أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » تونس بعد الثورة؛ أزمة نظام سياسي أم أزمة حكم / الكاتب: أسامة محمود آغي

تونس بعد الثورة؛ أزمة نظام سياسي أم أزمة حكم / الكاتب: أسامة محمود آغي

الكاتب: أسامة محمود آغي

يبدو أنّ النار التي اشتعلت في جسد محمد البوعزيزي لم يصل لهيبها الحقيقي إلى عمق بنية النظام السياسي التونسي الذي يحكم البلاد منذ استقلالها عن الاحتلال الفرنسي.

فالنظام السياسي القديم ما يزال يشغل مساحةً كبيرةً ومهمةً في حياة البلاد، على الرغم من أنه لم يُجرِ تطويراً حقيقياً وتنميةً ملموسة لواقع حياة التونسيين.

الثورة التونسية هي الأخرى لم تستطع أن تفكك بنية النظام السياسي القديم، فهي لم تتشكل على قاعدة صراعٍ حقيقي بين طبقة مسيطرة تنهب البلاد وطبقات شعبية منهوبة ومقهورة تريد إقامة نظام سياسي يعبّر عن مصلحة الفئات الاجتماعية التونسية جميعها. لقد “مرّت تونس بمراحل عدة منذ استقلالها عن فرنسا عام 1956، من حكم الحبيب بورقيبة الذي يصفه معارضوه بالشمولي، إلى حكم زين العابدين بن علي الذي وُصفَ هو الآخر بالدكتاتوري والقمعي، وصولاً إلى ما بعد الثورة التونسية[1]“.

تونس دولة عربية أفريقية تُعرفُ باسم “الجمهورية التونسية” وعاصمتها مدينة تونس، نظام الحكم فيها جمهوري برلماني، وتشغلُ مساحةً تقدّر بـ 163.610 كم2 وعدد سكان بحسب احصاءات عام 2014 بلغ 10.98 مليون نسمة من الأمازيغيين والأتراك والزنوج الأفارقة والصقليين والعرب الشرقيين والأندلسيين، لغتاها العربية والأمازيغية”[2].

الثورة والبحث عن الضرورة

يمكن اعتبار تاريخ 25 يوليو/ تموز عام 1957 -وهو تاريخ إعلان تونس جمهورية- بداية لتأسيس حكم شمولي أسس له أول رئيس للجمهورية وهو الحبيب بورقيبة، فمنذ بداية حكمه عمل بورقيبة على تحطيم المعارضة السياسية “وقد شهدت سنوات حكمه الأولى صراعاً عنيفاً مع “اليوسفيين” نسبة إلى صالح بن يوسف أحد زعماء الحركة الوطنية الذي اغتيل في فرانكفورت في ألمانيا عام 1961″[3].

تعدّدت فصول حرب بورقيبة على المعارضة التونسية، فجمّد نشاط الحزب الشيوعي التونسي عام 1962، وبعد تمكنه من إزاحة الشيوعيين من ساحة العمل السياسي حارب بورقيبة الإسلاميين الذين تمثلهم حركة الاتجاه الإسلامي التي غيّرت اسمها لاحقاً لتصبح “حركة النهضة”.

حرب بورقيبة على التيارين الرئيسين في البلاد (اليسار التونسي والإسلام السياسي التونسي) أسّست فعلياً لنظام حكم الحزب الواحد، إذ ألغى الحريات السياسية في البلاد، وفرض رقابة صارمة على الإعلام، ثم عمل على تعديل الدستور في 27 ديسمبر/ كانون الأول عام 1974، ليتسنى له البقاء في منصب الرئاسة مدى الحياة.

تونس التي سُحقت قواها السياسية لم تستكن لدكتاتورية الحبيب بورقيبة، فعلى الرغم من أنه أقرّ مجانية التعليم وإجباريته، وأقر بضعة إجراءات منها منع تعدد الزوجات وتشريع التبني، إلا أنه واجه سلسلة اضطرابات اجتماعية بدءًا من عام 1977 حتى نهاية حكمه عام 1987، ولعلّ “ثورة الخبز “في 3 يناير/ كانون الثاني 1984 كانت أشهر التظاهرات التي شكّلت تهديداً حقيقياً لبقاء نظام بورقيبة.

هذه التظاهرات كان قد سبقها قبل ستة أعوام أحداث سُمّيت أحداث “الخميس الأسود”، وقعت هذه الأحداث في 26 يناير/ كانون الثاني عام 1978، عندما خرج آلاف النقابيين من مختلف القطاعات في مسيرات احتجاج على الأوضاع المتردية، سبقها وصاحبها إضراب عام دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يطالب ببسط الحريات والحقوق العمالية، ويرفض توجهات نظام الرئيس بورقيبة السياسية والاقتصادية القاضية بالانفتاح الاقتصادي”[4].

حكم بورقيبة الممتد طوال ثلاثين عاماً لم يستطع إنجاز مهمات المرحلة الوطنية الديمقراطية، أي المهمات التي تفضي إلى النهوض بالاقتصاد الوطني واستقلاله النسبي وما يترتب على ذلك من إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية بما يخدم عملية التطور العام، ولذلك بقي الاقتصاد التونسي اقتصاداً ريعياً يعتمد على تصدير الثروات الباطنية بأسعار مجهولة، وعبر علاقات غير شفافة تؤدي إلى ثراء الرئيس والبطانة المحيطة به.

سياسة الحبيب بورقيبة ووضعه الصحي وتقدمه في العمر كثيراً؛ عوامل ساعدت على إزاحته من السلطة بانقلاب أبيض قاده زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987.

حكم بن علي لم يختلف عن حكم سلفه بورقيبة، فقد انتهج الأول منذ البداية سياسة مطاردة القوى السياسية الإسلامية واليسارية على حدٍ سواء وسحقها. وعمل على إحكام قبضته على وسائل الإعلام وتحديداً الصحافة، وكذلك وضع يده على نشاط النقابات المختلفة.

انفتاح نظام حكم زين العابدين بن علي على الغرب (أوروبا والولايات المتحدة) وعقد اتفاقات سياسية واقتصادية كانت الغاية منه صرف نظر الغرب عن سياسة الاستبداد والقمع السياسي التي يمارسها مع معارضيه.

فالنظام كان يرفض أن يخطو خطوات حقيقية باتجاه التعددية السياسية وحرية الصحافة ونشاط المجتمع المدني، ومن ثم كان يدأب على ترسيخ حكم “الحزب الواحد”.

نهجَ بن علي طريق سلفه بورقيبة في تعديل الدستور بما يخدم بقاءه في الرئاسة، فرفع السن القانونية القصوى للترشح للانتخابات الرئاسية إلى 75 عاماً بدلاً من 70 عاماً، وألغى حد الولايات الرئاسية الثلاث.

إذاً يمكن القول إن نظام حكم زين العابدين بن علي هو امتداد زمني لحكم بورقيبة، وهو نظام سياسي واحد عجز عن النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك صار يشكّل عائقاً حقيقياً أمام مصالح أغلب الشعب التونسي، باعتباره طرفاً معادياً لمصالح هذا الشعب، وذلك من خلال إشاعته لنهب الثروات الباطنية، وتعميم الفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة، وبما يخدم النظام وبطانته الضيقة.

فشلُ النظام السياسي التونسي في عهدي بورقيبة وبن علي مهّد فعلياً لتراكمات وعي اجتماعي لدى فئات واسعة من الشعب التونسي، هذا الوعي ارتكز فعلياً على الإحساس بالقهر والغبن والمهانة الوطنية، لكن هذا الوعي لم يكن عميقاً إلى درجة يُدرك من خلالها أن البلاد بحاجة إلى تفكيك بنية النظام السابق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وهذا لم يحدث، ما سهّل عودة الحرس القديم إلى السلطة مرةً ثانية عبر صيغة جديدة.

