أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » المغنية السورية ديمة أورشو: تغني وتؤلف وتئن حتى تنزف الروح حبّاً

المغنية السورية ديمة أورشو: تغني وتؤلف وتئن حتى تنزف الروح حبّاً

الموسيقا العربية والشرقية، الموسيقا الكلاسيكية والغناء الأوبرالي، الجاز، الأنماط الموسيقية التجريبية الجديدة، وأغاني المسلسلات والأطفال. هل يمكن لها جميعاً أن تجتمع لدى فنان واحد وبإتقان كبير لكل نمط موسيقي على حدة؟

يكفي أن نفتح موقع “يوتيوب” اليوم ونبحث عن اسم المغنية السورية ديمة أورشو لنكتشف بأن الجواب هو “أجل”. هذه الفنانة تمكنت بسنوات خبرتها الموسيقية الطويلة والتي تمتد لأكثر من عشرين عاماً، من أن تحترف جميع هذه الأنماط، وتقدمها لنا مع بصمتها الخاصة التي لا تفارق أي عملٍ تؤلفه أو تغنيه أو تشارك فيه.

ديمة التي بدأ شغفها بالموسيقا من سن السابعة مع دراسة البيانو والصولفيج في المعهد العربي بدمشق، وبعدها الغناء الأوبرالي والعزف على الكلارينيت في المعهد العالي للموسيقا أيضاً بدمشق، انطلقت في مسار موسيقي غني لا زال مستمراً حتى اليوم، كما تتحدث لموقع رصيف22.


.

الغناء بتنويعاته المختلفة

تُرجع أورشو الفضل في دخولها عالم الغناء الكلاسيكي إلى أحد المدرّسين والموسيقيين القادمين من روسيا إلى دمشق ويدعى فكتور بابينكو، والذي ساعدها باحترافيته وحساسيته الموسيقية العالية في تحديد خياراتها بعد عامين من دخولها المعهد العالي للموسيقا، ووجّهها لتتخصص في الغناء الأوبرالي إلى جانب آلة الكلارينيت، وبذلك درست أصول الغناء بمتعة وجدية على يد المغنية غالينا خالدييفا.

وتخرجت عام 1998 من المعهد العالي بشهادة بكالوريوس في الغناء والكلارينيت، لتتابع بعدها هذا المسار في هولندا ثم الولايات المتحدة وتحصل على درجة الماجستير في الأوبرا.

“رحلتي مع الغناء كانت غنية وجميلة وتدربت خلالها مع مغنيات رائعات”، تقول أورشو، وتتذكر بشكل خاص المغنية البريطانية شونا بيزلي، والتي التقتها عندما قدمت لدمشق لتقديم أوبرا دايدو وإينياس عام 1995. “شونا كانت معطاءة وفريدة ومتمكنة وتتقن معظم اللغات التي تكتب بها الأوبرا عادة وعلى رأسها الإيطالية واللاتينية والفرنسية والانكليزية والألمانية. في كل مرة أشرع فيها بالغناء أتذكر شونا وتدريباتها ونصائحها لي”.

وشملت هذه الرحلة مسارات عديدة بدأت من سوريا مع مشاركتها في أداء أغنيات خاصة بعروض مسرحية وأعمال درامية وسينمائية، ومن ثم انضمامها لفرقة حوار التي قدمت على مدار سنوات في سوريا أعمالاً كلاسيكية ومعاصرة بمشاركة العود والكلارينيت والإيقاع، وأصدرت ثلاث ألبومات بعنوان “حوار 2005″ و”تسعة أيام من العزلة” و”رسائل إلى وطن”، كما شاركت بغناء منفرد ضمن عدة ألبومات منها ألبوم “قصائد مغناة” الذي كتب أعماله المؤلف وعازف البيانو غزوان زركلي.
تصوير Maan Mouselli

وفي العام 2005، ومع سفرها خارج سوريا للدراسة ثم استقرارها في الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذت رحلة ديمة أورشو الغنائية شكلاً جديداً، فوقفت على عشرات المسارح العربية والعالمية حيث قدمت أعمالاً وعروضاً غاية في التنوع إلى جانب مغنيين وموسيقيين عالميين.

وشاركت في تسجيل عدة أسطوانات منها Awakening Beyond عام 2017 مع خمسة مغنيات على رأسهن مغنية البوب الأمريكية تينا تيرنر وبتأليف وتوزيع كريم رستم -وهو من تعتبره أورشو مرجعها في مجال التوزيع الموسيقي-، وألبوم Sing Me Home مع عازف التشيللو الصيني الأمريكي يويوما وفرقة طريق الحرير Silk Road Ensemble، والذي حاز على جائزة غرامي كأفضل ألبوم موسيقا من العالم للعام 2017.

“أتذوق الجمال في أي نوع من الموسيقا”

إلى جانب الغناء، بدأت أورشو ومنذ سن مبكرة بالتأليف الموسيقي لكن بشكل غير ممنهج أو منظم، فالمعهد العالي للموسيقا بدمشق ووفق وصفها كان لا يزال تجربة وليدة تحبو في عالم الموسيقا الكلاسيكية. ولم تنضج موهبة أورشو في التأليف بحق إلا بعد تخرجها من المعهد الموسيقي في بوسطن عام 2007.

واليوم لا تكتب أورشو لنمط موسيقي واحد دون غيره، فمؤلفاتها تتنوع بين موسيقا الأوركسترا وأوركسترا الحجرة والمجموعات الموسيقية الأصغر، وأيضاً الجوقة والفرق التي تعزف موسيقا الجاز أو الموسيقا الشرقية أو القديمة.

“لا زلت أراقب وأسمع بدقة، وأتعلم بالممارسة وبجهودي الذاتية. أبقي آذاني مفتوحة وأحاول تذوق الجمال في أي نوع موسيقي، وأتأثر بشكل خاص بالأنماط الشعبية من أي مكان في العالم، وأيضاً الموسيقا الأوروبية القديمة والأعمال الغربية المعاصرة”، تشرح أورشو عن تجربتها في التأليف وتضيف: “مؤلفاتي وأيضاً غنائي تعكس هذا التشعب والتعددية السمعية”.

وتعتبر أورشو أن كل مؤلف جديد تكتبه هو بمثابة تحدٍ ومادة جديدة للدراسة والتجربة لتطور الأدوات التي تمكنها من التعبير وكتابة ما يمثل أفكارها أولاً ومشاعرها ثانياً. ومن أهم هذه المؤلفات خلال العامين الماضيين، “عشتار الأم الكبرى” وهو عمل يعالج فكرة الألوهية ويجسد الأشكال المتعددة للإله عن طريق ثلاث حركات موسيقية هي عشتار النبوءة، وعشتار الخصبة، وعشتار المتعالية.

ومن الأعمال القريبة إلى قلبها وفق حديثها، “رحلة إلى الغوطة” والتي تصفها بأنها “قطعة مرحة صعبة سريعة تمثل تماماً حالة الشغب والسعادة التي كانت ترافقنا أيام الطفولة لدى ذهابنا لرحلات مدرسية إلى غوطة دمشق، ونستمتع بأدائها كعازفين بنفس درجة متعتنا كأطفال نقوم بشقاوة تمتعنا”.

و”هدوة” وهي أغنية مهد قديمة لحنتها أورشو من كلمات متناقلة بشكل شفهي من تراث مدينة دير الزور السورية، و”أولئك المنسيون على ضفاف الفرات” والتي كانت بمثابة إهداء للمدنيين الذين دفعوا أثماناً كبيرة في الحرب السورية، خاصة ممن وجدوا أنفسهم محاصرين وعالقين في المدن والقرى شرق سوريا، ومنسيين في الوقت نفسه من كل العالم، حيث تقول في أحد مقاطعها “ما أقبح الدهر ونصبر على تقابيحه، ونرجي من الله ياتينا بمفاتيحه”. 

تُعبّر هذه الأعمال الثلاثة عن ارتباط الفنانة الوثيق بسوريا كوطن وذاكرة وأهل وتاريخ وحزن وغضب وحنق في آن معاً. “مشاعري تجاه سوريا عديدة ومتناقضة، وقد أثرت بشكل كبير في أعمالي وأيضاً أعمال العديد من الموسيقيين والمؤلفين السوريين خلال السنوات الأخيرة”.

أما عما ستقدمه أورشو في الفترة المقبلة، فيتضمن ألبومها الجديد “هدوة” وهو مجموعة من أغنيات النوم والهدهدات من سوريا والعالم، بتوزيع موسيقي ورؤية جديدة ومختلفة، وبمشاركة خمسة من أهم العازفين والموسيقيين من تونس وألمانيا وأذربيجان.

وانطلقت فكرة هذا الألبوم من ملاحظة أورشو لتفصيل أثار اهتمامها وهو أن الهدهدات في العالم وخاصة في الشرق ليست أغنيات لتهدئة الطفل قبل النوم وإنما لتهدئة الأم التي تحكي في هذه الأغنيات عن مخاوفها تجاه طفلها وعن مصاعب الحياة ونكبات الدهر وفقدان الأحبة والشوق للوطن والأهل، وهي تترنم وتئن لتخفف من ثقل الحزن والخوف.

وثاني مشاريع أورشو المقبلة سيكون حول أغاني الحب في التراث المشرقي عموماً، حيث ستكتب الفنانة مجموعة من المؤلفات الجديدة وستعمل على إحياء بعض الأغاني القديمة التي تتقاطع أيضاً مع المخزون الموسيقي الغربي ضمن نفس الموضوع، وذلك بالتنسيق مع مجموعة آلتا ريبا للموسيقا الغربية القديمة، وهي مجموعة تعاونت معها أورشو في أعمال سابقة قدمتها على مسارح ألمانية عدة العام الفائت، كان موضوعها المشترك الوجوه المشتركة للمرأة والأم، وغنت خلالها أعمالاً كلاسيكية وشرقية وسورية قديمة، وأخرى من مؤلفاتها الخاصة.

الموسيقا هي محرّك الأسئلة داخلنا

لا تتوقف رحلة الفنانة السورية عند هذا الحد، فالفن بشكل عام والموسيقا على وجه الخصوص هي الأقدر بالنسبة لها على التعبير عن تجاربها الشخصية والحياتية وفكرها وأحاسسيها بطريقة خاصة وذاتية، وأيضاً مساعدتها على البوح بصدق.

“الصدق من أهم سمات الفن. والعمل الفني هو حالة شخصية صادقة، إن خرجت عن هذا الإطار أو تم تسخيرها لخدمة أهداف معينة تحولت إلى بروباغندا لا هدف لها إلا الترويج”. وضمن هذا الإطار تستمر ديمة أورشو في تقديم فنها، ومهمته الأساسية حسب وصفها “التأثير في المتلقي وإثارة الأسئلة بشكل دائم في عقله ووعيه، ودفعه للوصول، وفقاً لتجربته وخبراته، إلى الإجابات الخاصة به”.

المصدر: رصيف 22