أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » ماذا وراء التفجيرات التي يسمعها سكان دمشق يوميًا ؟ إزالة أبنية في محيط دمشق لفرض تنظيمات جديدة

ماذا وراء التفجيرات التي يسمعها سكان دمشق يوميًا ؟ إزالة أبنية في محيط دمشق لفرض تنظيمات جديدة

منذ سيطرتها على أحياء في محيط دمشق وغوطتيها الشرقية والغربية، تعمل حكومة النظام السوري على تفجير أبنية جديدة وإزالة الأنقاض وترحيلها، معلنة عن رصد مئات الملايين لتنفيذ تلك الأعمال، فيما أسمته الإعداد لمرحلة إعادة الأعمار، دون توضيح السبب الرئيسي لتلك التفجيرات، في وقت تتبنى روسيا مشروع إعادة الإعمار في سوريا وتلمح إيران للمشاركة به.

مناطق تتعرض للإزالة

تعيش العاصمة دمشق على أصوات التفجيرات في محيطها، ولا يمر يوم إلا وتعلن فيه الحكومة عن تفجيرات جديدة في حي القابون بالقسم الشمالي الشرقي لدمشق، تقول الرواية الرسمية إنها ناتجة عن ألغام ومخلفات “المسلحين”، لكن معلومات متقاطعة لعنب بلدي أكدت تفجير قوات الأسد عمدًا لأبنية على طول المتحلق الجنوبي الفاصل بين مدينة عين ترما والطرف الغربي للطريق في حي جوبر.

تتحدث حكومة النظام عن تنظيف مدخل جوبر من جهة الغوطة الشرقية، وهذا ليس تنظيفًا بالمعنى الحرفي، ولكنه تمشيط للأنفاق مع وعود من الضباط المشرفين على الحواجز في المنطقة بفتح الطرق، وفق ما قال محمود إدريس وهو أحد سكان حي جوبر.

وأضاف إدريس لعنب بلدي أن الحكومة تعمل حاليًا على إزالة مجمع البشائر بالقرب من المتحلق الجنوبي، عبر تفجير الأبنية وتجريفها، مشيرًا إلى أن أحاديث متداولة بين أبناء الحي الذين نزح معظمهم إلى عين ترما، أن المحافظة تتحدث عن إقامة أبراج بدلًا من المجمع السكني.

وقبل عام 2011، بدأت الحكومة بإنذار أصحاب المحال الصناعية في القسم الصغير من المنطقة الصناعية التابعة لحي القابون بالإخلاء، ونقلهم إلى المدينة الصناعية في عدرا بريف دمشق الشرقي، وبدأت أعمال التجريف في المنطقة مع دخول عام 2012، لتبدأ محافظة دمشق بمحاولة نقل المنشآت الصناعية الكبيرة في القابون.

لكن صناعيي المنطقة رفضوا القرار في اجتماع مع مسؤولين في محافظة دمشق، الجمعة 28 من أيلول الحالي، بحسب ما أوردت صحيفة “الثورة” الحكومية.

وتتذرع المحافظة بأن المنطقة الصناعية في القابون تضررت بنسبة 80% بالوقت الذي يتحدث فيه الصناعيون أن النسبة لا تتجاوز 10% بالاستناد إلى تقييم نقابة المهندسين ووزارة العدل السورية.

وهذا ما أكده مصدر إعلامي من الحي، مشيرًا إلى أن المنطقة الصناعية لم تدخل في أتون الحرب التي شهدتها المنطقة، باستثناء بعض الورشات، خلال المعارك التي خاضتها المعارضة بالقرب من كراجات العباسيين بهدف السيطرة عليها والتي تقع بالقرب من المنطقة.

رد صناعيي المنطقة على المحافظة كان بأن منشآتهم قائمة في منطقة صناعية منظمة وليست مخالفة، بموجب مرسوم تشريعي، وهم موجودون فيها منذ عام 1947، وتعهدوا بإعادة ترميمها في حال وافقت المحافظة على إبقائها.

وإلى غرب دمشق، لا يختلف الحال كثيرًا في مدينة داريا، ففي وقت أعلن فيه مجلس بلدية المدينة السماح لعدد محدود من الأهالي بزيارة المدينة، تستمر الإعلانات عن تفجيرات جديدة.

آخر هذه الإعلانات كان في 27 من أيلول الحالي، حين نقلت الإخبارية السورية الرسمية عن مصدر عسكري قوله إن وحدات الهندسة ستقوم بتفجير عبوات ناسفة وذخائر من مخلفات ما وصفها بـ “المجموعات الإرهابية” في داريا.

هذه العمليات تأتي بعد عامين تمامًا من خلو داريا من أي مقاتل أو مدني، بعد إتمام اتفاقية تسوية لإخلائهم إلى الشمال السوري.
مخططات تنظيمية جديدة

في مطلع تموز الماضي، كلف مجلس وزراء في سوريا وزارة الأشغال العامة بوضع مخططات تنظيمية لعدة مناطق في محيط مدينة دمشق، وجاء التكليف خلال جلسة المجلس بتاريخ، الأحد 1 من تموز، وطلب بوضع مخططات تنظيمية لكل من أحياء جوبر والقابون وبرزة البلد ومخيم اليرموك.

كما طلب المجلس مراعاة خصوصية كل منطقة وفقًا لمقوماتها العمرانية والصناعية والحرفية ضمن الخطة، قبل أن تنشر صفحة “رئاسة مجلس الوزراء” عبر “فيس بوك” تسجيلًا لوزير الإدارة المحلية، حسين مخلوف، أكد فيه أن الحكومة تعمل على ضرورة الإسراع بإعادة رؤية عمرانية متطورة وتحديث المخططات التنظيمية لمناطق محيط دمشق.

وأشار إلى أن هذه “المناطق سيعاد تنظيمها وفق رؤية تنموية وعمرانية حديثة تليق بها”.

كما أعلنت محافظة دمشق، في آذار الماضي، عن مخطط تنظيمي جديد باسم “باسيليا سيتي” جنوب المتحلق الجنوبي، الممتد إلى أحياء القدم وعسالي وشارع الثلاثين بمساحة 900 هكتار (ما يعادل تسعة ملايين متر مربع) ويبلغ عدد عقاراته أربعة آلاف عقار.

كما أعلن رئيس الحكومة، عماد خميس، في آذار الماضي، أن “الحكومة تعمل على تنفيذ مخطط عمراني جديد للغوطة يحقق التنمية العمرانية، بما يعوض من تضررت بيوتهم”.
الهدف من الهدم والترحيل

يرى المهندس المعماري الاستشاري مظهر شربجي، والذي كان يشغل رئيس شعبة المهندسين بريف دمشق، أن أبعاد الموضوع ظاهريًا هي دولة تحاول إزالة الأنقاض، ولكن ما لم يعلن عنه بالنسبة للقابون وداريا والسيدة زينب يندرج في إطار التغيير الديموغرافي، معتبرًا في حديث إلى عنب بلدي أن “الأسد بذلك يحاول أن يمسح إجرامه”.

المناطق التي شهدت معارك في داريا والقابون (الحي) مدمرة بنسبة كبيرة وهناك تغيير واضح في المعالم، إلا أنه في المناطق التي لم تشهد معارك ساخنة أو شهدت قصفًا بنسبة أقل، يسعى النظام لطمس معالم بعض الأبنية المتضررة جزئيًا بالقصف أمام الجهات الدولية المتخصصة بإعادة الإعمار، في حال دخلت إلى تلك المناطق لمعاينة الأضرار فيها، إذ تضطر بذلك لاعتماد مخططات التنظيمات الجديدة، بحسب شربجي.

وأوضح المهندس أن الأبنية في المناطق التي لا تخضع لخطط تنظيمية جديدة يبقي النظام على هويتها التنظيمية، أما بالنسبة للخاضعة لمخططات جديدة يحاول محو هويتها بشكل كامل، ما يسمح له العمل عليها برؤيته ومخططاته ودون أن يستطيع المواطنون إثبات ملكيتهم.

وقال شربجي إن ما يحصل هو خلق مخططات تنظيمية جديدة ضمن المنطقة المنظمة سابقًا، الأمر الذي يؤدي بدوره لضياع حقوق المواطنين في ملكياتهم، لأنهم لن يتمكنوا من إثباتها بسبب ضياع هويتها التنظيمية، فلكل بناء هويته التنظيمية ورخصته الخاصة، ولا أحد يعرف لمن سيكون هذا التنظيم الجديد أو ما ستكون عليه المنطقة تنظيميًا.

وبالنسبة للمنطقة الصناعية في القابون، فوفق شربجي، سيتم العمل فيها على “إزالة شيوع”، ما يعني إزالة المنطقة وتنظيمها بشكل جديد، ومن الممكن أن تصبح هذه المنطقة مجمعات حكومية أو حدائق عامة، وستزول بالتالي معها رخص أصحاب المعامل بالمنطقة الصناعية، وتخسر الأبنية هويتها في حال كانت منظمة، أما في حال كانت عشوائيات مسبقًا فلن يكون هناك تعويض لأصحابها.
السيدة زينب مثالًا

وضرب شربجي مثالًا بما حدث في حي السيدة زينب، إذ حولته الحكومة من مجلس قرية إلى مدينة، فرفع عدد الأعضاء العاملين في المجلس إلى 25 ليتساوى مع أعضاء مجلس مدينة دوما، مشيرًا إلى أن ذلك يعني اقتراح تنظيم جديد للمدينة، وأبدى تخوّفه من أن تصبح المنطقة بيد رجال أعمال إيرانيين، وخاصة أن هناك حول المقام في المنطقة أبنية مخالفات، ستعود ملكيتها لمواطنين جدد ضمن تخطيط عمراني في إطار “القانون رقم 10” بعد إزالة المنطقة.

وكان مجلس الوزراء أصدر القرار رقم 15221، بتاريخ 26 من أيلول 2011، يتضمن إحداث مجموعة من المدن وذلك بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية ومن ضمنها قرية السيدة زينب، وفق ما ذكرت صحيفة “الثورة” الحكومية”.

وضمن القرار الصادر أتبعت الحكومة لـ “مدينة” السيدة زينب مناطق حوش الشعير ونجها وخربة الورد والبحدلية (البهدلية محليًا) وعشائر، وتحولت القرية إلى مدينة بموجب القرار، وجرت فيها انتخابات الإدارة المحلية مؤخرًا على هذا الأساس، كما أجريت فيها انتخابات عقب القرار ولكن لم تصدر نتائجها.

ونقلت الصحيفة عام 2012، عن نائب رئيس المكتب التنفيذي في محافظة دمشق، راتب أبو عدس، أنه ضمن خطة تطوير الإدارة المحلية تم إحداث مدينة السيدة زينب بدلًا عن مجلس القرية، ويهدف القرار، وفق أبو عدس، إلى “تأمين خدمات أوسع للمواطنين”.

هذه التغييرات الإدارية والتفجيرات تصب في مصلحة “القانون رقم 10”، الصادر في 2 من نيسان الماضي، والذي ينص على “إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية”، والذي يتيح لوزارة الإدارة المحلية فرض مخططات تنظيمية جديدة في أي منطقة من سوريا.

“القانون رقم 10” مكمل لـ “المرسوم 66″، لكنه شمل كامل الأراضي السورية، إذ ينص على إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية بتكليف من وزارة الإدارة المحلية، التي قد تختار أي منطقة تريدها لفرض مخطط تنظيم جديد لها، دون العودة إلى المجالس المحلية.

ويعاب على القانون الجديد أنه جاء في وقت هجر فيه أكثر من نصف السوريين من بيوتهم، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، ما يعني أن الحكومة قد تستثمر غيابهم وفقدان أوراق ملكياتهم للاستحواذ على أملاكهم بطرق تعتبرها “قانونية”.

ويتخوف المواطنون من ألا تراعي آليات تنفيذ القانون ظروفهم، من حيث إخطارهم بالتنظيمات الجديدة، وقصر المدة المتاحة لتثبيت ملكياتهم، أو إمكانية ذلك أساسًا في ظل إدراج أسماء مئات الألوف منهم على قوائم المطلوبين للنظام السوري، وحرمانهم من تسيير المعاملات في مؤسسات الدولة.

ويتوقع أن تستهدف التنظيمات الجديدة أماكن كانت خارجة عن سيطرة النظام السوري، وتعرضت لدمار واسع، ما أجبر سكانها على النزوح، وهو ما ألمح إليه مجلس الوزراء باعتماده “خطة شاملة” لإعمار الغوطة الشرقية، بالتزامن مع إخلاء سكانها في آذار الماضي.

عنب بلدي – محمد حمص