الأحزاب والحركات السياسية بعد الثورة

حين أضرم محمد البوعزيزي النار بجسده في 17 ديسمبر/ كانون الأول عام 2010 كان يقوم بإضرام النار في روح الشعب التونسي الرافض لتردي الأوضاع وتفشي البطالة وغياب العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد في عموم بنية النظام الحاكم؛ شرارة احتراق البوعزيزي فتحت البلاد على أوسع نطاقٍ لتظاهرات عارمة، سقط نتيجتها مئات الشهداء والجرحى، ما دفع بالجيش التونسي إلى إجبار الرئيس بن علي على مغادرة البلاد ريثما تجري عملية ضبط الأوضاع الأمنية المنفلتة، ومنعاً لفراغ سياسي تولّى فؤاد المبزع -وهو رئيس مجلس النواب آنذاك- منصب رئيس جمهورية بالوكالة إلى حين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

شهدت البلاد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2011 (البرلمان المؤقت)، وهو الهيئة المكلفة بكتابة دستور جديد لتونس.

أسفرت الانتخابات عن فوز حركة النهضة وهي حركة إسلامية، وانتخب البرلمان المؤقت المنصف المرزوقي رئيساً مؤقتاً للبلاد.

كشفت الثورة التونسية غياباً حقيقياً لفاعلية الأحزاب التي كانت موجودة قبل الثورة، هذا الضعف له أسبابه الموضوعية والذاتية؛ من أسبابه الموضوعية قمع السلطة الشديد لأي نشاط سياسي خارج حزب التجمع الدستوري الحاكم، كان هذا الحزب يحتكر العمل السياسي من خلال غياب قوانين تسمح بتشكيل الأحزاب، ولهذا يمكن القول إنه “منذ بداية تشكّل الأحزاب السياسية بُعيد ثورة 14 يناير/ كانون الثاني 2011 كان التفكك والتلاشي من أبرز سمات المشهد السياسي التونسي، مع تنامي حدّة الصراع على الحكم وعلى قيادة الأحزاب، وقد شهدت تونس منذ الثورة تعاقب خمس حكومات مختلفة التوجهات الحزبية نتيجة الفوضى الاقتصادية والأمنية والسياسية[5]“.

تونس التي شهدت تشكيل عشرات الأحزاب والتيارات السياسية تُظهر أن البنى الاجتماعية التونسية لم تقدر على تشكيل روافعها السياسية الحقيقية، وهذا ناتج من عجز بنيوي سببه النظام السياسي الحاكم القديم، حين حجب عن البلاد حياةً سياسيةً طبيعيةً بعد الاستقلال، عجز هذا النظام السياسي في جانب آخر عن إدارة اقتصاد البلاد، وعن رسم استراتيجية تنمية حقيقية.

الثورة التونسية كانت فعلياً ثورة عموم الشعب التونسي الطامح إلى الخلاص من نظام الاستبداد والقهر، ولكن هذه الثورة لم تستطع بلورة اتجاه سياسي حقيقي لها حتى اللحظة، فالأحزاب كحركة النهضة أو قلة من الأحزاب الأخرة الأخرى لا تمتلك برامج سياسية واقتصادية استراتيجية تعمل على النهوض بالبلاد من واقعها الحالي “اقتصاد ريعي – نمو اقتصادي ضعيف”، هذه الحالة منعت استقطاب الأحزاب للقوى الشعبية، وأظهرتها بمظهر العاجز عن حمل برامج التغيير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ولهذا بدت الأحزاب أقرب إلى حالة تنافسٍ نخبوي منفصلٍ عن جسد المجتمع التونسي.

حركة النهضة أيديولوجياً وسياسياً

تعتبر حركة النهضة التونسية تياراً سياسياً إسلامياً يستلهم أفكاره من مفكرين إسلاميين مثل مالك بني نبي وعلّال الفاسي وسيّد قطب، لكن هذه الحركة أجرت تطويراً على نهجها الفكري وباتت تشبه إلى درجة ما حزب العدالة والتنمية التركي.

حركة النهضة هي “حركة إسلامية تونسية أُسست عام 1972 باسم “الجماعة الإسلامية” ثم غيّرت اسمها عام 1989 إلى “حركة النهضة”[6]. وقد أتى في البيان التأسيسي لحركة النهضة أنها ذات مرجعية إسلامية، تسعى إلى تحقيق جملة أهداف منها وحدة المغرب العربي كخطوةٍ باتجاه تحقيق الوحدة العربية، فالوحدة الإسلامية، وتحرير فلسطين.

وقد بيّنت أهداف الحركة أنّ بعث الشخصية الإسلامية في تونس وتجديد الفكر الإسلامي، والسعي إلى تمكّن الشعب التونسي من الوصول إلى حقّه في تقرير مصيره، وضمان تنمية اقتصادية عادلة، هي أهداف تعمل على تحقيقها.

لم يغب عن الحركة أن تعلن أنها تعمل من أجل تداول سلمي للسلطة وفق مبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة، ونبذ العنف والقبول بقانون الأحوال الشخصية التونسي الذي يمنح حقوقاً واسعة للمرأة التونسية.

النشاط الأيديولوجي لحركة النهضة تمثّل في النشاط الدعوي من خلال حلقات تثقيفية ضمن المساجد، إضافة إلى النشاط ضمن جمعيات المحافظة على القرآن الكريم، هذا النشاط الأيديولوجي فُصِل عن النشاط السياسي للحركة بدءًا من المؤتمر العاشر لها الذي انعقد في أواخر مايو/ أيار 2016.

لكنّ حركة النهضة كانت تفتقد -وما تزال- إلى برنامج عمل اقتصادي استراتيجي، فهي طوال وجودها قبل الثورة أو بعد الثورة تبني نشاطها على قاعدة “مظلوميتها السياسية” التي وجدت طيفاً شعبياً واسعاً يحتضنها على أمل تغيير الواقع التونسي، والنهوض بأعباء التنمية، لكن هذه “المظلومية السياسية” استنفدت نتائجها بعد انخراط حركة النهضة في قيادة البلاد، وفشلها في تقديم برنامج تنمية حقيقية.

حزب نداء تونس؛ الدور والوظيفة

يعتبر حزب نداء تونس وجهاً جديداً لحزب التجمع الدستوري المنحل الذي حكم تونس طوال مرحلتي حكم بورقيبة وزين العابدين بن علي، وهذا الحزب هو أقرب إلى مفهوم “مجموعات الضغط السياسي” منه إلى بنية حزبٍ سياسي حقيقي، فالأحزاب السياسية هي تجمعات ذات ارتباط تنظيمي ووظيفي على قاعدة رؤية أيديولوجية محددة وواضحة تشكّل هوية فكرية وسياسية، هذه الشروط المحددة لتشكل الأحزاب باعتبارها تمثيلات فئوية سياسية وطبقية لا تتوافر في حزب نداء تونس أو في كثير من الأحزاب التي نشأت بعد قيام الثورة.

إنّ حزب “نداء تونس ظهر بعد صعود الإسلام السياسي (حركة النهضة وحلفائها) إلى الحكم بعد انتخابات عام 2011، وهو ما أثار رغبة لدى قوى مختلفة وأصحاب مصالح ورجال أعمال وقوى إعلامية نافذة إلى الدفع نحو تأسيس قوة حزبية قادرة على إطاحة خصمٍ سياسي من دون التفكير بطبيعة هذا الحزب (غياب الرؤية الفكرية) أو طرائق عمله وبنيته (غياب قانون أساسي) أو حتى غاياته وأهدافه[7]“. إذاً يمكن اعتبار حزب نداء تونس تجمعاً سياسياً لقوى شعرت بتهديد مصالحها الاقتصادية والسياسية من فئات سياسية صاعدة مثل حركة النهضة، هذه المصالح بُنيت بالأساس وعبر تاريخ حكمي بورقيبة وبن علي على آليات فساد سياسي ومالي واقتصادي، وقد ارتكز هذا الفساد على تقديم خدمات لشركات أجنبية تعمل من دون شروطٍ واضحة أو قانونية في استثمار ثروات البلاد من الفوسفات والملح والتنقيب عن النفط.

إنّ حزب نداء تونس هو تجمع حول شخصية الرئيس الباجي قائد السبسي الذي يعتبر ابناً شرعياً لنظام حكم بورقيبة الشمولي وأحد أعمدته، ولهذا تجد الصراعات داخل هذا الحزب شديدة بين مراكز القوى فيه، ما يُضعف -إلى جانب غياب برنامج فكري وسياسي- فاعلية هذا الحزب في المديين القريب والأوسط، يعيش حزب نداء تونس خلافات عميقة مع الحكومة التي تمثله، وهذا يشير إلى تفكك تمثيل فئات اجتماعية تستفيد من هذا الحكم، ما يرتب لاحقاً مزيداً من العجز السياسي في بنية المجتمع التونسي، وكذلك يؤثر في أداء الدولة، لأن الدولة ما تزال تحت قيادة هذا الحزب.

إنّ أزمة حزب نداء تونس هي في عمقها تكثيف لأزمة النظام السياسي التونسي المتوارثة منذ أن اعتلى الحبيب بورقيبة سدّة الحكم بعد الاستقلال.

استمرار الأزمة السياسية التونسية ليس مصدرها الوحيد أزمة حزب نداء تونس، وإنما وضع كثير من الأحزاب ذات الوجود السياسي التي تعاني حالة شللٍ فعلي في مستوى نشاطها السياسي بين فئات المجتمع، إضافة إلى غياب القدرات التنظيمية التي تساعد على بناء علاقات مع الجماهير الشعبية.

لقد جرّب التونسيون حكم حركة النهضة، وجرّبوا حكم حزب نداء تونس، واكتشفوا أن تصويتهم سابقاً لهذين الحزبين لم يساعد على تغيير الوضع الاقتصادي والمعيشي في البلاد، ولم ينهِ حالة الفساد الفعلية في الدولة التي ما تزال تخضع لسيطرة القوى المناهضة لكل تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية حقيقية.

التنمية الاقتصادية وشروطها

لقد مرّت سبع سنوات على تغيير نظام حكم زين العابدين بن علي ولم تتغير أحوال التونسيين الاقتصادية والاجتماعية، فكأن التغيير لامس قشرة البنية السياسية، ولم يلامس عمق هذه البنية.

إنّ مؤشرات تنمية اقتصادية حقيقية في البلاد لم تظهر بعد، وهذا ما تكشفه أرقام المعدلات الرسمية؛ إنّ “معدل النمو منخفض إلى حدٍ يتعذر معه تقليص البطالة تقليصاً ملموساً في ظلّ تزايد العجز في كلٍ من الموازنة والحساب الجاري”[8]. فما الأسباب الحقيقية التي ستؤدي إلى وجود تنمية اقتصادية في البلاد؟.

هذا الأمر يعود إلى طبيعة الاقتصاد التونسي وكيفية إدارته، والاستراتيجيات المرسومة له.

ما يزال الاقتصاد التونسي يندرج تحت بند اقتصاد ريعي، أي اقتصاد لا يقوم على قاعدة إنتاج السلع الصناعية والزراعية، وإنما يقوم على تصدير منتجات خام كالفوسفات والملح عن طريق شركات أجنبية تمتلك حقوقاً مجحفة بحق ثروات الشعب التونسي، إضافة إلى غياب أرقام الإنتاج الحقيقية عن رقابة المؤسسات الوطنية. ولهذا تبدو التنمية الاقتصادية في تونس حاجة ملحة لمنع انفجار جديد في المجتمع، على أن تقوم بدراسة شروط التنمية ونجاعتها جهات اقتصادية مستقلة ذات خبرات تضع برنامج تنمية حقيقي يقوم على ما توفره الثروات الوطنية سواءً الطبيعية منها أم البشرية، ووضع استراتيجية لاستثمارها بصورةٍ شفافة وحقيقية ضمن رقابة صارمة من مؤسسات المجتمع والدولة.

التنمية الاقتصادية لا تتحقق بغير وجود برنامج عمل اقتصادي استراتيجي، وهو برنامج في جوهره يُبنى على مقدرات فئات المجتمع التونسي كلها، ويقوم بتوظيف هذه المقدرات خارج مفهوم البراغماتية السياسية، وخارج نطاق الحزبوية الضيقة، وخارج أطر بنية نظام الحكم السابق التي امتهنت الفساد ونهب البلاد.

