أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » ديميستورا قصد المكان الخطأ والدستور يجب أن يُفصَّل للوطن وليس لشخص .. بقلم: م. سليمان الطويل

ديميستورا قصد المكان الخطأ والدستور يجب أن يُفصَّل للوطن وليس لشخص .. بقلم: م. سليمان الطويل

ديميستورا قصد المكان الخطأ والدستور يجب أن يُفصَّل للوطن وليس لشخص .. بقلم: م. سليمان الطويل

حينما قصدَ المبعوث الأممي ديميستورا دمشق يوم الأربعاء 24 تشرين أول 2018 ليناقش مسألة تشكيل اللجنة الدستورية فإنه غادر إلى المكان الخطأ والتقى بالشخص الخطأ أيضا .
كان الأجدى بالسيد ديميستورا أن يغادر إلى موسكو بدلا من دمشق ليناقش أي شيء يتعلق بالمسألة السورية لان القرار في موسكو وليس في دمشق. أو كان عليه أن يذهب أولا إلى تل أبيب ويحصل من هناك على ضمانة أولية أن إسرائيل لا تمانع تطبيق الحلول التي تؤدي أخيرا إلى الانتقال السياسي ورحيل النظام السوري ورأسه. إسرائيل متمسكة برأس النظام ليس محبة ولا احتراما ولكن لأنه حقق لها، من خلال المعالجة المُدمِّرة للمشكلة في الوطن، ما كان يعجز جيشها بالكامل أن يحقق 5% منه . ماذا تريد إسرائيل أكثر من إسالة الدماء أنهارا داخل سورية بين أبناء شعبها، وتدميرها وتدمير جيشها وتهجير شعبها وتفتيتها بين القوى الدولية والإقليمية، الأمر الذي جعل إسرائيل في موقع من القوة لتقول علنا: الجولان جزءا من أرض إسرائيل ولن ننسحب منه. كل هذا وفّرهُ لها هذا النظام . هذه حقيقة وليست تحليلا. لو أن النظام خاض هذه الحرب مع إسرائيل لكانت عادت الجولان ولم تخسر سورية 5% مما خسرته على كافة الأصعدة. ولكن إسرائيل لا تطالب بتغيير النظام وبالتالي ليست مشكلته معها. مشكلته مع كل سوري يطالب بتغيير النظام الفاسد والمستبد والسارق.
ولكن رغم الموقف الإسرائيلي، فتبقى موسكو هي اليوم الوصي على سورية وصاحبة القرار بكل شيء (ربما باستثناء فتح مجاري تصريف مياه الفيضانات بالعاصمة) وما تقوله موسكو يُنفّذ في دمشق بلا تردد أو اعتراض لأنهم يعرفون ما معنى التردُّد والاعتراض لدى دكتاتور إلغائي أيضا كما بوتين لا يقبل رأيا آخرا مغايرا.
سورية اليوم عموما هي أشبه بسورية بعد العام 1920 حين دخول القوات الفرنسية وفرضِها الوصاية علىها بعد اتفاق سايكس- بيكو، ثم الحصول على تفويض بذلك من عصبة الأمم. فكانت فرنسا هي الآمر الناهي وكانت تضع قياداتٍ سوريةٍ في الواجهة ولكن لا يملكون من أمرهم شيئا. بل كانت تجري انتخابات لانتخاب رؤساء جمهورية بعد تأسيس الجمهورية السورية الأولى عام 1932 ولكن كل شيء كان يجري تحت المظلة الفرنسية والولاء للوصاية الفرنسية. وهذا هو اليوم حال سورية.
نتذكر في أواسط تشرين أول كيف كان وليد المعلم يزبد ويرغد وانه سوف يحسم الأمر بالقوة العسكرية إن لم تلتزم الفصائل المسلحة بالانسحاب في الوقت المحدد من المنطقة العازلة، ثم صرّح الرئيس بوتين بجملة مختصرة قال فيها لن تكون هناك عملية عسكرية، فما كان من المعلم إلا أن بلع لسانه حالا وقال: سننتظر لنرى ما هو رد الفعل الروسي.
ثم عاد المعلم وصرّح في أواخر تشرين أول أن اتفاق إدلب لم يُنفّذ لأنه لا توجد إرادة تركية بذلك. إلا أن الرد سرعان ما جاء من الناطق باسم الكرملين حيث صرّح أن أنقرة تبذل جهودا كبيرة للوفاء بالتزاماتها. وهذا التصريح معناه أن كلام وليد المعلم غير صحيح وعليه أن يخرس.
لقد اجتمع في استنبول في 27 10 2018 كلا من تركيا وروسيا وفرنسا وبريطانيا ليقرروا مستقبل سورية دون وجود واحد يمثل النظام حيث أن روسيا هي من تقرر عن النظام فقط وما تقرره يلتزم به النظام صاغرا.
ولذلك كان على ديميستورا أن يتّجه نحو موسكو وليس دمشق، أي نحو الأصيل وليس الوكيل. وأمّا وقد أتّجه إلى دمشق فكان يجب أن لا يقبل سوى مقابلة رأس النظام وليس وزير خارجيته الذي هو شخصا مأمورا عند آخرٍ لا يملك من أمرهِ شيئا .
ورغم كل هذا لا يملُّ المعلم من إضحاك الناس وهو يكرر ذات العبارة الممجوجة عن السيادة والقول أن الدستور السوري هو شأن سيادي بحت يقرره الشعب السوري بنفسه دون أي تدخل خارجي، وهو أول العارفين أن سورية بلدا مُستباحا مما هبّ ودبّ، سواء من الروسي أو الإيراني أو التركي أو الأمريكي أو الفرنسي أو الألماني أو البريطاني أو الإسرائيلي وحتى من حزب الله اللبناني. الروس يدخلون بالطائرات إلى مطار حميميم ولا أحدا يعرف ماذا يجلبون وماذا يأخذون . أين هي السيادة؟. ومع ذلك لا يشعر بالإحراج وهو يؤكد على كلمة “سيادة” . الأمر أشبه بامرأة فاقدة لعذريتها ويغتصبها كل يوم عدة رجال ولكن في كل مرة تصرخ : إياكم وغشاء البكارة. كل شيء إلا غشاء البكارة.
عبارة : “الدستور يقرره الشعب السوري” هي كلمة حق يراد بها باطل. فالشعب السوري ليس اليوم بحالةٍ تسمح له بوضع دستور لبلاده بمفرده. يمكنه ذلك إن ما تمّت في البلد عملية انتقال سياسي وبوجود كافة قوى المعارضة والمجتمع المدني والمستقلون ومشاركتها جميعا في السلطة خلال المرحلة الانتقالية، وبتحييد كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإنهاء هيمنة طرف واحد على الدولة ومؤسساتها. حينها فقط يمكن للشعب السوري أن يضع دستورا لبلاده ومستقبلها. أما اليوم فكيف له ذلك؟.
ثم مَن هو الشعب الذي يتحدث عنه وليد المعلم؟. هل هم اللاجئون لدول الجوار أم النازحون في الداخل، أم الهائمون في أصقاع الدنيا أم القابعون تحت بسطار الأجهزة الأمنية في مناطق النظام، أم مَن؟. إنه يتحدث وكأن الشعب السوري كله يعيش في بلاده بسلامٍ وأمنٍ وأمان واستقرار وحرية ولم تشتعل حربا أهلية حرقت الأخضر واليابس وشتّتت السوريين في كل مكان، وأن نظامه لا يقبل إلا “المتجانسون” أو ” المنحبكجية ” أصحاب شعار ” الأسد للأبد” وسواهُم هم عملاء وخونة ومأجورين . ألَم يسمع وليد المعلم تصريح رئيسه أن سورية ليست لمن يحمل جنسيتها أو جواز سفرها وإنما لمن يدافع عنها؟. وبمعنى آخرا سورية لمن يدافع عن النظام ورأس النظام الذي اختزل سورية وشعبها كله بشخصهِ . فسورية هي لكل أجنبي جاء ليدافع عن النظام وعن الاستبداد والدكتاتورية وليست للسوريين أبناء السوريين منذ آلاف السنين.
غالبية الشعب العظمى قرفت من سماع أسماء ذات العائلات وتوابعها، التي تقبع على صدره منذ عقود من الزمن دون أن تقدم سوى القمع والقهر والظلم والفقر والبطالة والفساد وسرقة الشعب. لم ينهب أي مُستعمِر عبر التاريخ بلدا ما كما فعل أولئك. إنهم يتصرفون منذ حوالي نصف قرن أبشع من أي مُستعمِر. سورية من أغنى البلدان ولكنهم جعلوا شعبها من أفقر الشعوب وحوّلوها إلى ساحة حرب لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
أستغرب أن يكون هناك مواطنا سوريا واحدا لديه بعضا من الكرامة والغيرة على الوطن ويحرص على بناء مستقبل حر وكريم لأبنائه وأحفاده، وأن لا يسعى بكافة السبُل إلى وضْع دستور حضاري لسورية يحرره ويحرر أولاده وأحفاده من عقلية القمع والقهر والتهميش والتبعية وعبادة الفرد. أستغرب أن لا يطالب كل سوري يتطلع إلى الحرية والكرامة لأولاده وأحفاده بأن يكون هناك في سورية دستورا يضمن قيام الديمقراطية والتعددية وحرية التعبير والانتخابات الحرة والعيش الحر والكريم. هل ثقة البعض بأنفسهم معدومة لهذه الدرجة ويعتقدون أنهم لا يصلحون لشيء إلا لعبادة الفرد الحاكم وتنفيذ أوامره. أم لأنهم مستفيدون بشكل شخصي ودون مصالحهم ليذهب البلد إلى الجحيم.
الشعب السوري غير قادر في ظروفه الحالية المشتتة، وفي ظل هيمنة طرف واحد على الدولة السورية، على وضع دستور لبلاده. إنه يحتاج إلى مساعدة المجتمع الدولي ( المجتمع الدولي الحر الذي يفهم معنى الحرية وحقوق الإنسان وليس المجتمع الذي يتسلّط عليه فلاديمير بوتين، هذا الرئيس الطاغية المستبد الذي يعكس في كل سياساته عداء غير مسبوق لحرية الشعوب وحقوق الإنسان، ولذا تراه يدعم الطغاة أمثاله في كل مكان).
لا يمكن وضع دستور في الحالة السورية دون مساعدة المجتمع الدولي مُمثلا بالأمم المتحدة، وفي حال الاختلاف على أية مادة فتقوم الأمم المتحدة بصياغة حل وسط ويجب قبوله حتى لا تكون الغلبة لطرفٍ بعينه.
إن تُرِك الأمر للنظام فإنه لن يقبل بأي دستور ما لم يتم تفصيله على مقاس شخص بعينه، ضاربا بعرض الحائط بسورية ومستقبلها واستقرارها ووحدة أراضيها وشعبها. المجتمع الدولي لن يقبل بهكذا دستور مُفصّلا على مقاس شخص وليس مقاس وطن ومقاس شعب بأكمله، وبالتالي فإن استمرار رفض النظام يعني استمرار غياب الحل السياسي وهذا يعني استمرار تواجد كافة القوات الأجنبية فوق الأرض السورية واستمرار وجود السوريين المهجرين في الخارج واستمرار الخراب والدمار وانعدام الاستقرار والأمن والأمان والعمران.
من يريدون الدستور على مقاس شخص وليس وطن لا يمكن أن يكونوا وطنيين. من يستبدلون الولاء للوطن بالولاء لأشخاص لا يمكن أن يكونوا وطنيين.

الكُرة في ملعب روسيا وكل إنجازاتها العسكرية لن تفيدها بشيء إن لم يحصل في سورية حل سياسي يقوم على الديمقراطية البرلمانية والانتخابات الحرة والتداول، كما هو حال العراق. الولايات المتحدة جلبت لشعب العراق الديمقراطية، فماذا جلبت روسيا لشعب سورية؟.



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع