أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » سردين وبصل يابس….قصة واقعية يرويها المعارض السوري بسام يوسف عايشها بأم عينه

سردين وبصل يابس….قصة واقعية يرويها المعارض السوري بسام يوسف عايشها بأم عينه

سردين وبصل يابس.
في شباط 1981، كنت في سنتي الجامعية الثانية، كان مساء ماطرا، وكنت أغذ الخطى ما أستطيع لأصل إلى غرفتي، فالمطر ينهمر بغزارة، والطريق الذي أسلكه مليء بالحفر التي تحولت إلى برك غامضة لا تعرف عمقها واتساعها إلا من ذاكرتك التي حفظت معظمها.
كنت قد قاربت على الوصول، دقائق قليلة فقط، عندما لمحتها، امرأة تقف مستندة إلى جذع شجرة على رصيف الشارع، تدير ظهرها للعابرين فلا يرون إلا معطفها الأسود الطويل ورأسها المغطى بحجاب أسود أيضا.
استغربت الأمر، فما الذي يدفع امرأة لأن تقف في هذا المساء الماطر وحيدة، تجاوزتها وأسئلة كثيرة تدور في رأسي، فجأة قررت أن أعود إليها وأسألها إن كانت تحتاج لمساعدة ما.
عندما اقتربت منها، تنحنحت كي أنبهها، أدارت وجهها باتجاهي، وعلى ضوء مصباح الشارع البعيد استطعت أن أرى وجها لفتاة لا تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، مبتلا، لا أدري إن كان بالدموع أو بالمطر.
حييتها وسألتها إن كنت أستطيع مساعدتها، فهزت رأسها بالنفي، ترددت في المضي لحال سبيلي، فالمطر يستحثني للهروب، لكن تعابير وجهها رسخت قناعتي أنها برفضها للمساعدة هي بأمس الحاجة لها.
حاولت طمأنتها وأوضحت لها أن وقوفها وحيدة قد يكون سببا لمشاكل أخرى، كانت تسمعني بصمت، لكن دموعها كانت تنسكب بوضوح على وجهها.
تكلمت أخيرا، كان صوتها يتهدج، ويختنق بالبكاء:
– والله يا أخي ما بعرف لوين بدي روح، أنا مو من هون، أنا من ريف جسر الشغور……
باختصار هذه الفتاة كانت قد تزوجت منذ أقل من شهر من ابن عمها، وابن عمها كان قد قدم إلى اللاذقية منذ عدة أشهر ليعمل فيها “بلّاط”، وعندما استطاع استئجار غرفة عاد إلى قريته وتزوج خطيبته وجاء بها إليها.
في تلك الليلة كان الزوج قد عاد من عمله قبل حلول المساء، وضعت له زوجته الطعام، فأكل، وأعطاها نقودا كي تشتري له زوادته ليوم غد قبل أن يغلق السوق، على أن ينام هو خلال ذهابها إلى السوق.
لم يستغرق ذهابها للسوق وشراء ما تحتاجه وعودتها أكثر من ساعة، وعندما وصلت إلى أول الزقاق الذي تسكن فيه، شاهدت عددا من الرجال بلباس مدني لكنهم مسلحون، يغلقون الزقاق، ويمنعون الناس من الدخول إليه.
لم تكن الفتاة القادمة من قريتها، والمسكونة برعب الأحداث التي كانت تجري حينها في سوريا، تعرف ماذا ستتصرف، وعندما صرخ بها رجل مسلح يقف في أول الزقاق أن تبتعد، ابتعدت، لكنها خائفة على زوجها، فعادت.. صرخ بها مرة أخرى بقوة أكبر، فابتعدت مرة أخرى، لكن لخطوات فقط تكفيها لكي تختفي عن الرجل الذي يصرخ بها….
أثناء حيرتها وارتباكها اقترب منها رجل أمن آخر، سألها عما تريد، فأخبرته أنها تريد الوصول إلى بيتها، وعندما سألها أين تسكن أخبرته عن غرفتها، تلفت حوله ثم سألها هامسا:
– فلان (اسم زوجها) شو يقربك؟.
أخبرته أنه زوجها، فهمس قائلا لها:
– اهربي بسرعة، والله إذا عرفو أنك زوجته لياخدوك معو ع السجن، روحي بسرعة، ولاترجعي ع الغرفة، لأنو رح يضلوا معسكرين فيها… يا الله بسرعة.
ابتعدت المرأة … لكنها لم تكن قد ابتعدت كثيرا عندما رأتهم يقودون زوجها الى سيارتهم.
إلى أين ستذهب فتاة قادمة من قرية منسية، في ليلة ماطرة وفي مدينة لا تعرف أحدا بها؟؟.
فكرت أن تعود إلى قريتها، لكن الوقت قد تأخر، ولم يعد هناك أي وسيلة مواصلات، والغرفة الوحيدة التي تعرفها أصبحت محتلة الآن.
مشت، ومشت، ثم اكتشفت أنها تاهت، كانت تمشي وتبكي، وكيسها الصغير الذي وضعت به ما اشترته لايزال في يدها.
عندما أرهقها المشي والبكاء استندت إلى جذع الشجرة وأدارت ظهرها لا تريد لأحد أن يرى وجهها المسكون بالخوف والقهر والدموع.
قلت لها أنها ستنام في غرفتي، وأنا سأنام عند أحد أصدقائي، ترددت، لكنني أقسمت لها أنها ستكون في مأمن.
ودعتها وقلت لها أين تضع المفتاح عندما تغادر صباحا، شرحت لها كيف تصل إلى كراجات جسر الشغور، وسألتها إن كانت تحتاج لنقود، فرفضت وأقسمت أن ما لديها يكفيها لكي تصل إلى قريتها.
عندما عدت في اليوم الثاني إلى غرفتي، كانت غرفتي مرتبة ونظيفة، وعلى الطاولة الوحيدة رأيت الكيس الذي كانت تحمله معها، كان فيه علبتا سردين، وكيلو بصل يابس.

 



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع