أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » عودة الانتهاكات للمدن العراقية المحررة: سيناريو 2014 هل يتكرر؟

عودة الانتهاكات للمدن العراقية المحررة: سيناريو 2014 هل يتكرر؟

حملات الاعتقالات العشوائية، الإهانة على معابر وحواجز التفتيش، الدهم الليلي للمنازل والتعذيب بالسجون للمشتبه بهم، الألفاظ الطائفية من فصائل الحشد الشعبي وبعض وحدات الجيش والشرطة الاتحادية العراقية، تعود مرة أخرى إلى الواجهة في مناطق عدة من البلاد، وفقاً لما يؤكده مسؤولون وناشطون وسكان محليون في محافظات شمال وغرب العراق. وتضاف إليها عمليات ابتزاز وتقاضي أموال من ذوي المعتقلين لقاء الإفراج عنهم، ما يثير مخاوف عدة، لا سيما لجهة احتمال بروز تنظيم مشابه لـ”داعش” يوظف هذه الأخطاء التي تتشابه مع ما حصل في 2014 قبل ظهور التنظيم في العراق وتمدده.

وبدأت محافظات مثل الأنبار (غرب)، وديالى (شرق)، والموصل وصلاح الدين وكركوك (شمال)، بالإضافة إلى مناطق تقع في أطراف بغداد الشمالية والغربية والجنوبية، تشهد أخيراً عمليات اعتقالات عشوائية، تحت ذريعة انتماء أشخاص لـ”داعش” موجودين بين السكان، على الرغم من إعلان القوات الحكومية القضاء على هذا التنظيم. المعلومات المتوفرة تفيد بأن الذين يجري اعتقالهم يتعرضون لتعذيب وابتزاز يجبرهم على الاعتراف بضلوعهم في جرائم لم يرتكبوها.

ويحدث ذلك على الرغم من أن العائدين إلى مناطقهم بعد تحريرها فضلوا العمل على إعادة الحياة لمدنهم، والابتعاد عن كل ما يثير “الفتنة”، بحسب تأكيدهم، خصوصاً بعدما عاشوا تجربة التهجير والتشريد والقتل والاعتقالات.

يعترف مسؤول بالشرطة في محافظة نينوى، طلب عدم الكشف عن اسمه، بأن الانتهاكات عادت مجدداً ولا وجود لأي اتعاظ من تجربة سابقة. ويذكّر بأن ما حدث في صيف 2014، من اجتياح تنظيم “داعش” للعراق، كانت هناك ممهدات له، من بينها الظلم، ما أدى إلى نجاحه في السيطرة على مساحة تقدر بثلث البلاد في وقت قصير جداً، من دون أن تجد قوات الأمن أي مساعدة من السكان بعد اجتياح التنظيم لمدن عراقية عدة.

ويوضح المسؤول الأمني، أن “تقارير سرّية رفعت إلى الحكومة عن قيادات وضباط فاسدين يبلغ مدخول بعضهم الشهري أكثر من 100 ألف دولار نتيجة تقاضيهم رشى وابتزاز لمعتقلين أو تجار ورجال أعمال”.

بدوره، يقول محسن النداوي، وهو زعيم قبلي يسكن في مناطق حزام بغداد الشمالي، إن “عناصر في قوات الجيش يتعرضون للمواطنين من سكنة القرى الواقعة في حزام بغداد الشمالي والغربي بألفاظ وتصرفات تثيرهم، وقد حصلت مشادات عدة بسبب هذا الأمر”.

يضيف النداوي أن التجاوزات شملت “ألفاظاً جارحة، منها اتهام المواطنين بأعراضهم وأنهم يؤوون عناصر داعش، ويزوجون نساءهم بما يسمونه جهاد النكاح، وهي إشارة يراد منها الطعن بأعراض سكان تلك المناطق، وهذه تعتبر تجاوزات لا يمكن السكوت عنها من قبل أبناء هذه المناطق، خصوصاً لكونهم من أبناء القبائل التي تعتبر أن مثل هذه التجاوزات تستوجب الثأر أو الرد وإن كانت الجهة في الطرف الآخر تنتمي إلى الدولة”.

يؤكد النداوي أن مثل هذه الاستفزازات انتشرت قبل ظهور تنظيم داعش، ويقول إن “الخوف هو من أن تستمر هذه الاستفزازات وعدم انصياع عناصر الأمن لنصائح كبار القوم في هذه المناطق الذين نصحوهم بالتعاون مع أبناء القرى التي تقع على طريق وجود مفارز القوات الأمنية، لأنها سوف تجر إلى حدوث مشاكل خطيرة”.

ويشير إلى أن “الانتقام من القوات الأمنية والأحزاب والشخصيات السياسية الذين ظلموا عدداً كبيراً من سكان مناطق سنية كانت وراء انخراط شباب من هذه المناطق في صفوف داعش. والخوف من تكرار ما حصل سابقاً”.

النداوي الذي لديه روابط قربى وعلاقات اجتماعية واسعة ومتينة مع شيوخ قبائل في أقضية وقرى تحيط ببغداد، يؤكد خلو هذه المناطق من أي وجود لـ”داعش”. ويضيف “ليس من صالح السكان في هذه المناطق إيواء إرهابيين. الجميع هنا يهتمون بمصالحهم وأعمالهم، فهم في الغالب مزارعون ومربو ماشية. ترتبط حياتهم ومعيشتهم باستقرار مناطقهم. بل إن عدداً كبيراً من أبناء هذه المناطق ينضوون في سلكي الشرطة والجيش، وتوجد مقار للأحزاب، وباستمرار يرشح رجال ونساء من سكنة قرى حزام بغداد في الانتخابات. هذا دليل واضح على دعم السكان هنا للحكومة وسعيهم لاستقرار البلد”.

من جهته، يقول محمد الجبوري، وهو ضابط يعمل ضمن منظومة أمنية متخصصة بتعقب التنظيمات الإرهابية، إن “معلومات ترد باستمرار إلى القوات الأمنية بوجود خلايا إرهابية مع تحديد أماكنها”، ويشير الجبوري إلى أن “المعلومات هذه ترد من متعاونين ووكلاء أمنيين فضلاً عن أشخاص مجهولين”.

الجبوري، الذي طلب عدم التصريح عن رتبته ومركزه ومقر عمله، يوضح أن “من الواجب التأكد من المعلومات الواردة وإن كانت من وكيل موثوق به. لكن ما يؤسف له أن بعض المسؤولين في هذه المرافق الأمنية الحساسة يتصرفون بشكل خاطئ، ويجرون مداهمات ويعتقلون أشخاصاً من دون التأكد من المعلومات الواردة”.

ويؤكد الجبوري أن “معظم المعلومات تكمن خلفها عداوات شخصية، أو منافع مادية خاصة. ثم يضاف إلى هذا أن العناصر الأمنية الموجودة في هذه المناطق، بعضهم يريد الانتقام من السكان في تلك المدن”، أما السبب، فيعود إلى أن “زملاءهم أو أقاربهم قتلوا فيها على يد داعش، ويعتبر هؤلاء العناصر أن السكان هناك مسؤولون عن الأمر”.

تكرار التفاصيل نفسها التي سبقت ظهور “داعش” في المناطق التي سيطر عليها التنظيم المتشدد، كالأنبار والموصل، يجعل بعض الشبان من مدن كانت في السابق تحت سيطرة تنظيم “داعش”، يتفقون على أن “ظهور تنظيم مشابه لداعش غير مستبعد، في ظل ما تشهده مدنهم من مشاكل”، وفق آرائهم.

عبدالله منذر، طالب جامعي يدرس في إحدى الجامعات بالعاصمة بغداد، يشير إلى أن “ما تعيشه مدننا المحررة اليوم أكثر مأساة وظلماً مما كان عليه الحال قبل ظهور داعش في 2014”. ويلفت إلى أن “دمار البنى التحتية كبير ولم تلتفت إليه الحكومة حتى اليوم. والسكان هناك هم الذين يعملون في توفير الخدمات لمنازلهم. بعض السكان رصفوا شوارع الأزقة التي يسكنونها بعدما تهدمت بفعل المعارك. وهم الذين يعملون على إصلاح أنابيب المياه العامة التي تصل إلى منازلهم، ومجاري الصرف الصحي العامة، وغيرها العديد من الأعمال التي تعتبر من مهام الجهات الحكومية”.

ويتابع منذر “كل هذا أمر يتقبله الناس في هذه المدن، لكن هناك مشاكل الانتماءات والولاءات، السكان في مدننا متهمون بالإرهاب، للأسف هذا ما يصفنا به رجال الأمن باستمرار، لقد قتل منا عدد كبير على يد داعش. بل إن رجالاً منا قاتلوا داعش إلى جانب القوات الأمنية”. ويلفت إلى أنه “من غير المستبعد ظهور تنظيم جديد شبيه بداعش غايته الانتقام للناس، خصوصاً بعد حملات اعتقال عشوائية بدأت تنفذ في مدننا، ولا أستبعد أن ينضم لهذا التنظيم عدد كبير من الرجال غايتهم الانتقام أيضاً لما يتعرضون له من إهانة”.