أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » تنظيمات القاعدة وأخواتها في إدلب: “النصرة” ومعضلة الحل (2)

تنظيمات القاعدة وأخواتها في إدلب: “النصرة” ومعضلة الحل (2)

بين ظهورها للمرة الأولى في سورية أواخر عام 2011 واليوم، محطات عدة مرّت بها “جبهة النصرة”، إن في ما يتعلق باسمها الذي تغيّر أكثر من مرة لاعتبارات سياسية وعسكرية، أو في ما يتعلق بتحالفاتها وحتى مساحة وجودها، لكن الثابت الوحيد أنها لا تزال حاضرة بقوة في المشهد العسكري، تحديداً في شمال غربي سورية. تمتلك “جبهة النصرة” آلاف المقاتلين المدربين والأسلحة الثقيلة، ما يجعلها قوة ضاربة. ما يكرّس موقف “جبهة فتح الشام” (النصرة سابقاً)، التي تقود تحالفاً باسم “هيئة تحرير الشام”، في ما يتعلق بإنجاح تطبيق اتفاق سوتشي بين الأتراك والروس، وتجنيب المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية تداعيات أي عملية عسكرية واسعة النطاق يريدها النظام وروسيا ولا يكفان عن التلويح بها، لكن “الهيئة” وعلى غرار المحطات الأساسية على مدى السنوات السبع الماضية، لا تملك موقفاً حاسماً وموحداً.

في هذا الإطار، كشفت مصادر مطّلعة، أن “الهيئة تعاني انقساماً داخلياً إذ يصرّ المشايخ وأبرزهم أبو يقظان المصري على التشدد ورفض اتفاق سوتشي بين الأتراك والروس، فيما يدعو تيار آخر إلى التعاطي الإيجابي مع الأتراك لتجنيب الهيئة سيناريو الاجتثاث عن طريق عمل عسكري يكون الجيش التركي رأس الحربة فيه”. مع العلم أن “جبهة النصرة” شكّلت إشكالية كبرى خلال سنوات الثورة السورية. ففي يناير/كانون الثاني عام 2012، سمع السوريون للمرة الأولى باسم “جبهة النصرة لأهل الشام”، وذلك في ذروة الثورة السلمية التي واجهها النظام بالحديد والنار، قاصداً دفع الشارع السوري المعارض إلى عسكرة الثورة لضرب جوهرها الأخلاقي، ولتبرير فتكه بالسوريين أمام الرأي العام العالمي.

وشكّلت الجبهة أول فصيل عسكري لها في مدينة بنش شرق إدلب، بعد أن انسحب منها النظام خدمياً وأمنياً أواخر عام 2011، فزار المدينة كل من أبو محمد الجولاني وأبو محمد العدناني، كمندوبين عن تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين” واجتمعا بشخصيات دينية من أهل المدينة وأبلغوها أنهما جاءا لرد المظلمة التي يتعرض لها السوريون على يد النظام.

واختارت “جبهة النصرة” أن تعلن عن نفسها بقوة، إذ حاول عدد من منتسبيها اقتحام مبنى هيئة الأركان التابعة لقوات النظام، في حدث كان له صدى كبير في ذلك الوقت، خصوصاً أن النظام كان قد بدأ يترنح تحت وطأة الثورة السلمية التي أظهرت المدى الذي وصل إليه النظام من الإجرام بحق متظاهرين سلميين. ثم، سرعان ما توسع نطاق “جبهة النصرة” الإعلامي مع توالي عملياتها العسكرية ضد قوات النظام، فبايعت زعيم تنظيم “القاعدة” أيمن الظواهري، الذي أعلن، في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2011، أنها الممثل الوحيد لتنظيم “القاعدة” في سورية. وبدأت “النصرة” في ذلك العام تسيطر على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، إذ سيطرت في عام 2012 على مناطق في شمال سورية وجنوبها، خصوصاً في ريفي إدلب وحلب. كما سيطرت على محافظة الرقة في بدايات عام 2013، مع حركة “أحرار الشام الإسلامية” المعتدلة، وفصائل تابعة للجيش السوري الحر. وهو ما كان تحوّلاً كبيراً في مجرى الصراع على سورية وتحولاً لا يقل أهمية في مسيرة “جبهة النصرة”.

كما سيطرت الجبهة على مساحات في ريف دير الزور الشرقي وفي ريفَي الحسكة الجنوبي والغربي، فحصلت على تمويل كبير من هذه المنطقة الغنية بالبترول. وبعد ذلك، بدأت تظهر فصائل للجبهة في ريف حمص وريف دمشق، وفي جنوب سورية حتى باتت القوة الأكثر حضوراً بالمشهد السوري المتناقض الذي تتزاحم فيه الفصائل من مختلف التيارات.

في مطلع عام 2014، بدأت حرب إلغاء بين تنظيم “داعش” الصاعد بقوة والمنشق أصلاً عن “جبهة النصرة”، وبين الجبهة، فاندلعت معارك كبرى انتهت بهزيمة الجبهة وخروجها من كامل الشرق والشمال الشرقي السوري، وتسيّد “داعش” الذي خرج من شمال غربي سورية ومن مدينة حلب، وكأنه تم اقتسام مناطق المعارضة بين الطرفين المتحاربين بضراوة تعكس تناقضاً فكرياً عميقاً. وتعتبر “جبهة النصرة” تنظيم “داعش” من “الخوارج”، منتقدة غلوّه في تطبيق أحكام الشريعة. ولكن الخلاف الحقيقي كان على السيطرة والنفوذ، بعد رفض الجبهة مبايعة التنظيم والتبعية له.

بعد خسارة النصرة في شرق سورية أمام “داعش”، بدأت بتغيير تكتيكها واتجهت نحو التشدد أكثر ونحو اتخاذ المدن والبلدات مناطق سيطرة خاصة بها على غرار التنظيم، فغيّرت حاكمها الشرعي الذي كان أبو ماريا القحطاني، وعيّنت بديلاً منه سامي العريدي. كما أنشأت دور قضاء خاصة بها، بعد أن فكت ارتباطها قضائياً عن “حركة أحرار الشام”.

خاضت “جبهة النصرة” في أواخر عام 2014 اشتباكات دامية مع “جبهة ثوار سورية” بقيادة المدعو جمال معروف في منطقة جبل الزاوية في إدلب، والتي انتهت بهزيمة الأخيرة، وسيطرة الجبهة على هذه المنطقة الاستراتيجية التي طردت منها المعارضة قوات النظام. وكانت “جبهة ثوار سورية” من أقوى فصائل الجيش السوري الحر المدعومة من الغرب، الذي تركها لمصيرها أمام “جبهة النصرة”، كما ترك حركة “حزم” التي قضت عليها الجبهة في ريف حلب الغربي بداية عام 2015، رغم أن حركة “حزم” كانت تمتلك صواريخ “تاو” الأميركية المضادة للدبابات. وبلغت “جبهة النصرة” ذروة حضورها عام 2015، حين سيطرت مع فصائل الجيش السوري الحر على كامل محافظة إدلب شمال غربي سورية، في مشهد بدّل خريطة الصراع واستدعى التدخل الروسي تحت ذريعة “محاربة الإرهاب” المتمثل في “جبهة النصرة” وتنظيم “داعش” وفق موسكو. ولكن الجبهة انقلبت على هذين الفصيلين، ففرضت هيمنة شبه مطلقة على المنطقة، وفرضت قوانينها المتشددة في محافظة إدلب ومحيطها، وهو ما تسبب باستياء شعبي فجّر خلافات تحولت إلى صدام مسلح بعد ذلك مع فصائل المعارضة أدت إلى مقتل المئات من مقاتلي الطرفين.

تعرّضت “جبهة النصرة” لضغوط شعبية كبيرة لتغيير اسمها ومسارها، وخطابها السياسي، وهو ما تحقق في يوليو/تموز 2016، حين أعلن زعيمها أبو محمد الجولاني فك ارتباط “جبهة النصرة” بتنظيم “القاعدة” وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”. ولكن ذلك لم يكن كافياً لإقناع المجتمع الدولي بتغيير تعاطيه مع الجبهة. ونفذ التحالف الدولي والجانب الروسي ضربات جوية استهدفت قادة الصف الأول فيها. وفي يناير/كانون الثاني 2017، اقتتلت الجبهة مع فصائل تابعة للمعارضة السورية في شمال غربي سورية، معلنة عن اندماجها مع فصائل أخرى تتشارك معها في المنهج والرؤية في “هيئة تحرير الشام”، والتي تولى قيادتها الجولاني أيضاً.

وخلال هذه السنوات، مرّت “جبهة النصرة” بالعديد من المحطات العسكرية والفكرية الحادة، وخاصة بعد جلاء أبعاد مشروعها السياسي القائم على أحادية الرأي، والجبرية وهي بذلك اقتفت أثر النظام الذي ثار عليه السوريون من أجل ذلك. وتعرّضت “جبهة النصرة” للعديد من الانقسامات والانشقاقات خصوصاً ممن يسمون بـ “المشايخ” وغالبيتهم عرب، ما يؤكد وجود تيارين فيها، الأول متشدد والثاني يصفه البعض بأنه “معتدل وقارئ جيد لتحولات المشهد السوري”. ولعل أبو ماريا القحطاني وهو من مؤسسي الجبهة أبرز شخصيات التيار الثاني، بعد أن ابتعد عن الجبهة لخلافات مع قائدها الجولاني، وكان من أبرز “الشرعيين” فيها. ويعد القحطاني (ميسر بن علي الجبوري)، وهو عراقي الجنسية، من أشد المعادين لتنظيم “داعش”، مطلقاً على عناصره صفة “الخوارج”، كما أنه من أشدّ الداعين إلى قتال التنظيم في سورية.

وتوعّد أبو ماريا بقتال تنظيم “داعش” حين قال في عام 2016: “والله لن نترك الخوارج ولن نترك المنطقة الشرقية وسنجهّز لها جيشاً أوله في الرقة وآخره في الشمال، ونجهّز جيشاً أوله في الدير وآخره في القلمون”. كما انشق عن الجبهة المسؤول الشرعي سامي العريدي، وهو أردني الجنسية وكان أحد المراجع الشرعية الهامة لـ”جبهة النصرة” قبل انشقاقه عنها والتحاقه بتنظيم “حراس الدين” المتشدد الموالي لتنظيم “القاعدة”، والذي يقوده أبو همام السوري، ويضم مجموعات عدة تنتشر في ريف إدلب الغربي وفي ريف اللاذقية الشمالي منها بقايا فصيل جند الأقصى، وجيش الملاحم، وجيش البادية، وجيش الساحل، وسرايا كابول. وأكدت مصادر مطلعة وجود خلافات عميقة بين أبو محمد الجولاني، قائد “هيئة تحرير الشام”، وأيمن الظواهري متزعم تنظيم “القاعدة” والذي يريد إبقاء خيوط الهيئة بيده، في حين يحاول الجولاني الخروج من تحت عباءة التنظيم كي يضمن بقاءه في المشهد السوري.