أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » غازي دحمان : عن زوّار الأسد

غازي دحمان : عن زوّار الأسد

زيارة بشار الأسد بالنسبة لأصحابها مثل زيارة الأولياء وأصحاب الكرامات، حيث يزورهم الناس وقت الأزمات، عندما يكونون في “ضيقة”، ويمرّون بأوقاتٍ حرجة وصعبة، يذهبون إليهم علّ تلك الزيارة تساهم في فكّ أزمتهم، وإنهاء محنتهم، وعادة ما يعتبر هذا السلوك الورقة الأخيرة لدى أصحابه، بعد أن جرّبوا كلّ الطرق الأخرى من دون نفع.

منذ بداية الثورة السورية، أو بلغةٍ أدق، منذ بداية حرب نظام الأسد على الشعب السوري، وتحديداً بعد ضربه غوطة دمشق بالكيميائي (2013)، وقتل آلاف المدنيين، بدأت تبرز ظاهرة تقاطر شخصياتٍ فنيةٍ وثقافيةٍ ونقابيةٍ وحزبيةٍ.. لزيارة الدكتاتور، بشار الأسد، والالتقاء به. وفي الغالب كانت تلك الشخصيات والوفود قادمة من بلاد عربية، ولعلّ أحدث تلك الزيارات، زيارة الفنان الشعبي المصري، شعبان عبد الرحيم، المعروف باسم شعبولا.

يتميز غالبية زوّار بشار الأسد بأنهم شخصيات معروفة، وكانوا قبل عقد أو عقدين محسوبين على خانة المشاهير والنجوم، غير أنّ الأحوال تبدّلت لديهم، وباتوا، بأغلبهم، إنْ لم يكن جميعهم، مهمّشين وشبه عاطلين من العمل، لفظتهم الشاشات والمنابر والمهرجانات والأضواء، أو أصبحوا غير فاعلين ضمن أطرهم الحزبية والنقابية، أو ربّما لا يزالون في مناصبهم، لكن بدون أضواء، وبدون أيّ اهتمام خاص بهم، أي فقدوا كل أهمية لهم.

وبالعودة إلى تاريخ هؤلاء، ستجد أنّهم حاولوا، في السنوات الأخيرة، وجاهدوا للخروج من وضعية التهميش التي انحدروا إليها، لكن المتغيرات الهائلة على صعيد المهنة، والمزاج العام، والتطورات التكنولوجية، بالنسبة للفنانين والمثقفين، أو التغيّر في الاهتمامات السياسية والقدرة على مجاراة الرأي العام، بالنسبة للحزبين والنقابيين، فرضت على هؤلاء التهميش، وكبّلت أيديهم ومنعتهم من الخروج من هذه الوضعية القاتلة.

حسناً، ما علاقة هذا الأمر بزيارة بشار الأسد؟ من المعلوم انّ الأسد يرأس دولة مفلسة،
وبالتالي ليس لديه ما يقدّمه لهم، لإخراجهم من أزماتهم، كما أنّه ليس الزعيم الجنوب أفريقي، نيلسون مانديلا، ولا الزعيم الفلسطيني، ياسر عرفات، حتى يمنحهم اللقاء به صفة الأحرار والمناضلين، فليس بشار الأسد أكثر من دكتاتور قاتل، وشخصية انبطاحية أمام إسرائيل، وفوق هذا وذاك فاسد أدار هو وأقرباؤه عمليات اختلاسٍ هائلة، وشكّل ثرواتٍ ضخمة فضحتها وثائق بنما الشهيرة، ما يعني باختصار أنّ لقاء شخصيات فنية وثقافية واجتماعية به هو فضيحة من العيار الثقيل، وهو حسم من أرصدتهم لدى جماهيرهم، وليس مكسباً أبداً!

التفسير الأقرب لهذه الظاهرة، وبعد دراسة غالبية حالاتها، أنّ هؤلاء الأشخاص وصلوا إلى درجة اليأس من إمكانية تعديل ظروفهم وأوضاعهم، وأنّ القطار فاتهم، والتغييرات تجاوزتهم، ولم يعد ممكناً بالنسبة لهم استعادة أي شيءٍ من بريقهم السابق، وفي الوقت نفسه، هم أشخاص طموحون، لا تزال طموحاتهم للشهرة والثروة تحرّكهم، لكنهم عاجزون عن الخروج من هذا الواقع الذي أوصلهم إلى الدرك الأسفل، وهم بحاجة لأن يتذكّرهم الجمهور والمنتجون والتلفزيونات والبرامج، بعد أن أغلقت كل الأبواب في وجوههم.

