أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » من ينقذ مناطق المصالحات من انتقام الأسد..؟*

من ينقذ مناطق المصالحات من انتقام الأسد..؟*

ما من سوري تتواصل معه في الداخل، إلا وأول ما يحدثك عنه هو الانهيار الأخلاقي الذي بات عليه المجتمع السوري في الآونة الأخيرة، ويصور لك الدعارة والخيانة، على أنهما أصبحتا أمرا عاديا، مثلما تتناول الناس الأكل والشراب.

هذا الحديث المباشر عن الانحلال الأخلاقي ذي الجانب الجنسي فقط، يعتقد البعض، أنه يوفر عليهم الكثير من الشروحات عما آلت إليه الأوضاع اليوم في سوريا، أو أنه يلخص جميع الأخبار التي يبحث عنها المغترب عن البلد، بدءا من غلاء الأسعار وصعوبة المعيشة، وانتهاء بالأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية القاسية.

وعلى جانب آخر، يشعر السوري الذي يعيش في الخارج، وهو يستمع إلى هذه الأنباء، بأنه اتخذ قرارا صائبا عندما قرر مغادرة بلده، وفي أحيان كثيرة ينتابه شعور بأن العودة إلى البلد أصبحت صعبة، إن لم تكن مستحيلة.

في الواقع، لا يمكن تجاهل الأحاديث التي تتناول دمار المجتمع السوري في الداخل، وإن كان البعض يرى أن هذا الدمار طبيعي وقد تعرضت له كل المجتمعات التي عانت من نفس الظروف، إلا أن ما يستوقفنا، هو قياس شدة هذا الانهيار من خلال التركيز على العملية الجنسية فقط، التي هي في المحصلة نتيجة لسلسلة طويلة من الانهيارات، كان النظام قد عمل عليها منذ ستينيات القرن الماضي مع تولي حزب البعث للسلطة في سوريا، ثم تبلور هذا الانهيار المجتمعي في عهد الأسدين، الأب والابن، اللذين أعليا من قيم الفساد، على حساب قيم النزاهة والشرف.

ولا يمكن الإغفال بأي حال من الأحوال، أن المجتمع السوري، دخل الثورة وهو غير متماسك أخلاقيا، نتيجة للتخريب الذي مارسه النظام السوري على مدى أكثر من أربعين عاما، وطال كل قيم المجتمع الأساسية، والذي سرعان ما انعكس على مسار هذه الثورة، وتسبب في تشتيتها وتمزيقها إلى رايات من شتى الأشكال والألوان، وتنازع على قيادتها كل المارقين والانتهازيين والوصوليين.

وبالتالي فإن الحديث اليوم عن ازدياد حالات الطلاق والتشتت الأسري أو انتشار الخيانة على نطاق واسع، قد يكون نتيجة مباشرة لمجريات الحرب، التي سوف تزول بزوالها، لكن الحديث عن أولئك القادة الذين خدعوا مجتمعاتهم وسلموا مناطقهم للنظام وتصالحوا معه، متناسين ومتجاهلين ما ألحقه هذا النظام من أذى بهم وبأهلهم ومناطقهم، هو برأينا قمة الانحلال الأخلاقي، الذي يجب أن يركز عليه السوريون في الداخل عندما يتواصل معهم ذووهم من الخارج.

نحن اليوم أمام واقع مأساوي بكل معنى الكلمة، يعيشه السوريون الذين كانوا في مناطق المعارضة، قبل أن يسيطر عليها النظام مجددا، أو ما يسمى بمناطق المصالحات، فهم أصبحوا عرضة لكل العمليات الانتقامية، ويتصيدهم النظام الواحد تلو الآخر، ضاربا بعرض الحائط كل الضمانات التي قدمها لهم، بأن لا يتعرضوا لأذى.. ويوميا هناك عشرات الاعتقالات، لأبناء هذه المناطق، بالإضافة إلى التعميمات والتوجيهات الحكومية، التي تخبرهم، بأنهم محرومون من كل حقوقهم المدنية، وبأنهم باتوا مقيدين في سجلات الدولة، بأنهم خونة ومتهربون من حماية الوطن والدفاع عنه.

هؤلاء اليوم لا أحد يتحدث في قضيتهم، أو بالأحرى لا أحد يجرؤ على إثارة ما يتعرضون له، حتى من سوريي الداخل، عندما يتواصل معهم أحد من الخارج، وبدل ذلك يتركز اهتمامهم وحديثهم على أعراض النساء، باعتباره الصورة المثلى للوضع الراهن في الداخل.

هذا باختصار ما قالته لي إحدى السيدات السوريات، والتي قام النظام باعتقال إثنين من أبنائها في ريف درعا قبل نحو أسبوع، بينما فشلت كل محاولاتها في إيجاد من يستمع إلى صوتها ويوصله إلى الإعلام.

ثم ختمت بالقول: “كأن قدر المرأة السورية، إما أن تكون ثكلى أو متهمة بشرفها، ولا خيار ثالث أمامها.. فماذا عن أولئك الرجال الذين تخلوا عن شرفهم وكرامتهم وعن دماء أبنائهم وعن أعراضهم التي انتهكها النظام..؟ لماذا لا تفضحونهم وقد هربوا وتركونا نواجه مصيرنا منفردين أمام هذا النظام المجرم ..؟”

حقيقة لم أعرف ماذا أرد عليها..فجميعنا ضحية فشل هؤلاء السفلة، الذين رباهم النظام، فكانوا خير معين له على أهلهم وذويهم.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فؤاد عبد العزيز – من كتاب “زمان الوصل”



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع