أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » يهرب الجنديُّ من الجيشِ، وأنا.. إلى شارع كارل ماركس

يهرب الجنديُّ من الجيشِ، وأنا.. إلى شارع كارل ماركس

يمكنك أن تقصَّ الهواء بسكين في هذه الغرفة. ذبذباتٌ سلبية جدًا في المكان. حركات القاضية عصبية وبشرتها جافة جدًا وشديدة البياض، يبان من تحتها عِرقٌ كبير أزرق في جبينها. طويلة ونحيفة جدًا، لا صدرَ لها، ولا تفاصيل أنثوية. شَعرها ذهبيّ (مصبوغ) طويل مكهرب، أشعث كمن مسّه التيار الكهربائي أو الجنون.

عيناها مثل حجارةِ مجوهراتِها، لا لون لهما. ترتدي سروالًا ضيقًا جدًا skinny وحذاءً مسطّحا باليرينا، تَبرز عروقُ قدميها الزرقاءُ منه، بالإضافة إلى القميص القصير المجعلك؛ امرأة في أوائلِ الستّينات بثيابِ مراهقة.

تنظر إلينا أنا واللاجئِ شزرًا، وبِمزيج من الاشمئزاز المشوبِ بالقرفِ والكُره. بالنسبة لها، أنا واللاجئُ سواسية، وإن كنت أمتلك جوازًا أوروبيًا؛ أنا وهو من نفسِ الإثنية والطينة ونتكلّم اللغة الدونيّة نفسها: العربية.

منذ اللحظة الأولى جرّبتْ فرضَ سلطتِها على المكان؛ بالنبرة الحادةِ والعبوس جرّبتْ أن تقول : أيها الغريبان المزعجان، حتى لو كنتما تتكلمان بلغةٍ لا أفهمها، عليكما أن تقولا لي كلّ شيء، وأنا من يقرّر، فقط! أما أنتما فلا شيء؛ حشرتان تافهتان من نفس الغابة. 

كان بإمكاني أن أشمّ رائحةَ العنصريةِ  تفوح منها ،لكن شيء واحد ما زال مخبئًا فيها وسوف أكتشِفه في النصف ساعة اللاحق: الشّر، أو السادية في الاستمتاع بالاستجواب عن تفاصيل السّجون والتعذيب، بينما عيناها تلتمعانِ ببريقٍ غريب: القسوة الممزوجة بالمتعة.
ما اسمك؟
أحمد ..
من أين أنت؟
من سوريا، من الحسكة.
من أيّ مكان تحديدًا؟
من قرية حجي صالح.
كم تبعد قريتك عن الحسكة؟
حوالي ٧كلم.
حسنا، هل معك أيّ أوراق ثبوتية تثبت هويتك؟
نعم الهوية، دفتر الجيش، ودفتر العائلة.

تصرخ القاضيةُ فجأة بعصبيةٍ توثّبنا: ماذا يقول؟ ماذا تقولين له؟ أرِيني هذه الأوراق وترجِميها لي الآن.

أجيبها ببُرود: سوف أُطلعك على محتواها عندما أطّلع عليها  أولًا.

تلقي برأسها إلى الوراء. لم تستوعب هي بعد أنّه لا يمكنها إخافتي والتنمّر عليّ بالصراخ  لكي أتصرّف ككلبة شريرة عندها تطلقها على طالبي اللجوء.

لا شكّ أنها تظن أنني واحدة التقطتْها الإدارةُ من شارع نوي كوللن ذي الأكثرية المهاجرة العربية؛ امرأة دون أيّ تعليم يذكر، تجلس أمامَها وتأخذ معاشًا هائلًا لا تستحقّه من الدولة، فقط لأنها تتكلم عربيةً رديئة.
لا تظني أنه بإمكانك خداعي، لا تحاولا التذاكي عليّ، فأنا أفهم العربية.
هذا رائع. إذًا، لن أضطر إلى الترجمة؛ ذلك سيوفّر علينا الكثيرَ من الوقت.

يسقط وجهُها. تابعي التحقيق، تقول آمرة، وقولي لي ما النتيجة التي ستتوصّلين إليها. على كلّ حال، لا يوجد حالة أو نموذج لم يمرّ عليّ.