لذلك لا يمكن لحركة النهضة النهوض بالاقتصاد الوطني من دون مراجعةٍ فكرية سياسيةٍ عميقة، تنزع عنها ضيقها الأيديولوجي لتنفتح على محيطها الوطني الأوسع، أما حزب نداء تونس فهو لا يستطيع بناء تونس التي خربها سابقاً بصيغته السابقة “حزب التجمع الدستوري الديمقراطي”.

ولعلّ حاجة تونس إلى التغيير الاقتصادي والاجتماعي ستفرض حالة جديدة في المدى القريب من خلال تنبه القوى الاقتصادية إلى واقع حالها والعمل على تشكيل رافعة عمل سياسي تُعبّر عنها وعن مصالحها الوطنية من خلال برنامج بناءٍ اقتصادي صناعي وزراعي، تحميه القوانين الوطنية ويؤدي إلى تراكم الثروة الناجمة عن هذا البناء.

الصراع بين “النداء” و”النهضة” وآفاقه

تبدو الخريطة السياسية التونسية موزعة بين اتجاهين رئيسين هما حزب نداء تونس الذي يمثل العودة السياسية إلى القوى السابقة التي كانت تنضوي تحت لواء الحكم الشمولي الذي مثّله عهد الحبيب بورقيبة، وخلفه زين العابدين بن علي، وحركة النهضة الإسلامية التي تشهد تنامياً لحدة الصراع في داخلها بين الجناح المعتدل الذي يقوده راشد الغنوشي، والجناح المتشدد الذي يقوده حمادي الجبالي، الصراع بين الجناحين يتركز حول عددٍ من القرارات السياسية.

هذا الصراع بين حزب نداء تونس وحركة النهضة هو صراع يؤخر عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ويُنذر بتحوله إلى صراع ينتقل من إطاره السياسي إلى إطار عنفي إن لم يحترم الطرفان قواعد اللعبة الديمقراطية.

لقد اعتبر راشد الغنوشي أنّ حزب نداء تونس هو امتداد لحزب زين العابدين بن علي، وهو “أخطر على الثورة التونسية من السلفيين المتشددين، ولهذا اعتمدت حركة النهضة شعاراً يقول: “لا رجوع لا رجوع إلى عصابة المخلوع”.

وقد ردّ الباجي قائد السبسي: “أوجّه نداءً إلى المواطنين وأفهمهم، وأقول لهم إن حركة النهضة أصبحت أخطر على البلاد، وإن أمنكم لم يعد مضموناً”[9].

هذا الصراع الحاد بين الطرفين، وغياب فاعلية أحزاب تونسية أخرى تنهض باتجاه تحقيق التنمية، وهي الشرط الرئيس لامتصاص النقمة الشعبية، ينذر بتفجر بنية النظام السياسي التونسي برمته، وهي ليست أزمة حكم وإنما أزمة بنى سياسية ما تزال غير قادرة على اشتقاق دورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي من المصالح الحقيقية الواسعة للتونسيين.

هذا الصراع السياسي قد يفتح المجال بصورة ضعيفة لقوى سياسية لم تتبوأ من قبل قيادة الدولة، وهذا احتمال وارد في ما لو تشكل في البلاد ائتلاف عمل وطني حقيقي خارج إطار التيارين الرئيسين المتصارعين، ائتلاف بين قوى وأحزاب تجمعها رؤى وطنية ديمقراطية حول بناء تونس جديدة.

[1] www.aljazeera.net تونس بين بورقيبة لما بعد الثورة 9/2/ 2017.

[2] Mawdoo3.com مساحو تونس وعدد سكانها، 7/12/2016 تحديث سميحة ناصر الخلف.

[3] www.aljazeera.net تونس بين بورقيبة لما بعد الثورة 9/2/2017.

[4] المصدر السابق.

[5] www.alaraby.co.uk 17/1/2016، خولة العشي، انشقاقات الأحزاب التونسية منذ الثورة تحالفات على ورق.

[6] www.aljazeera.net حركة النهضة 24/6/2014.

[7] www.alwatan.com أزمة في النظام السياسي التونسي 14/ 3/ 2017.

[8] www. Albankaldawli.org أبريل/ نيسان 2017.

[9] www.aljazeera.net نداء تونس 8/11/2014.

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.