في هذه الحالة، لا يبقى أمامهم سوى الإقدام على فعل صادم، أو سلوك غير عادي، يشبه إلى حد بعيد التعرّي في ساحةٍ عامة للفت نظر الناس، وهم عندما يذهبون لزيارة بشار الأسد، ليس في بالهم دعمه ولا مساندته، بقدر أنّ هدفهم يتمثّل في استغلاله جسر عبور للوصول إلى الفعل الصادم، واستثمار كلّ رمزيته القذرة، وطاقة البشاعة الهائلة التي يمتلكها، لشحن فعلتهم بمزيدٍ من التحريض والاستفزاز، علّ ذلك يعيدهم إلى الحياة العامة، ولو من باب السجال معهم، ولا بأس من أن تشكّل فعلتهم انتقاماً من المجتمعات التي همّشتهم، والظروف التي أوصلتهم إلى هذه الحالة.

اللقاء مع بشار الأسد بالنسبة لهؤلاء أشبه بحالة الانتحار”التمثيلية” التي يغامر مرتكبوها بالإحساس بشيءٍ من الألم، في مقابل أن يلفتوا أنظار أشخاصٍ محدّدين، أو ينتقموا منهم، لإهمالهم لهم وعدم اهتمامهم بهم. وفي الغالب، يقدم زائرو بشار الأسد على هذه الفعلة وظهورهم للحائط، أي لا شيء لديهم ليخسروه، بل يأملون أن تأتي لهم هذه المغامرة القذرة بفرصةٍ ما.

لكن بعض أنواع الزيارات، يكون الهدف منه النكاية بالخصوم والمنافسين، مثل زيارات بعض
الشخصيات اليسارية والقومية، النقابية والحزبية، فهؤلاء في الغالب يستغلون الأسد للنكاية بتنظيم الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية وبيئاتهم الاجتماعية، هم إذن، يستخدمون بشار الأسد فزاعةً لهؤلاء. وفي هذا الوضع تحضر الشعارات التنويرية والتحرّرية، ومحاربة الجهل والإمبريالية… وتحضر معها بكثافة مصطلحات مثل “الدولة السورية” و”الجيش العربي السوري”، على الرغم من إدراكهم أنّ الدولة السورية لم يعد لها وجود، نتيجة احتلال أربع أو خمس دول لها، كما أنّ الجيش العربي السوري بات يرطن بلغاتٍ إيرانية وباكستانية وأفغانية وهندية.

المنهارون، والمناكفون، يجمعهم اعتقادٌ بأنّ الربيع العربي، والثورة السورية، هما سبب ما وصلوا إليه من انهيار. بالنسبة للفئة الأولى، فقد سرقت الأضواء منهم، وابتعد الناس عنهم، وهما (الربيع والثورة) خطر مقيم بالنسبة للفئة الثانية، لأنهما قد يوصلان إلى السلطة أنماطا جديدة من القيادين والنخب، وتسقط بالتالي مبرّرات استمرارهم في المجال السياسي عقودا طويلة، من دون امتلاكهم غير شعارات فارغة تجاوزها الزمن.

زوّار بشار الأسد مرشّحون للزيادة في الأيام المقبلة، هناك شخصياتٌ تلفظها التطورات والمتغيرات، وبعض هؤلاء استنفد جميع محاولات إعادته إلى الوسط، ولن يبقى لديه سوى السير على درب دمشق لارتكاب الفاحشة الأخلاقية الكبرى، فاحشة التعرّي في قصر المهاجرين، علّ أحدا يتذكّره، وهناك شخصيات ترى أنّ الجماهير تبتعد عنها وتنحاز للتيار الآخر، ولم يبق أمامها سوى المرور على “كوبري” الأسد، نكاية بهؤلاء وبالخصوم..

غازي دحمان



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع