أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » مصطفى الدروبي : ذاك الجلاد القابع في دواخلنا

مصطفى الدروبي : ذاك الجلاد القابع في دواخلنا

قال؛ على طريقة الحكواتي الدمشقي: نحن يا سادة يا كرام مقموعون ومطاردون وخائفون من الرحم إلى اللحد!

فرد سعدو صديق عمره: زودتها شوي.. بالإمكان أن تقول من المهد إلى اللحد..

تابع برو: نحن أبناء الحريمات يا صديقي.. أتينا من أرحام النساء المقموعات اللواتي يعانين منذ ولادتهن من القهر واللطم والتهميش.. نساء كالإماء يُنظَرُ إليهن على أنهن مصدر للمتعة وحسب.. وعاء إنجاب..

جدّي الذي رحل منذ عقد مضى كان يردد دعاءه قائلاً: اللهم ارزقني الدار الوسيعة والفرس السريعة والمرأة المطيعة.. انظر وتمعن يا صاح: حتى بهذه الدعوة جاءت المرأة في المرتبة الأخيرة.. ثم تقول لي من المهد إلى اللحد!

ثم تابع: كان جدي هذا زير نساء، فزوجته الرابعة كانت أرمينية.. مسالمة وبسيطة ومطيعة.. بينما كانت جدتي لأبي مشهوداً لها بالتمرد ورفض الضيم أو الإهانة، ولهذا كانت تردد أمام ضرائرها الأخريات: من يحاول إهانتي فسأقرف ظهره وأعلّمه كيف يحترم النساء.. وأحياناً كان التهديد هذا يتناهى لمسمع جدي لكنه يتظاهر بالطرش..

وبلا طولة سيرة، تابع برو قائلاً: إن الخائف والمقموع لا يستطيع أن يربي جيلاً قادراً على التمرد والثورة استناداً لقاعدة “تربى المَرابي على من كان رابيها”، ثم تتم عملية التدجين وفق تراتبية ملعونة، فشيخ الكتاب يلح على الالتزام بالطاعة.. الطاعة لكل “كبير” حتى لو كان من صنف الحمير، ويعيد ويكرر قائلاً: على كتفيك ملكان لصيقان بك يسجلان كل شاردة وواردة وكل منهما رقيب وعتيد.. يرصدان كل وسواس يعتريك.. ثم تأتي سنوات الدراسة الأولى في الابتدائية، لتطاردك عصا المعلم كأنها سيف مصلت، فالمنهاج المدرسي قميء ثقيل يستند للحشو والتلقي وأنت لست بقادر على التساؤل أو المناقشة أو طرح الرأي المخالف.. وحين تدخل قاعة الامتحان يتملكك رهابه وتغدو بحيص بيص!

في المرحلة التالية يأتي دور الشُرَطي.. وهنا صاح سعدو: أيوه.. جاء دور أبو كلبشة.. فضحك الحضور بصوت عال وأنظارهم تتجه صوب برو الذي أصلح نظارته بإنزالها إلى أرنبة أنفه قائلاً: نعم أبو كلبشة الذي يشبه بحركاته الكلاب البوليسية المدربة على تعقب روائح الأشياء، فتظنه عبر هذه الحركات اللافتة كأنه يشم رائحة المطلوبين والجناة على بعد فراسخ منه، وهو يتمطّق بشفتيه بعد زمهما، وزرقة عينيه المثيرتين للرعب..

وحين جلت فرنسا وجاء الاستقلال الذي سماه أجدادنا جماعة العهد الوطني (الجلاء) لإصرارهم على جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن، حالفين أغلظ الإيمان أنهم لن يُبقوا لديغول مسمار جحا بسوريا، تحقق الحلم المبتغى بعد مباحثات طويلة ووعود وعهود نكل بها المستعمر عديد المرات، وفي كل مرة كانوا وبكل إباء يرفضون الإبقاء على كراكون واحد للقوات الفرنسية على الأرض السورية..

وما إن تنفس السوريون نسيم حرية الاستقلال حتى دهمتهم سلطة التحري والمباحث والمخابرات، فأضحى نهارهم ليلاً وليلهم رعباً بعد فرحة لم تكتمل بالوحدة السورية المصرية، التي بنوا الآمال العريضة على وحدة العرب من خلالها، حين علت الصرخات عشية الوحدة “من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.. لبيك عبد الناصر”.

وما هي إلا سنوات، وإذ بالسوريين أمام عهد جديد أخرس الجميع وعلا صوته مدوياً: “لا صوت يعلو على صوت المعركة”، ثم جاء “أن البعث حركة انقلابية تنقلب فيها الحقيقة على الواقع” لتتوج عام الـ 1970 بسطوة الديكتاتور حافظ الأسد، الذي أحال البلاد سجناً كبيراً وأصبح عديد الوشاة والمخبرين أكثر من تعداد جيشه العقائدي، الذي وعدنا ذات يوم بتحرير الأرض والإنسان وإذا به يجردنا من الكرامة والحرية والأمان، حيث أصبح جيش الرقباء العتاة كالبرقش في ليلة صيف حارة والبلد آسنة..

وعندما فتك السرطان بجسد الديكتاتور العجوز سلّم البلد كمزرعة بما فيها لوريثه الشاب الأرعن، الذي أخذ البلاد والعباد نحو الكارثة المهولة بسبب مطالب السوريين المحقة بالعدالة والكرامة والحرية، التي أوصلتنا جميعاً عبر تغريبتنا المرة إلى الديار التركية ودول العالم كافة. وها نحن نقص مر حكاياتنا بالقرب من نوفرة جامع الفاتح، وما زال ذاك القاتل المتعطش للدم يطارد أحلامنا.

مصطفى الدروبي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع