوما مقصية ومُبعَدة .
آراء، تحليلات، نظريات كثيرة قيلت في ظاهرة الفساد بسورية، ونظريتي الشخصية أن الفساد سببه أولا وأخيرا انعدام الضمير والحس الوطني والأخلاقي. من بين تلك النظريات واحدة تقول أن نظام الحُكم الحالي قام بالأساس على إستراتيجية الفساد والإفساد التي بدا وكأنها كانت مُتعمّدة ومقصودة. وأصحاب هذه النظرية يجادلون أن الرئيس الذي أسّس هذا النظام من الحُكم، كان يعرف كل الفاسدين ولكنه لم يتّخذ منهم موقفا حاسما ويقطع أياديهم ورؤوسهم من البداية كي يكونوا عبرة للجميع، والسبب أن أولئك الفاسدون كانوا ،بداية، من أقاربه ومن المُقرّبين منه ومن بطانته، وهؤلاء هم من نشروا الفساد وشجّعوا الجميع على الفساد لأن أحدا لم يحاسبهم. وأصحاب هذه النظرية يبنون قناعاتهم على ما يلي:
أولا، تمّ التغاضي عن الفساد كي تتم التغطية على الأقارب والمقربين والبطانة حتى يقضوا على الفقر الذي كانوا يعيشوه ، والسلطة هي الفرصة لذلك.
وثانيا، إنْ غرِق الجميع بالفساد فلا يستطيع أحدا أن يزايد على الآخر بالعفة والنزاهة ولا أن يُشير بالإصبع إلى أقارب أي مسؤول والمقرَّبين منه ولا إلى بطانته، لأن الجميع غارق بالفساد، حتى لو كان هناك تباينا فظيعا بينهم في حجم الفساد، فمَن جمَع مليون ليرة بالفساد يُنظر له كمن جمع مليار ليرة، الكل فاسد. وإن كان هناك من هُم أقل فسادا فلأن الظروف لم تُتِح لهم لِفساد أكبر. بل أن من فسُد بألف ليرة قد يُحاسب أما من فسُد بمليار فلا يُحاسَب.
وثالثا: كي يُستعمَل الفساد سلاحا لابتزاز المسؤولين، فلا يجرؤ مسؤولا واحدا في أي مكان بالدولة وعلى أي مستوى أن ينتقد الحُكم لأنهم سيفتحون له حالا مِلف الفساد وينكشون كل ماضيه منذ أن كان يمشي حافيا من الفقر من بيته إلى المدرسة، أو يلعب حافيا طوال الوقت.
ورابعا: كي يشعر الجميع أن لهم حصّة من الكعكة في ظل هذا الحُكم وهكذا في حال وقوع أي خطَر على الحُكم يستنفرون حالا للدفاع عنه لأنهم بذلك يدافعون عن حصصهم ومصالحهم ومكاسبهم وامتيازاتهم.
وخامسا: كي ينصاع الجميع، من باب الحرص على استمرار المكاسب وزيادة الثروات، أن ينصاعوا لكل التوجهات التي تُرسَم من الأعلى ويتبنونها حالا ويروجونها دون تردّد أو تمهُّل.، وعلى مبدأ (أطعم الفم تستحي العين)، ولهذا فقد تبنّى الجميع شعارات الولاء الأبدي والمبايعة الدائمة، وبايعوا الراحل باسل الأسد، ثم شققيه بشار، ولا يجرؤ واحدا أن يتفوه بكلمة لأنهم سيفتحون له ملفات الفساد التي تملْ الخزائن.
وخامسا: نشرُ رسالة عامّة مفادها أن من يكون بجانبنا فتتحسّن أوضاعه المعيشية حالا وينتقل من حالة الفقر والبؤس إلى حالة الثراء والاسترخاء. أو يبقى فقيرا محتاجا طيلة حياته. وبما أن النفس البشرية أمّارة بالسوء فإن اللعب على “الأنا” الدونية يحقق أهدافه لدى الغالبية الساحقة من البشر. فإن ترفّع الأب مثلا عن الضعف أمام الإغراءات المادية فقد يضعف الأولاد أو قد تضعف الزوجة، ويقولون للأب أنظُر ماذا أصبح عند فلان، وانظُر كيف يعيش أولاد فلان، وانظُر كمْ عندهم من السيارات، وانظر كيف يتنقلون بالسيارات ونحن ننتظر على مواقف الباصات لننحشر بها كما الجرذان وووووو الخ.
ومن هنا فقد نبتَ الفساد وترعرع وكبُر وتمدّد وشرّش على معرفة ودراية وليس بالخفاء أو من خلف الظهور، أو بالتحايل والألاعيب على القوانين. هكذا يعتقد أصحاب هذه النظرية.
البعض يروي أنه في مراحل انتشار الفساد الأولى ونموه كانت تدور نِكاتا بالشارع السوري توضح أن الفساد كان معروفا، منها أن الرئيس كان يجتمع بأعضاء القيادة وإذ بشخصٍ يتّصل ويقول له سيدي لقد سرقَ الحرامية بيتي، فقال له من أين جاء الحرامية ها هُم جميعا عندي بالاجتماع.
ونكتة أخرى تقول أنهم أبلغوا الرئيس أن الخزينة فارغة فقال لهم لماذا لا تطلبوا من (محمد حيدر) تمويلها. ويُروى عن هذا الشخص (الذي كان مسؤولا كبيرا ومهما) حكايات كثيرة عن الفساد والثراء غير المشروع.
تحمّسوا في وقتٍ من الأوقات وشكّلوا لجنة للتحقيق في الكسب غير المشروع ولكن سرعان ما أغلقوا الصفحة ولم تتم محاسبة أحد لأنهم كانوا جميعا مسؤولين كبارا في البلد.
وهناك نظرية أخرى تقول أن الرئيس حافظ الأسد كان قد ركّز كل جهوده للصراع مع العدو الإسرائيلي وبناء توازن عسكري واستراتيجي مع هذا العدو، وعلى أهداف وطنية وقومية كبيرة، ولم يكُن لديه الوقت لمتابعة المسائل الداخلية التي أوكلها لقيادة الحزب والحكومة، والأجهزة الأمنية، ولذا فقد استغلّ ضعاف النفوس ذلك وانحدروا نحو الفساد.
بكل الأحوال، الفساد في أي مكان هو كما المياه الوسخة الجارية والمتحركة وما لم يقف أحدا بوجهها ويُوقِف حركتها فإنها ستستمر بالسير في كل مكان حتى تصل أوساخها وروائحها النتنة لكل مكان وزاوية. واليوم وصلتْ مياه الفساد الوسخة في سورية لكل مكان وزاوية. والأخطر أنها وصلت حتى إلى العقول وأضحت ثقافة خطيرة جدا، لدرجة أن الشخص الشريف باتَ يُنظَر إليه على أنه غبي وغشيم ولا يعرف كيف يُدبِّر رأسه. بل بات الشخص الشريف يتندّر على ذاته ويندم لأن فُرَص الثراء قد توفّرت له عن طريق الفساد ولكنه أبى أن يتورّط بذلك، وهو اليوم يرى نفسه فقيرا محتاجا وأولاده محرومون بينما الفاسدون وأبنائهم يعيشون ببذخٍ وترفٍ ولديهم الأموال والسيارات والبيوت ويسهر أولادهم في أفخم الأماكن من دون أن يسألهم أحدا : من أين لكم هذا؟. وأولاد الشرفاء يحلمون ببيت أو سيارة، ومنهم من يلوم والدهُ لأنه لم يلجأ للفساد ويجمع لهم المال والثروة ويشتري لهم السيارات طالما أن المحاسبَة غائبة كلية وطالما أن القانون في إجازة مفتوحة، ولا يُطبّق إلا على البؤساء .
إذا نحن أمام ظاهرة خطيرة جدا، وهي تدمير كل منظومة الأخلاق والقيم التي عرفتها مجتمعاتنا السورية على مر الزمن. وهكذا تحطمت كل العلاقات الاجتماعية وسادها الكذب والغش والخداع والاحتيال ولم يعُد الأخ يثق بأخيه. وحتى لو تمّ إعادة بناء الحجر ولكن يستحيل إعادة بناء البشر وإعادة القيم الاجتماعية المُنهارة إلا في حال واحدة وهي القبض على كل الفاسدين والمفسدين في الوطن منذ حوالي نصف قرن وحتى اليوم وعلى أولادهم وأحفادهم، ومصادرة كل أملاكهم وإعادتها للدولة وهكذا نعيد للمجتمع الثقة بالنفس والإيمان بقيم النزاهة والعفة والاستقامة، والحرص على ممارسة هذه القيم. وطالما أن تحقيق هذا الأمر هو مستحيلا، فإن مكافحة الفساد هي مستحيلة أيضا.
ربما، بالنسبة للبعض، أن الغاية والهدف من الفساد والإفساد حققتْ أهدافها، ولكن بالمقابل تحطّمت الدولة وتدمّر الوطن، وانهار المجتمع.
المتابعون للوضع السوري يكتشفون أنه في كل مرحلة من المراحل ومنذ حوالي نصف قرن، كانت تتكوّن طبقة من الأثرياء عن طريق الفساد دون أية محاسبة، وإن كانت تجري محاسبة فهي لتصفية حسابات شخصية بين هذا وذاك. فحينما دخلت القوات السورية إلى لبنان، تكونت طبقة من الأثرياء عن طريق التهريب والتعفيش من لبنان. ولم يتبقى عسكريا واحدا خدم في لبنان دون أن يتورط بالتهريب، من أكبر ضابط لأصغر عسكري.
وحينما حصل ما يُعرَف بأحداث الأخوان المسلمين، قبل وبعد الثمانينات من القرن الماضي، تكوّنت طبقة أيضا من الأثرياء عن طريق استغلال تلك الأحداث أو الاستفادة منها.
واليوم يتحدث الجميع عن طبقة جديدة من الأثرياء جمعت أموالا طائلة باستغلال الحرب التي دارت لِسبع سنوات. وفي كل مرّة كانت تنشأ طبقة جديدة من الأثرياء عن طريق الفساد، كان يتمُّ التغاضي عن ذلك وعدم محاسبة أحد ومصادرة أمواله وممتلكاته وإعطائها للدولة. لماذا؟. لأنه لا أحدا يمكنه محاسبة أحد لأن الكل متورط بشكلٍ أو بآخر، وإن كانت ستتم محاسبة كل فاسد بالدولة فمَن سيبقى مع الدولة. هُم مع الدولة لأنهم مستفيدون فإن كانت الفوائد ستذهب فعلى ماذا سيكونون معها ويقاتلون لأجلها.
كل هذه الطبقات من الفاسدين تكوّنت في حقبٍ مختلفة، ولكن تيار الفساد العام في الدولة من طرف أصحاب المناصب والنفوذ المُستغلّين للسلطة استمر دوما من دون انقطاع.
نائب رئيس حزب البعث ” هلال هلال” ربما يتحدث عن حيتان الفساد في سورية، ويعرفهم بالأسماء، ولكن لماذا لا يناقش هذا الأمر مع أمين حزب البعث الذي هو بذات الوقت رئيس الدولة وقائد الجيش والقوات المسلحة، أي أن الفاسدين في أي مكان كانوا فإنما هُم يخضعون بالنهاية لسلطتهِ وقادر على محاسبتهم، سواء كانوا في الحكومة أو مؤسسات الدولة أو في الجيش أو في الأمن. وحتى لو كانوا رجال أعمال حرّة ولكن يبقون مواطنين بالدولة وتنطبق عليهم قوانين الدولة، إلا إن أصبح أولئك أقوى حتى من رئيس الدولة، وفي هذه الحالة ربما يكون المقصود بالفاسدين الذين تحدّث عنهم ” هلال هلال” هم أولئك المحميون من جهات خارجية .
المطلوب من ” هلال هلال” كمسؤول كبير في الدولة السورية أن يضع النقاط على الحروف ويصرِّح علنا وبكل شجاعة ومسؤولية عن الفاسدين المحميين زيادة عن اللزوم، وعن الجهات التي تحمي أولئك الفاسدون، هل هي من داخل سورية أم من خارج سورية، كي يبرِّئ ذمته، لأن التاريخ لن يرحم. وإن كان لا يجرؤ على ذلك فالأحرى به أن يستقيل ويبتعد عن هذا الجو، وإلا يكون شريكا بالفساد.



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع