أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » زينة شهلا : أنا الشاهدة على خراب دمشق الأخير

زينة شهلا : أنا الشاهدة على خراب دمشق الأخير

مؤخرًا، أتذكر أبي كثيرًا. وُلد عام 1930، وعاش لخمسة وثمانين عامًا. أذكر عندما كنت صغيرة، كان يحلو له أن يتحدث عن تلك الأيام حين كان يعمل في المصرف التجاريّ السوريّ لقاء راتب شهريّ لا يتجاوز الثلاثمائة ليرة سوريّة، وهو مبلغ كان كافيًا لمعيشة أسرته الصغيرة، وفيما بعد لشراء سيارة من نوع “كولت”. لا أذكر كثيرًا كيف تصاعد دخل أبي الشهريّ خلال سنوات طفولتي، لكن هذا الرقم بقي عالقًا في مخيلتي: 280 ليرة. كثيرًا ما كان أبي – وهو الذي عمل لسنوات طويلة في مجال الاقتصاد- يرفض أن يفهم كيف كانت أسرته تعيش بذلك المبلغ الصغير، وكيف أصبح مصروفي الشهري خلال سنوات الجامعة ألفي ليرة سوريّة، وكيف حصلت على أول راتب لي من عملي وهو عشرون ألف ليرة سوريّة، عام 2004.

توفي والدي بعد بداية الحرب بأربعة أعوام ونصف، وأعتقد بأنه لم يستوعب خلال سنواته الأخيرة كمّ التغييرات التي عشناها، خاصة مع اعتزاله المنزل في تلك الفترة. كنا نحدثه عن غلاء الأسعار، وهبوط قيمة الليرة، وعندما أدركت كم كان الأمر عصيًا عليه، صرت أكتفي بأن أخبره عن أسعار قديمة، لئلا يحزن. واليوم، عندما أقلّب في صوره القديمة، والتي يظهر فيها طفلاً ثم شابًا ثم رجلاً، أعرف تمامًا سبب حزنه، وعجزه أو رفضه لأن يفهم، فدمشق في تلك الصور مختلفة عن دمشق التي أعرفها، والتي عرفها هو في العقود الأخيرة من حياته.

أحب كثيرًا أن ألعب لعبة الذاكرة مع نفسي، وأحيانًا مع أصدقائي.

كلما مشينا في طريق ما في دمشق، أشير لمطعم، أو دكان، أو حديقة، أو أي زاوية صغيرة هنا أو هناك، ونتسابق كي نتذكر كيف كان شكل أو اسم هذا المكان قبل الحرب.

بعض المحال أٌغلقت تمامًا وتراكمت الأوساخ على أبواب وجدران عدد منها. بيتزا نيو. المطعم الهندي. المطعم المكسيكيّ. محال أخرى تغيّرت ولم تعد تشبه القديمة في شيء. ساليه سوكريه. بيتزا الريف. عشتار. لوديون. والبعض الآخر بقي محافظًا على اسمه وشكله، لكنني أستطيع أن أجزم بأنه كان أجمل، وبأن كل ما يقدمه كان ذا طعم ورائحة مختلفيْن. عالبال. الباب العتيق. قهوة الروضة.
من حانات دمشق القديمة

أحيانًا أعجز عن التذكر. أشعر بالألم. أسأل أصدقاء آخرين. أبحث عبر الانترنت. أفتح صوري القديمة. لا يمكن لي أن أنسى. النسيان هو أسوأ ما يمكن أن يحصل لنا، عندما نكون شاهدين على خراب مدينتنا وتحوّلها.

لكن “لعبة الذاكرة” تتحول مع الأيام لتمرين مرهق، وفي اللحظة التي أقرر فيها أن أدع مجالًا للنسيان أشعر بالراحة. أتحوّل لغيمة تطير بعيدًا، ويغمرها إحساس جميل باللامبالاة. هل هناك أجمل من أن نتحوّل جميعنا لغيوم تسبح بعيدًا في السماء، تاركين مدينتنا مع أسماء وأشكال وروائح وألوان أماكنها، لتتغير كما تشاء؟

أخاف قليلاً. قرأت ذات مرة بأن اللامبالاة والإحساس بعدم القيمة هي من أعراض الاكتئاب. أبحث لأقرأ عن أية أعراض أخرى، وأشعر ببعض الراحة. شهيتي جيدة، لا أفكر بالموت أو بالانتحار، لستُ عدوانيّة، ولا أحب العزلة. أنا فقط أشعر باللامبالاة. لعلها مرحلة متقدمة من الاكتئاب، أو التحرر من كلّ شيء.

لم يعد يعنيني إن كانت المدينة نظيفة أم تسبح في بحر من النفايات كما هو حالها اليوم. أقرأ عبر فيسبوك عن معارك افتراضيّة، حول مراسم دينيّة لا أفقه منها شيئًا، وحول شيوخ يصدرون فتاوى عجيبة، وحول إغلاق فتحة في الباب الشرقيّ لدمشق. أطمئن لأنني أشعر باللامبالاة، ولأنني غير راغبة في خوض أي من تلك المعارك. أفضل أن أستثمر وقتي بصناعة طبق من الحلوى.

على موقع فيسبوك، هناك صفحة إخباريّة، تصرّ كل يوم على أن تنشر صورة من دمشق، مدينة الياسمين، أجمل بقاع الأرض، وأكثر مدنها القديمة سحرًا وروعة.

يعاودني إحساس اللامبالاة. أشعر وكأنني أعيش في كرة هلاميّة كبيرة، لا تتضح فيها الرؤية أو الأصوات. أحزن قليلاً لذبول شجر الياسمين جانب منزلي.

تزدحم المدينة في فصل الصيف بالمغتربين. أصدقاء كثر ينشرون على حساباتهم على فيسبوك أو إنستغرام عن مغامراتهم الجميلة أثناء زيارة دمشق بعد أشهر أو سنوات من الغياب. “مشينا في الأزقة القديمة”. “سهرنا في باب شرقي”. “المدينة رائعة. ساحرة. جمالها مدهش”. أستغرب عندما يخبرونني عن أماكن لم أسمع بها يومًا، وكأن دمشق تتحوّل فجأة إلى مدينتهم، وترمي بي بعيداً عنها.

تُرسل لي صديقتي التي غادرت سوريا منذ حوالي ثلاثة أعوام، تسأل عن أحوالي وأحوال دمشق، المدينة التي تعشق. تقول لي: “كأن دمشق تصبح أجمل يومًا بعد آخر؟”. أشعر بالعجز تجاه سؤالها، وأرغب بأن أحكي لها عن والدي، وراتبه الشهري، وألبوم صوره الجميل، لكني أصمت.

لا أدري لماذا كان أبي يتحدث دومًا عن الماضي بحنين مطلق، فهذا الحنين اليوم يشعرني بغضبٍ شديد. أكره أن أتذكر شكل دمشق قبل الحرب، لأنني أعلم بأنه لن يعود يومًا، وأحسد من غادروها ولم يعرفوا الحال التي آلت إليها. على الأقل بإمكانهم أن يخدعوا أنفسهم ببعض الصور الجميلة. بإمكانهم أن يتابعوا تلك المنشورات التي تتحدث عن مدينة الياسمين، دون أن تزكم أنوفهم روائح النفايات والفقدان والحزن، والغضب. بإمكانهم أن يعودوا إليها في إجازاتهم ويتحدثوا عن بعض الأيام التي عاشوها فيها بحب وحنين. أما أنا، فقد شهدتُ خراب مدينتي الأخير، وسأبقى في كرتي الهلاميّة وأكتفي بمراقبتها من فضائي البعيد.

المصدر: رصيف 22



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع