أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » قصة النازيين الذين قَدِموا إلى القاهرة في الخمسينيات والستينيات

قصة النازيين الذين قَدِموا إلى القاهرة في الخمسينيات والستينيات

شهدت العلاقات بين مصر وألمانيا النازية تقارباً في محطات مختلفة من عهد الملك فاروق. وبعد القضاء على النازية بسنوات، وبالتحديد في عهدي الرئيسين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، قَدِم عدد كبير من النازيين إلى مصر، في فصل شيّق من تاريخ البلاد الحديث.
من الغستابو إلى تدريب الجيش المصري

يقول الرئيس المصري الراحل محمد نجيب، في مذكراته “كلمتي للتاريخ… كنت رئيساً لمصر: “صرّح تشرشل بأنه يؤيد الصهيونية ويريد أن يرى إسرائيل أقوى دولة في شرق البحر المتوسط ولم يكتفِ بذلك بل أرسل خطاباً لـ(الرئيس الأمريكي دوايت) آزينهاور، يطلب فيه منع الضباط الألمان من مساعدة الجيش المصري”.

ويتابع: “للخبراء الألمان في مصر قصة بدأت عندما عرض (مدير المخابرات الحربية بعد ثورة 1952) زكريا محيي الدين فكرة استخدام بعضهم في تنظيم جهاز المخابرات الذي أنشئ لحماية الوطن من أعدائه وكانت لهم في ذلك خبرة. وافقت على المبدأ وتركت التفاصيل لزكريا”.
الاعتماد على نازيين في مصر

يشير أستاذ التاريخ الأوروبي الحديث الدكتور وجيه عتيق، الذي طالع مواد الأرشيف الألماني حول مصر، إلى أنه كان هناك اتصال مع ألمانيا الغربية منذ فترة كبيرة قبل عهد محمد نجيب، وإلى أن القنصلية المصرية في ألمانيا تلقت عام 1940، في عهد وزارة حسين سري باشا، ما وصل إلى 400 طلب من عسكريين نازيين للانضمام إلى الجيش المصري والعمل فيه.

ويشرح لرصيف22 أن مصر كانت حينذاك ترغب في إنهاء وجود البعثة الدبلوماسية الإنكليزية، وهي رغبة اشتركت فيها مع مخطط الزعيم النازي أدولف هتلر التوسعي الذي كان يرغب في القضاء على كل ما يمتّ إلى بريطانيا بصلة، مضيفاً أن “الجميع في مصر كان يهتف إلى الأمام يا (قائد القوات النازية في شمال إفريقيا إرفين) رومل”، بسبب أحقاد ضد الضباط الإنكليز المسؤولين عن تدريب الجيش المصري.
رومل خلال معركة العلمين عام 1942

ويضيف أن فاروق كان يتصل بهتلر بصورة أو بأخرى، حتى أن الأخير أهدى ملك مصر سيارة مارسيدس بينز مصنعة خصيصاً من أجله، كهدية له في أحد أعياد ميلاده.

ولكن الفصل الأساسي في استقدام خبراء نازيين إلى مصر دار بعد هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية. وتقول الباحثة في الشؤون الإسرائيلية الدكتورة سلوى صابر، في كتابها “الموقف الأمريكي من سباق التسلح بين مصر وإسرائيل 1955-1967”: “بدأ استقطاب العلماء والخبراء الألمان للعمل في مصر منذ عام 1950 إذ احتاجت إليهم مصر لإعادة بناء جيشها وتنظيمه على النمط العسكري الألماني، وكان هناك اتجاه داخل الجيش يهدف إلى إحلال الكثير من المدربين الألمان محل نظرائم الإنكليز في محاولة لكسر نفوذ الإنكليز وكسر الاحتكار الإنكليزي للتسليح”.

وتضيف: “أنشأت مصر إدارة خاصة في وزارة الحربية لشؤون الخبراء الأجانب الذين كانوا يعملون بموجب عقود خاصة لكل منهم”.
النازيون وتدريب الجيش المصري

“كان أوتو سكورزيني داهية بحق وصار يعمل في فرقة الحراسة الشخصية لهتلر وكان ضابطاً ضمن وحدات الـ”أس أس”، الجناح العسكري للحزب النازي”، يروي المؤرخ العسكري في “المجموعة 73 مؤرخين” آسر عفيفي لرصيف22 متابعاً أن الرئيس محمد نجيب ضمّه كما ضمّ الكثيرين من رجال وحدات الـ”أس أس” إلى الجيش المصري لتدريبه، وتشكيل جهاز الشرطة المصري، خلال عام 1953، وجعل سكورزيني مقرّباً منه وعيّنه مستشاراً عسكرياً له، رغبةً في التخلص من النفوذ الأجنبي، تنفيذاً لمبادئ ثورة 1952، وبهدف الاستفادة من خبراتهم في إعادة تأهيل الجيش والشرطة بعد النكبة.

ويشير إلى أنه “من بين أبرز النازيين الذين استعان بهم نجيب خلال تلك الفترة، الجنرال فلهلم فارمباخر الذي عمل في مجال التدريب العسكري بعد هربه إلى مصر عقب هزيمة ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وكان قائداً في الجيش النازي، وعمل على تجنيد قدامى الجنود والضباط الألمان السابقين من فيلق إفريقيا، وجاء معه لقيادة التدريب الجنرال أوسكار ديرلوانغر، قائد ما كان يُعرَف بـ”لواء ديرلوانغر” النازي، بجانب جنرالات من الغستابو، منهم ليوبولد غلايم، قائد غستابو وارسو في بولندا، وفرانز بيونخ وغوهايم دوملنغ وألويس أنطون”.

نازيون في مجال الدعاية

لم يقتصر استقدام النازيين إلى مصر على تشغيلهم كخبراء في المجال العسكري، ولكن استُقدم البعض للمساعدة في المجال الدعائي أيضاً.

يروي المؤرخ المصري ورئيس قسم المخطوطات الأسبق في دار الوثائق القومية، الدكتور صبري العدل لرصيف22 أن جميع الوثائق الرسمية الأجنبية التي أفرجت عنها وكالة الاستخبارات الأمريكية عام 2002 تؤكد تواجد الضابط النازي يوهان فون ليرز في مصر.

ليزر، بحسب العدل، كان مستشار هتلر الدعائي سابقاً، وعمل مع وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، أما في مصر فقد عمل في مجال الدعاية ضد إسرائيل والحركة الصهيونية عام 1956، خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ضمن برنامج الدعاية الموجه ضد إسرائيل في وزارة الإرشاد القومي، ودرّس اللغة الألمانية للطلاب في المدارس من أجل إخفاء هويته وغيّر اسمه ليكون عمر أمين.

وأضاف: “عمل أيضاً لحساب مصر ليوبولد فون ميلدنشتاين، ضابط القوات الخاصة الألمانية ورئيس الدعاية النازية الموجهة ضد إسرائيل، وبعد أن أنشأ محمد نجيب وزارة الدعاية والإرشاد عام 1952 عمل لديه في الوزارة، وفي عهد عبد الناصر عمل في إذاعة صوت العرب لخدمة الدعاية الناصرية، عام 1960”.
مستشارون نازيون وتجار أسلحة

في كتابه “موسوعة المتطرفين والجماعات المتطرفة في العصر الحديث” (2002)، يقول المؤرخ الأمريكي ستيفين أتكينز Stephen E. Atkins، وهو أكاديمي متخصص في التاريخ الأوروبي الحديث: “هرب أوتو أرنست ريمير من حكم قضائي (في ألمانيا الغربية) إلى مصر. وفي مصر، عمل مع نازيين آخرين يبيعون التكنولوجيا والأسلحة لدول عربية. وعمل أيضاً لبضعة سنوات مستشاراً سياسياً-عسكرياً للرئيس المصري جمال عبد الناصر. وعام 1956 انتقل إلى سوريا واستمر بالعمل في تجارة السلاح”.

لم يكن غريباً اعتماد القيادة السياسية في مصر على خبراء ألمان نازيين لدعم تسليح الجيش، ومنهم أوتو أرنست الذي أحبط محاولة لاغتيال هتلر عام 1944، وفلهلم بيسنار، القائد النازي في صربيا خلال الحرب العالمية والذي كوّن شبكة لبيع الأسلحة وتكنولوجيا التسليح لمصر وعمل بالتعاون مع أوتو سكورزيني، مستشار نجيب ثم عبد الناصر. وهناك أيضاً ألويس برونر، وجاء إلى مصر تاجراً للسلاح بعد أن كان ضابطاً في القوات الخاصة في الجناح العسكري للحزب النازي، ومساعداً للقائد النازي أودلف آيخمان، بحسب ما يروي أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية الدكتور سعيد صادق لرصيف22.

ويقول صادق إن نجيب وعبد الناصر سمحا للألمان النازيين بالإقامة “لضرورة المرحلة”، ويضيف: “ما هي المشكلة في الاستعانة بالخبراء الألمان النازيين في ظل تنامي خطر إسرائيل؟ المهم هو مواصلة العمل. ولكننا لم نواصل العمل بالرغم من أننا كنا على طريق إنتاج صواريخ بالستية”.

ويعلّق صادق على المسألة بقوله إن “أبجديات السياسة لا تهتم إلا بالمصلحة الشخصية، فأمريكا نفسها استعانت بعلماء وخبراء نازيين خلال فترة الخمسينيات لتطوير برامجها التسليحية، فلماذا لا نستعين نحن أيضاً بهم؟”.
برامج صواريخ “القاهر والظافر”

في كتابه “قصة صناعة الصواريخ والطائرات المصرية”، يقول محمد ضيائي نافع، مسؤول تأمين مشروع الصواريخ والطائرات والخبراء الألمان العاملين في المشروع الذي كان يشرف عليه نائب القائد الأعلى للمشروعات الحربية الخاصة: “اختمرت الفكرة في ذهن العقيد طيار عصام الدين محمود خليل، مدير مكتب نائب القائد الأعلى للمشروعات الغربية الخاصة (مشروعات الطائرات والصواريخ)، وسعى لتنفيذ الفكرة، وعن طريق اتصالاته وعلاقاته وجمع المعلومات اختار فريقاً من العلماء الألمان وكان الفريق يعمل تحت قيادة فولفغانغ بيلز، الألماني الجنسية، ولما عرض الأمر على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في أواخر 1959 طلب الأخير منه الاستمرار”.

من أبرز العلماء الألمان المشاركين في برنامج الصواريخ المصري نجد الدكتور ويليام فوس، وكان قد جاء إلى مصر خلال عهد نجيب وعمل مستشاراً لوزير الحربية ومسؤولاً للتخطيط لصناعة الصواريخ وعمل على الاتصال بباقي الخبراء والعلماء الألمان.

وأعطى عبد الناصر إشارة البدء في المشروع عام 1960، بحسب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، المؤرخ الدكتور نبيل أباظة.

وقال أباظة لرصيف22: “جاء العلماء الألمان من ألمانيا الغربية، وكان الفريق المسؤول عن تطوير صناعة الصواريخ في مصر يضم قرابة 250 عالماً ألمانياً، عملوا جنباً إلى جنب مع خبراء وعلماء مصريين لإنتاج صواريخ بالستية مصرية وطائرات نفاثة بسرعة الصوت وهي المشاريع التي لم تكتمل بسبب مؤامرة الموساد الذي راح يغتال العلماء عبر طرود مفخخة في ما يُعرف بـ’عملية ديموكليس’”.

وتابع: “على رأس الخبراء الألمان كان الدكتور فولفغانغ بيلز الذي عمل خبيراً في تصنيع الصواريخ الألمانية في معهد أبحاث الجيش الألماني، خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وهناك هانز كروغ، صانع ومصمم الصواريخ والذي لعب دوراً هاماً في تطوير صاروخ V1 و V2، وهي صواريخ أرض-أرض عابرة للقارات، استخدمتها ألمانيا لضرب سواحل إنكلترا الشرقية والجنوبية خلال الحرب العالمية الثانية، وكان من أبرز العلماء الألمان المتخصصين في الصواريخ أيضاً رودلف آنجيل وبول جيركا وهانز كلاينفوختر”.

أضاف أباظة: “كان هناك أيضاً فريق آخر لصناعة الطائرات، من بين أعضائه فيلهلم ميسرشميت، أحد أبرز صناع الطائرات في ألمانيا النازية ومصنّع الطائرة ميسرشميت BF 109، المقاتلة الأكثر حيوية في القوات الجوية الألمانية، والتي استُخدمت خلال معارك الألمان ضد دول الحلفاء، ومهندس الطائرات الألماني الشهير آرنست هنيكل، أول مَن صمم طائرة تعمل بالطاقة الصاروخية خلال الحرب العالمية الثانية سُمّيت على اسمه، Heinkel He 219، وفرديناند براندنر وهو متخصص أيضاً في صناعة الطائرات”.
نازيون هاربون إلى مصر

فتحت مصر أبوابها للألمان الهاربين، للعيش فيها، في ملف لم تنتهِ تبعاته في القرن الماضي، فعام 2010، طلب سفير إسرائيل في القاهرة إسحق ليفانون رسمياً من السلطات المصرية تسليم ثلاثة ضباط نازيين زعم وجودهم على الأراضي المصرية منذ عام 1960، وهم ولفغانغ بلومنتال وألبيرت غونتار والملازم هورست هيلموت.

ويقول الدكتور صبري العدل لرصيف22 إنه من المعروف أن ألبرت هايم قضى شطراً كبيراً من حياته في مصر بالفعل إلى أن توفي فيها عام 1992 بعد 44 عاماً من العيش على أراضيها، وهو طبيب يُشتبه في أنه قتل وعذب المئات في معسكر اعتقال ماوتهاوزن، وشارك في عمليات حرق يهود ومعارضيين لهتلر وعاش في مصر باسم مستعار هو طارق حسين، خوفاً من اغتياله، وعمل طبيب أسنان في أحد أحياء منطقة الموسكي.

ويضيف أنه من المعروف أيضاً أن كارل ديبوش الذي أطلق عليه اسم “الخواجة دبوس” عمل طبيباً في مصر، وهو طبيب وضابط ألماني متهم بقتل 300 يهودي من خلال إجراء التجارب عليهم في معسكرات التعذيب.

وتابع أن “فترة تواجد الألمان النازيين في مصر غامضة فالوثائق ما زالت مخفية حتى الوقت الحالي وجميع المعلومات المتاحة هي التي يتم الحصول عليها من المصادر الأجنبية المختلفة”.
أسباب الفشل

يذكر محمد ضيائي نافع في كتابه المذكور أسباب فشل برنامج الصواريخ المصرية ويقول: “في أحد الأيام وأظن في رأيي أنه لم يكن يوم السعد قام رئيس ألمانيا الشرقية (فالتر) أولبرخت بزيارة إلى مصر بدعوة من الرئيس عبد الناصر”، وأعقب الزيارة الاعتراف بألمانيا الشرقية وتبادل السفراء بين الدولتين.

ويضيف: “كانت ألمانيا الغربية لا تتعاون مع أية دولة تعترف بألمانيا الشرقية أو بالتقسيم، وأثّر هذا الموقف على العلماء والخبراء الألمان في المشروع وخشوا من تدخل ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفياتي من التدخل في الصناعة المصرية وخاصة في مشروع الصواريخ”.

ويتابع: “صدر لهم نداء من ألمانيا الغربية، وعبر وسائل الإعلام في ألمانيا، بترك العمل في مصر، وأخذت الصحافة الألمانية في تشجيعهم على ذلك وخصوصاً أن العلاقات الدبلوماسية بين مصر وألمانيا الغربية كانت قد قُطعت وبدأت تسود حالة من القلق والترقب بين الخبراء الألمان”.

ثم كانت هزيمة يونيو 1967 وحالة اليأس التي سادت في الشارع المصري بالإضافة إلى تدخل الاتحاد السوفياتي في السياسة المصرية وضغوطه للتخلي عن الخبراء الألمان، فصدر قرار سياسي بوقف المشاريع في نهاية عام 1968 وأوائل عام 1969.

ماذا أنتجت مرجلة التعاون هذه؟ في مذكراته، يروي الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية أثناء حرب أكتوبر، أنه “بعد هزيمة سنة 1967 أخذ المصريون يتهامسون: أين الصاروخين؟ ولماذا لم يستخدمهما الرئيس عبد الناصر فى ضرب تل أبيب كما وعدنا؟”.

وأضاف: “القاهر والظافر كانت هناك عدة نسخ منهما ترقد في المخازن، لقد كانت عيوبهما كثيرة وفوائدهما قليلة، لكنني قررت أن استفيد منهما بقدر ما تسمح به خصائصهما، ولقد حضّرت بنفسي بياناً عملياً لإطلاق القاهر ووجدت أن هذا السلاح أقرب ما يكون إلى منجنيق العصور الوسطى”.

وتابع: “بالطبع كانت المخابرات الإسرائيلية تعلم الحقيقة جيداً أما الوحيد الذي لم يكن يعلم فهو الشعب المصري وهو الوحيد أيضاً الذي دفع الثمن”.

المصدر: رصيف 22