هذه المرأة صخرة بنتوءات حادة. أسلوبها العدائيُّ خلق تلقائيًا نوعًا من التواطؤِ غيرِ المعلن بيني وبين المتقدّم بطلب اللجوء، فأختار الأسئلة التي تصب في مصلحةِ اللاجئِ. أصبح تجاهها حائطًا اسمنتيًا حتى أوقف مرورَ موجاتِها السلبيةِ إلى طالب اللجوء.
هل أنت جنديٌّ في الجيشِ السوريّ؟
نعم، وأنا هارب من الجيش.
لماذا؟
عند بدءِ المظاهراتِ في حلب طُلب منا النزولُ إلى الشارع وقمع المتظاهرين بالقوّة. أُمرنا بفتحِ الرّصاصِ الحيّ عليهم إذا لزم الأمر. عندما أتى الأمر بإطلاق النار لم أستطع! لم تطاوعْني يميني للضغط على الزناد لأقتلَ أبناءَ بلدي وجلدتي وديني. لم أُطع الأوامر، فكان مصيري السجن.
ما هو دينك؟
أنا مسلم.
ما هي إثنيتك؟

ينظر إليّ، فأعرف أنه لم يفهم المقصود من السؤال.
يعني يا أحمد هل أنت عربيٌّ أم كرديّ أم تركماني أم أيزيدي؟
أنا عربي.
طيب، متى سُجنت؟ وأين؟
في سجنِ المخابراتِ العسكرية في حلب.

هنا تتدخل القاضيةُ لتسأل: كيف كان شكل السجن، هل كانت الأرض ترابية أم من الإسمنت؟
لا أعرف…
كيف لا تعرف؟ ألم تكن في السجن؟

أترجم له السؤالَ، فيقول: لا أعرف. قولي لها إسمنتية.

أقوال جاهزة

تضيف هي بحدّة: اسْأليه إن كانت هناك حشراتٌ على الأرض.
لا أعرف فقد كنت معصوب العينين طوالَ مدّة سجني.

تصرخ فيّ قائلة: قولي له إن كان يريدني أن أقتنع بروايتِه بأنه كان مسجونًا، فيجب أن يعرف كلَّ شيء عن السجن الذي كان فيه. اسأليه مجددًا إن كانت هناك حشرات أو زواحف في الغرفة أم لا؟
لا أعرف. عيناي كانتا معصوبتين.
صِفْ لنا غرفةَ السجن وماذا كنتَ تأكل؟

تبدأ رقبتي بالتشنج، بالرغم من أنني واجهتُ حالاتِ سجنٍ وتعذيبٍ عديدة، عادة لا يسأل القضاة والمحققون عن هكذا تفاصيل، حتى لا نوقظ التروما في نفوسِ الضحايا.
الغرفة كانت صغيرة وضيّقة، أتصور، مظلمة جدًا ورطبة. كنتُ وحدي. الأكل، مرة في اليوم؛ خبز يابس.
هل تعرّضتَ للضرب أو التعذيب؟
نعم.

أكتفي بهذه الإجابة، ولكنّ المرأة منكوشة الشعر تصرخ: قولي له بأنني أريد أن أعرف بالتفصيل كيف عذّبوه.
لماذا؟ أسألُها أنا مستنكرة.
وإلا ما الذي يؤكد لي أنه تعرّض للتعذيب.

تؤلمني معدتي. لا داعي لذلك فعلًا.
لقد عصبوا عينيَّ، وربطوني وجلدوني بسلك كهربائي.
لماذا عذّبوك؟

كانوا يصرخون بي “حتى تتعلّم ألا تعصي الأوامر مرةً أخرى” ثم وضعوني في الكرسي.

تسأل القاضيةُ ما هو الكرسي.
ألا تعرفون الكرسي؟ إنها طريقة تعذيب معروفة، ربطوني بحبلٍ إلى الوراء حيث تقوّس ظهري وأرجل الكرسي تخترق ظهري. وضعوني فيها أكثر من ساعة.

أتلبّك أنا. لا أعرف كيف أترجم مفرداتِ التعذيبِ للألمانية. كيف أترجم ربطوني وجلدوني. أ أقرر أخذَ دقيقةٍ لأفتحَ قاموسَ ليو في التطبيق على هاتفي؛ إنكليزي/ألماني.

من الواضح أنَ الرجلَ سوريٌّ، ووفقًا للتعليماتِ المعطاة لنا، فإنه سيحصل على اللجوء الإنساني لمدة سنتين بشكلٍ أولي، كيفما كانت قصّتُه، شاءتْ هي أم أبَت. الرَّجلُ لو صحّ كلامه، جنديٌّ عصى أوامرَ قيادتِه بإطلاقِ النّار على المتظاهرين، فهو من البديهيِّ أن يُعذّب . وإن كان كاذبًا، فلن نعرف؛ لأنه جنديّ محترف.

كلَّما كان يُسهب بإجاباتِه، اختصرتُ أنا الترجمةَ أكثر.

وكان تنفسُّه يزداد سرعةً وبدأ يتعرّق. يا أختي، أنا لا أريد مضايقتَكِ بهذا الحديث، ولكن هي تسألني.
أعرف، أعرف. لا عليك.

تصرخ بنا نحن الاثنين معًا: ماذا تقولان؟ أتظُنّانِ أنكما تستطيعانِ خداعي؟
مقدِّم الطلبِ يتحدّث عن مشاعرِهِ حيالَ استعادةِ مرحلةِ التّعذيب.
حسنا، اسأليه أن يكمل… كلَّ شيءٍ تعرّض له.

يقول أحمد: بقيت في سجنِ المخابراتِ العسكرية أربعينَ يومًا. حبسٌ انفراديّ، ضربٌ، وتعذيبٌ بوسائلَ مختلفة. الكرسي، الصعق بالكهرباء، الجوع…كانوا دائما يكرّرون: حتى لا تحلمَ بعصيان الأوامرِ مرّة أخرى يا حيوان. عليك أن تطلقَ النارَ على هؤلاء الخنازيرِ يا خنزير! أنت واحدٌ منهم!

بعد أربعين يومٍ من العذابِ أعادوني إلى قطعتي . في المأذونيةِ التالية هربتُ إلى تركيا.
كيف هربتَ؟ من أيّ طريق؟
بالبرّ؛ من تل أبيض.
من كان معك؟
زوجتي وابنتي.
ما هو تاريخ ميلاد ابنتك؟
٢٢ شباط ٢٠١١
ولكنّ تاريخَ الميلاد في دفترِ العائلةِ هو ١٣ تموز ٢٠١١!
نعم، لم نسجّلها فورَ ولادتها، سجّلناها لاحقًا.

أفسّر للقاضية بأن هذا الأمر يحدث في سوريا، ولدينا حالاتٌ عديدة كحالتِه. لكنّها تقول ملؤها التهكّم: لكَم الوقتُ والتواريخ مهمّة عند العرب! سوف أخرج من الغرفةِ الآن لمدةِ خمس دقائق، يستحسن أن تجدا لي وثيقةً تُثبت لي أن الطفلة هي فعلًا ابنته.

في كلامها تهديدٌ مبطّن، قد تسحب منهما الطفلةَ وتودّعها في الميتمِ بحجّةِ أنهما ليس والديها. لا أفصح له عمّا يجول بخاطري كي لا أزيدَ من قلقِه وتوتّرِه.
حسنا يا أحمد، أعطِني كلّ الوثائق كي أفتش فيها. لأنني لاحظتُ أنه بطيءٌ جدًا في القراءة.  

تدخل القاضية قائلة: ها! هل وجدتُما ما يُثبت أن هذه الطفلة هي ابنته؟
ما هذه الورقة من الجيش يا أحمد؟
إفادة بالراتب.
حسنا، فيها مذكورٌ أنك تتقاضى بدلًا عن النّقل أيضا، كما أنك تتقاضى مبلغًا شهريًا عن زوجتِك وابنتِك. جيّد.

وهنا يأتي السؤالُ الذي يُرعب كلَّ المتقدّمين بالطلبات، فأحاول صياغته بألطف شكلٍ ممكن:
ماذا سيحصل فيما لو تمّت إعادتُك، نظريًا، إلى سوريا الآن؟

يصفرّ وجهُه، فهو على الأغلب لم يفهم ماذا أعني بنظريًّا، فيقول: لا لا لا أستطيع العودةَ أبدًا.
أعرف يا أحمد. أذكّرك بأن هذا افتراضٌ فقط، ولا أعتقد أنه سيحدث، ولكن فيما لو تمّت إعادتُك إلى سوريا، فما الذي يُهدّدك هناك؟
سيُعدمونني مباشرةً في حال عُدت؛ وإن لم أقَع بقبضةِ الجيشِ فسيُجبرني الثوّارُ على الانضمام إليهم. أو قد يقتلونني لأنهم لا يستطيعون الوثوقَ بي لأنّي جنديٌّ سابق.
هل تريدني أن أقرأَ عليك البروتوكولَ كلَّه؟ في حال أردتَ تغيير أو تعديلَ أيٍّ من أقوالِك .

تقول القاضية بلهجةِ من يريد أن يحسم أمرًا: هذا حقُّه، ولكن ليس عليه استعمالُه.
من حقّهِ أن يطلب إعادةَ قراءةِ البروتوكول إن كان يريد ذلك.

أحمد، مثله مثلُ كلِّ الذين لم يحصلوا على الكثير من التعليم، يخاف ويشعر بالتوجّس من كلِّ ما هو مدوّن، فيطلب عادةً إعادةَ قراءةِ البروتوكول.

أقرأ عليه ما قيل في الساعاتِ الأربعِ الماضية في هذه الغرفة، كلمة كلمة. يتدخل هو ليطلب منّي تعديلَ تفاصيلَ بسيطةٍ جدًا صلّى . كلُّ هذا والقاضية تستمع بنفاذِ صبرٍ بالغٍ وتأمرنا بأن نسرع، ولكنّي أحافظ على السرعة نفسِها في القراءةِ وتسجيل الملاحظات.

عندما ننتهي، يسألني الرجل: والآن ماذا؟ ما هو القرار؟
سوف تحصل على الجوابِ في غضونِ أسبوعٍ بالبريد. تعالَ تحقّق من عنوانِك لو سمحت. هل ما زلت تقطن في فيسير شتراسيه؟

نكتشف أنه العنوانُ القديم وأنه يعيش الآن مع زوجتِه وابنتِه في شقّةٍ خاصّة بهم في شارع زونن آليه ذي الأكثريةِ العربية.
آه، جيد جدًا! الآن تسكنون أنتم لوحدِكم في شقّةٍ؛ أنتم محظوظون. الآلاف يقبعون في المآوي العموميةِ بانتظار إيجاد سكنٍ خاصٍّ لهم.
نعم من أجلِ الطفلة أعطونا بيتًا قبلَ غيرِنا كما أن امرأتي حاملٌ. ما هي النتيجة يا أختي؟
لسنا مخوَّلينَ إعطاءَك جوابًا شفهيًا. لكن، لا تقلق! قصّتُك واضحة، وملفُّك على ما يرام.

تقول القاضيةُ :وحدَه الجالس فوق يعرف إنْ كان ما يدّعيه هذا الرجلُ صحيحًا أم لا. وتزيد متباهيةً بأنّها عندها أكبرُ سجلٍّ في اكتشاف الكذب ورفضِ الطلباتِ من بين جميع القضاة، إذ أنها تُجبر المحقّقين على التعاون معها بشكلٍ جيّد.

أذهب إلى غرفةِ الموظّفين يقول السّكريتير: تبدين متعبة يا صوفي.
الحالة الأخيرة كانت مع القاضية هوفمان.

ينظر إلى الأعلى ويقلب عينيه . إنّها لا تُحتمَل، ولا يريد أحدٌ أن يعمل معها. أجِد صعوبةً في إقناعِ المحقّقين بدخولِ غرفتها.
هكذا إذًا يا ماتياس، لقد أرسلتَني إلى غرفتِها مستغلًّا أنني جديدة في إدارتِكم.

يضحك ويقول: ما باليدِ حيلةٌ. تعرفين الضغط الذي نتعرّض له من فوق. “حسنا، من الأفضل إذًا ألّا آتي إلى هذا المركز أبدًا، سأذهب إلى شارع كارل ماركس غدًا.”  أقول له مازحة.

نورا المقداد بورجار

كاتبة ومحللة سياسية لبنانية – ألمانية. درست العلوم السياسية والعلاقات الدولية. حائزة على ماجيستير في الحوكمة والاقتصاد السياسي.

المصدر: رصيف 22



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع