أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » محاولات الهيمنة الإسرائيليّة على موارد الجولان السوريّ المحتل

محاولات الهيمنة الإسرائيليّة على موارد الجولان السوريّ المحتل

إن أهم الركائز التي يعتمد عليها الاستعمار الحديث للهيمنة على الحيز العام، هي توسيع الفجوات الاقتصاديّة بين المستعمِر والسكان الأصليين. فيستعمل المستعمر العولمة والرأسماليّة للسيطرة المباشرة، أو غير المباشرة، على السكان الأصليين. وبالتالي، تستعمل إسرائيل هذا الأسلوب للهيمنة والسيطرة على الموارد الاقتصاديّة والطبيعيّة والثقافيّة للجولان السوريّ المحتل عن طريق أذرع السلطة ووسائل التواصل الاجتماعي، بالأشكال المفصّلة أدناه.

بعد احتلال الجولان في حرب حزيران 1967، عملت إسرائيل وأذرعتها منذ بداية الاحتلال على تغييب وترحيل هويّة الجولان السوري، وعلى “أسرلته” فكريًّا، إذ ألغت السلطة العسكريّة الإسرائيليّة آنذاك، في إطار إجراءاتها الأولى، المنهاج التعليميّ السوريّ، وطبقت المنهاج التعليمي الإسرائيليّ. وخلال السنوات الأولى بعد الاحتلال، أقيل غالبيّة معلّمي المدارس لآرائهم السياسيّة وتم استبدالهم بمعلّمين أصحاب وعي سياسي أقل (المصدر/ مقال أسامة الحلبي بعنوان “الحياة تحت الاحتلال في هضبة الجولان”).
محاولة السيطرة على الحيّز الثقافيّ

استمرارًا لمشروع يركّز على الشباب الناشئ وقد بدأه الاحتلال في المدارس، نشهد في السنوات الأخيرة، مسلكًا جديدًا غير مسبوق اتخذته المجالس الإداريّة الإسرائيليّة في الجولان السوري المحتل، وهو محاولة السيطرة على الحيّز الثقافيّ العام بواسطة تقديم مشاريع شبابيّة متنوّعة، تنتمي بغالبيتها لمؤسّسات صهيونيّة ذات رؤيا استعماريّة، وتقوم بالتركيز على هويّة الجولان الطائفيّة بهدف تنميتها وتغييب هوية الجولان السوريّة.

تُدير هذه المشاريع المجالسُ الإداريّة الإسرائيليّة باستعمال قدرتها على الترويج لمشاريعها في وسائل الاتصال الاجتماعي بشكل خاص، ومظاهر العولمة الحديثة بشكل عام لتغييب الهويّة السوريّة للشباب الناشئ في الجولان المحتل.

فخلال العام الماضي، أعلن وزير داخليّة إسرائيل، أرييه درعي، إقامة انتخابات للمجالس الإداريّة الإسرائيليّة في الجولان السوري المحتل لأول مرّة، وحصر حق الترشّح في أقلية من الشعب ممن وافقوا على حمل الجنسية الإسرائيليّة (رفض 88% من سكان الجولان حمل الجنسيّة الإسرائيليّة، بينما يحمل 12% جنسيّة دولة الاحتلال – معطيات المرصد)، وهذا لضمان استمراريّة مشاريع “الأسرلة” بهدف بلوغ السيطرة التامّة على الساحتين الثقافيّة والاجتماعيّة في الجولان المحتل، وأيضاً لتسويق “سمعة حسنة” للمجالس الإداريّة الإسرائيليّة عن طريق ادعاءات ديموقراطيّة كاذبة وانتخابات باطلة. يرى الاحتلال (المستعمِر) أن هذه المشاريع تمكّنه من متابعة “ضمّ” الجولان، وبالتالي زيادة الهيمنة على مواردنا الاقتصاديّة والطبيعيّة والثقافيّة.

رفض انتخابات المجالس الإداريّة الإسرائيليّة

في المدة الأخيرة، نشر الحراك الشبابي في الجولان بيانًا أعلن فيه رفضه التام للانتخابات المقرر إقامتها في المجالس الإداريّة الإسرائيليّة في قرى الجولان نهاية الشهر الجاري إذ يشكّل هذا الحراك حاجز الردع الأوّل أمام مشاريع الاحتلال الإسرائيليّ “لأسرلة” الجولان، من أجل ضمان تحكمنا، نحن سكان الجولان السورييّن بحيّزنا العامّ، الثقافيّ والاجتماعيّ، ومنع سيطرة الاحتلال عليه. هذا الرفض يعيد المجالس الإداريّة الإسرائيليّة لقالبها المعتاد، وهو توفير الخدمات التي يستحقها السكان وإبعادها عن الحيز الثقافي التي تسعى إلى الحصول عليه، وعن المركز الاجتماعيّ الذي تتطلع لبلوغه.

في سياق آخر، زرت أخيرًا “بركة رام الطبيعيّة”، وتُسمى أيضًا “بحيرة مسعدة” في الجولان السوريّ  المحتل، فلفتني منسوب المياه فيها، والانخفاض الحادّ، الذي يكاد يقضي على وجود البركة. بسبب كميات أمطار الآخذة بالانكماش، واستعمال الاحتلال الهيستيري لمياه البركة، وبالتالي، وللأسف، قد لا أتمكن من زيارتها مجددًا بعد عدّة سنوات.

يستفيد الاحتلال الإسرائيليّ من الموارد الطبيعيّة في الجولان بشكل حصرّي وشبه تامّ، إذ يبسط المستعمرون المزارعون سيطرتهم على غالبيّة أراضيه الزراعيّة، وفي المقابل، يستعمل المزارعون السوريّون جزءًا صغيرًا من الأراضي الزراعيّة. كذلك يحصل المستعمِر المزارع على غالبيّة الموارد المائيّة، ويحصل المزارع السوريّ على جزء طفيف من هذه المياه (معطيات المرصد).لتوسيع هذه الفجوة الاقتصاديّة بين المستعمِر والسوريّين في الجولان، شنّت المنظمات الزراعيّة التابعة للاحتلال حملات لهدم القدرات التسويقيّة للمزارعين السوريّين بغية إتاحة الفرصة للمستعمِر المزارع بالانفراد بتسويق منتوج الجولان الزراعي، ومن ثم السيطرة على موارد الجولان الزراعيّة والطبيعيّة، خصوصًا المياه.

التضييق على المزارعين السوريّين في الجولان

لهذا السبب نلمس في السنوات الأخيرة تضييق الخناق على المزارعين السوريّين في الجولان المحتل، وإلحاق الضرر بقدراتنا الاقتصاديّة، إذ استخدم سكان الجولان المحتل في العديد من المناسبات وحدتهم الاقتصاديّة وقدراتهم المهنيّة لإقامة مشاريع رفض الاحتلال منحها، أذكر منها مشاريع إقامة خزانات مياه كبيرة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لجمع مياه المطر، بسبب سيطرة الاحتلال على الموارد المائيّة وعدم تقديم كميّة كافية منها للمزارعين السوريّين في الجولان.  

من أجل إحكام السيطرة على الموارد المائيّة والزراعيّة والطبيعيّة كلّها، يسوّق الاحتلال أخيرًا السياحة كمصدر دخل بديل للزراعة، وينشر دعاية لتشجيع سكان الجولان لإقامة مشاريع سياحيّة بحجّة أنها تحسن من الوضع الاقتصادي الذي أنشأه الاحتلال بنفسه. علمًا أنّ السياحة في الجولان ليست مزدهرة، ولا تقدّم دخلًا وافرًا، وتتأخر دائمًا خلف المنتوج الزراعي الكبير للجولان (سنّ الكنيست الإسرائيليّ قوانين تشجيع السياحة في الجولان، لدعم مستعمرات أقيمت كمنظمات سياحيّة، ولكنها لم تقطف ثمارها).

إعادة فتح معبر القنيطرة

قبل الثورة السوريّة، اعتاد سكان الجولان تسويق المنتوج الزراعيّ، خصوصًا التفاح في سوريا والعالم العربيّ عن طريق منظمة الصليب الأحمر. لم تسمح أحداث السنوات الأخيرة في سوريا باستمرار هذا الإجراء، وبالتالي استغلت إسرائيل هذا الوضع التراجيدي وتراكماته لزيادة الخناق الاقتصاديّ على سكان الجولان السوريّين. وفي الأيام القليلة الماضيّة، تم الإعلان عن إعادة افتتاح معبر القنيطرة (المعبر الوحيد على طول الجدار الفاصل في الجولان السوري المحتل)، لهذا، تزيد احتماليّة تسويق المنتوج الزراعيّ في سوريا والعالم العربيّ. قد يعيد مشروع التسويق هذا إحياء الاقتصاد الزراعيّ في الجولان المحتل، ويساهم في استعادة جزء يسير من سيطرتنا على مواردنا الطبيعيّة والاقتصاديّة.

إن إجراءات الاحتلال الإسرائيليّ في الجولان السوريّ المحتل بدأت تتخذ منحىً جديدًا، يتصّف بكونه جزءًا من الاستعمار الحديث، ولكن، هذا لا يلغي استمراريته في مشاريعه الاستعماريّة الكلاسيكيّة، مثل بناء المستوطنات، وسرقة الموارد الطبيعيّة، وتدمير التاريخ وتغييبه.

المصدر: رصيف 22