أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » ممدوح عزام : معارك شكلية

ممدوح عزام : معارك شكلية

خضنا عشرات المعارك الصغيرة والكبيرة في شبابنا دفاعاً عن المضمون. أذكر أن تلك النقاشات كانت تأخذ طابعاً قتالياً يتطلّب حشد جميع الأسلحة الممكنة، عدا النار بالطبع، كي نجعل المضمون سيّداً وحيداً في قمّة هرم الأنواع الأدبية الكتابية كافّة، ولكي نثبت أن له الأولوية على الشكل الذي هو شريكه التابع في الرواية والقصة والشعر والمسرح. كان كل من الفن التشكيلي والموسيقى يفلتان من بين الحجج التي نسوقها، فنتجاهل أمرهما، أو نؤجّل البتّ فيه، ريثما نعثر على المساندة الفكرية التي وعدنا أنفسنا بأنها آتية.

واللافت أن شبانا من اليمين واليسار، أي من تيارات فكرية متضاربة ومتصارعة في شؤون السياسة والاقتصاد والمجتمع، اتّفقوا كلهم على الوقوف “صفّاً واحداً” في الخندق ذاته الذي يناصر المضمون ويغلبه على الشكل. واتُّهم أنصار الشكل بالانغلاق، والتخلّي عن القضايا الجوهرية التي تهم الإنسان، وكان ناقد حصيف مثل محمود أمين العالم يقول إن مدرسة الفن التجريدي تشبه الرسم بذيل الحمار، في مقالة عنوانها “الفن بين ذيل الحمار وإرادة الإنسان” في كتابه “الثقافة والثورة”.

لكن، كيف يمكن التعبير عن الأفكار الجديدة بالأشكال القديمة؟ لعل أحد الأسباب التي منعت الشعر العربي من التطوّر هو تمسّك الشعراء العرب بالشكل العمودي الموروث، دون تجديد، فقد استولى الشعراء في العصر الإسلامي على شكل القصيدة العربية الموروث من العصر السابق، ولم يقدّموا أي تطوير لها، وكل ما فعلوه هو أنهم شحنوا النمط القديم ذاته بالعقيدة الجديدة، أي أن الانتقال الاجتماعي والسياسي الكبير والحاسم في تبدُّل المجتمع لم يترافق مع انتقال فنّي. بينما كان جوهر “ثورة الشعر الحديث” هو التمرُّد على شكل القصيدة العربية الموروثة. هي ثورة في الشكل تتضمّن أفكاراً جديدة وتغيُّراً في الحساسية ومواقف مختلفة تجاه العالم والوجود وقضايا الإنسان، لم يكن متاحا بأي صورة من الصور أن يستطيع الشعر العربي التقليدي استيعابها أو يقدر على ضمان التعبير عنها.

اللافت في الأمر أن أنصار المضمون وجدوا أنفسهم في مأزق اسمه الأنواع الأدبية، فتسمية “الأنواع” ليست أكثر من تحريف أو التفاف على تسمية الأشكال. وتُعتَبر الرواية النوع الأدبي الذي اجتاح المخيّلة العربية، وسمّاه العرب “شكلاً” جديداً طارئاً على الثقافة.

وبحسب لوكاتش، فإن البورجوازية المنتصرة في التاريخ العالمي استطاعت أن تجلب معها الشكل الجديد للكتابة السردية، وهو الرواية التي كانت البديل الجديد للشكل القديم الذي مات بموت العصور القديمة وهو الملحمة. وهو ما يفسّره عنوان كتابه الصغير “الرواية كملحمة بورجوازية”.

وقصّة الشكل تخيف الكثيرين، حين يمكن لخصوم أنصاره الذين يعتقدون أن التغيّرات الكبرى هي تغيّرات في الشكل، أو في محتوى الشكل، أن يتّهموهم بالشكلية، وهي تهمة قد تعني في المفهوم البسيط الخفّة والتصنّع والابتعاد عن الجوهر.

في كتابه “الوعي والفن”، قال الروسي غيورغي غاتشيف إن خلق الشكل يتم من خلال صلته بالجوهر، والأهم من هذا أنه قال إنك “لا تستطيع استخدام الفأس دون شكلها”.

ممدوح عزام