أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » جواد العناني : رحلة في الولايات المتحدة

جواد العناني : رحلة في الولايات المتحدة

بعدما أنهيت دراسة الماجستير في شهر أغسطس/ آب عام 1970 في جامعة فاندريلت في ولاية تنيسي الأميركية، اشتَعَلت في الأردن حربٌ بين الجيش الأردني وقوات منظمة التحرير الفلسطينية.

وكانت الأخبار تبث حينها على شبكات التلفزة الأميركية من أعلى نقطة في العاصمة عمّان آنذاك، وهي الطابق العلوي في فندق الأردن/ إنتركونتيننتال.

ولمّا كان بيت الأسرة في كادر عدسة الكاميرات، فقد شاهدت، بذعر شديد، القذائف باتجاهين، تمر بجانب منزلنا على الدوار الثاني في جبل عمان، أو تضربه فترى الحجارة تسقط منه، وحيث إن وسائل الاتصال الهاتفي عام 1970 لم تكن فعالة، وقعتُ في رعب شديد.

وبقي حالي من التوتر والخوف والترقب في أعلى درجاته، حتى وصلت إلي رسالة من أهلي، يعلمونني فيها أن أخي المرحوم عزام، والذي أنهى ذلك العام دراسة الهندسة في جامعة عين شمس، قد سافر إلى عمّان، وأجبر أهلي على الرحيل معه إلى بيروت. حينها فقط اطمأن بالي.

رأيت حينها أن أستفيد من بقائي في الولايات المتحدة ثلاثة أشهر، حتى بداية الفصل الثاني لأبدأ الدراسة والعمل معيدا في الجامعة بغية الحصول على الدكتوراه، فقرّرت أن أسافر، عبر الولايات المتحدة، متنقلاً من بلد إلى آخر، ومن جامعةٍ إلى أخرى، حتى أعرف سر نجاح اقتصاد ذلك البلد، وتفوّقه، وقوته.

بالطبع، لم تأتني الفكرة من فراغ، بل من كتاب أبي الاقتصاد الحديث، آدم سميث، “بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم”، والمعروف باسم ثروة الأمم. وقد وضع آدم سميث هذا الكتاب بعدما أمضى ثلاث سنوات متنقلاً في أوروبا، دارساً باحثاً ومستقصياً. والتقى خلالها مع الفيلسوف الفرنسي فولتير، وتأثر بفكره إلى حد كبير.

قمت بتلك الرحلة الرائعة، وسوف أشارك القراء فيها، فالولايات المتحدة التي تبلغ مساحة ولاياتها الـ 48 المتجاورة، بالإضافة إلى ولايتي ألاسكا وهاواي البعيدتين تساوي مساحة الوطن العربي. وفيها مثلما عندنا صحارٍ ووهاد وجبال ووديان وأنهار وبحيرات وأبحر.

وحتى الولايات الغنية فيها بالخضرة والمياه باردة جداً، ولا يعد سكّانها إلا بمئات الآلاف (مونتانا، وإيومنغ)، أو بعدة ملايين (مينيسوتا، ساوث داكوتا، نورث داكوتا). أي أن التحدّي الجغرافي والمناخي فيها لا يقل عن التحدي المقابل في الوطن العربي.

وكذلك، إذا قورنت الولايات المتحدة بالبرازيل، فإن الاثنتين ليستا متباعدتين في الموارد الطبيعية. فالبرازيل فيها الأمازون، والولايات المتحدة فيها الميسيسبي، وهنالك غابات الأمازون، والمحيط الأطلسي، والموارد الطبيعية الجمّة. فلماذا تفوّقت الولايات المتحدة اقتصادياً على البرازيل بعشرات المرات؟

السؤال: كيف تكوّن الأمم ثرواتها. واليكم بعض ملاحظات شاب في الخامسة والعشرين من عمره بعد رحلته داخل الولايات المتحدة.

يأخذ معظم من قابلتهم عام 1970، في أثناء تجوالي في الولايات المتحدة، عملهم على محمل الجد، بغض النظر عن مستواه. وقد رأيت في إحدى بنايات القسم الداخلي في جامعة ماري لاند في مدينة “كوليج بارك” رجلاً يطرد شاباً من العمل، لأنه لم ينظف الحمامات بالشكل المطلوب، وأخبره أنه قد أعطاه إنذارين في السابق، لكنه لم يتّعظ. وعلى الرغم من رجاء الشاب وتوسّله، رفض رئيسه أن يعيده إلى العمل.

ومررتُ بجبال بلو ريدج في ولاية فرجينيا على لوحة تقول “إذا أردت إفطاراً منزلياً فادخل من هنا”، وخاطرت ودخلت من بوابةٍ مصنوعةٍ من جذعي شجرة كعمودين، وجذع شجرة ثالث مرفوع بشكل أفقي فوق العمودين.

وتحملت سيارة الفولكسفاغن الصغيرة عناء الرحلة الطويلة التي امتدت أكثر من ستة أميال، لم أر خلالها إلا نور الشمس يسطع على الأشجار، فيحيلها إلى لوحة “السيلوويت” رائعة الجمال.

وفجأةً رأيت نفسي أمام مبنىً جميل. ودخلت إلى المطعم، فاستقبلني رجلٌ مقعد على كرسيٍّ متحرّك، وأعد لي بنفسه إفطاراً رائعاً من البيض المقلي، والبطاطا المبشورة، والقهوة الطازجة، والخبز المحمّص، والعسل الصافي.

وسألني هل قصدت أن تأتي إلى المكان، أم أن المصادفة هي التي جلبتك، فقلت له إنني قرأت مصادفةً اللوحة على الطريق الرئيسي.

قال أنا وابنتي المشلولة بنينا هذا المطعم، وثماني غرف نوم للإيجار من الأشياء التي لقيناها في الغابة. لم نشترِ شيئاً إلا الأسلاك واللمبات الكهربائية والدهان. أما كل شيء آخر من أثاث، وبلاط، وطاولات، وكراسي، وثريّات فقد صنعناه بأيدينا.
ودخلت إلى الغرف، فوجدتها جميلة، وفيها لوحات فنية مرسومة على حائط كل غرفةٍ رسمتها ابنته المشلولة. لم يطلب هذا الجندي المتقاعد المجروح في الحرب تعويضاتٍ ولا مساعدات، بل شمّر عن ساعديه، وبنى البيئة ونظفها، وحوًل قمامتها إلى شيء جميل.

ومررت في أثناء تجوالي في أحد فروع “ماكدونالد” لمّا وصلت إلى حالة شبه إفلاس، وقرّرت الاكتفاء بفنجان قهوة وهامبرغر صغير.

ولفت نظري أن طالباً في الثانوية لا يتجاوز عمره 17 سنة، كان يحاضر في مجموعةٍ من طالبي الوظيفة في المطعم عن أسلوب الخدمة، وأخذ الطلبات، وتقديم الطلبات ساعة الازدحام، وساعة قلة الزبائن، وفي المساء وفي الصباح. وسألهم عن الوسيلة الأفضل لخدمة العملاء بفاعليةٍ، حينما يكون المكان مزدحماً. هل يقوم كل واحد منكم بأخذ الطلبات، وتقديمها للزبون ومحاسبته، أم الأفضل أن يأخذ واحد الطلبات، ويضعها آخر على الصواني، ويقوم آخر بالمحاسبة؟

طبعاً الخيار الثاني هو الأفضل، لأنه يطبّق مفهوم “خط الانتاج” الذي مكّن هنري فورد من زيادة إنتاج السيارات في ثلاثينات القرن الماضي، وبيعها بأسعار زهيدة.

ولمّا وصلت إلى أطراف مدينة البوكيركي في ولاية نيومكسيكو، كنت قد أفلستُ تماماً، فوجدت سيدةً قد أقامت في ساحة بيتها ما يسمّيه الأميركان غراج سيل، garage sale، حيث يعرضون الأشياء القديمة من ملابس ولُعب وأثاث للبيع بأسعار زهيدة. فوقفت أتفرّج، حين بدأت السيدة تشتكي من أنها خفضت الأسعار، لم تبع شيئاً، فقرّرت أن أتعهد لها ببيع كل ما لديها مقابل 150 دولاراً، ووافقت.

وحاولت أن أجلب الزبائن لكن بدون فائدة. وتذكّرت أنني أحمل في صندوق السيارة عباءة وشماغاً وعقالاً. فلبستها، وبعت كل الأغراض بثلاثمائة دولار، وحصلت على دولارٍ عن كل صورة أخذوها معي. وخرجت ومعي 250 دولارا في ساعتين.

أبدع الأميركان في الإدارة، والأمانة في العمل، وأتقنوا فن التسويق والدعاية، واهتموا بالشباب وبالمبادرة، وجعلوا بلادهم في عام 1970 منارة للعلم، والخدمات الفعّالة، والبنى التحتية المتميزة، والمنافسة المفتوحة، والانفتاح على الآخر، هذا ما بنى ثروتهم، وإن أبدع منهم واحدٌ شجعوه من دون الالتفات إلى أصله وفصله.

أما الآن، فإن الخطر الحقيقي الذي ينتظرها هو هذا التراجع الخلقي، والانقسام السياسي الحاد، واحتدام الخلاف إلى درجة التراشق بالشتائم.

هذا لن يبني ثروة أميركا، بل سيأكل منها كما قال بول كيندي في كتابه الشهير “نهوض القوى العظمى وسقوطها”: إذا خاضت الدول حروباً لا طائل منها تجعل كلفتها حيال العالم أكبر من مردودها، فإنها تبدأ رحلة السقوط.

جواد العناني



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع