أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » خيمة النازح الصغير : لم يعد بالنسبة للنازحين شتاء الخير الذي يروي الأرض ويسقي الزرع كما كان قبل النزوح.

خيمة النازح الصغير : لم يعد بالنسبة للنازحين شتاء الخير الذي يروي الأرض ويسقي الزرع كما كان قبل النزوح.

تجربة العيش في مخيمات النزوح لا يدرك صعوبتها إلا من يجربها، خصوصاً في أيام الشتاء. وكأن النازحين لا يكفيهم التهجير من منازلهم هرباً من الحرب والموت، حتى يعلقوا في مخيمات لا تصلح للعيش الآدمي، وفي خيم يغرقها المطر وتهشمها الرياح.

حين نزحت أسرة محمد بعد اشتداد القصف على مدينته في سورية، وسقوط القذائف على الحيّ، لجأت مثلها مثل آلاف العائلات إلى مخيم يتسع لآلاف الخيم. كان محمد يظن أن بقاءهم في الخيمة لن يطول، لكن الإقامة طالت، وأصبحت خيمتهم هي المنزل البديل، والعودة التي يتمناها إلى مدينته لم تتحقق حتى الآن.

للعام الثالث على التوالي، يأتي الشتاء ويُغرق خيمة محمد وباقي الخيم. ورغم استعداد النازحين قدر الإمكان، وتجهيزهم للخيم بما يمكّنهم من مواجهة ظروف الطقس الشتوية القاسية، إلا أن الشوادر التي وفرتها لهم جهات الإغاثة لم تصمد أمام قوة العواصف وشدة المطر.

والد محمد المريض تذكر حين استفاق على صوت المطر ما حصل معهم في الشتاء الماضي، وتمنى في قرارة نفسه أن تتمكن الخيمة من الصمود، وألا تنساب المياه إلى داخلها كالسابق.

المطر باغت محمد ورفاقه، وأرض المخيم الترابية سرعان ما حولها المطر إلى وحول، وبات من المستحيل البقاء خارج الخيم رغم أنها لا تردّ عنهم البرد والبلل كما يجب. وحين سمع محمد صوت شقيقه يناديه للدخول إلى الخيمة، شعر بالحاجة إلى العودة أكثر من أي وقت مضى إلى بيته والجلوس قرب المدفأة، وتناول المشروبات الساخنة التي كانت تعدها لهم والدته في مساءات الشتاء.

شكاوى الأطفال تزيد في الظروف الصعبة، لا يحتملون الصعوبات بقدر الكبار. اشتكى محمد من أن البقاء داخل الخيمة لا يفرق كثيراً عن البقاء خارجها، فالأرض سابحة بالماء. وتعلقت عيون الصغير نحو السماء ينتظر مثل الجميع أن يتوقف المطر، ليتمكنوا من إفراغ خيمهم من المياه قبل حلول الظلام.

مشاكل النازحين في المخيمات لا تنتهي، وحين تمطر لا يلحق البلل بالفرش وأرضيات الخيم فقط، بل تتسرب مياه المطر التي تحمل غبار الجو والرمال إلى مياه الشرب المخزنة. لذلك كان على محمد وأخته أن يتحملا العطش لأن المياه أصبحت غير صالحة للشرب.

هكذا حال الشتاء الذي يأتي ثقيلاً على النازحين، تحمل أمطاره البرد والأمراض وتزيد الأحوال سوءاً. ولم يعد بالنسبة للنازحين شتاء الخير الذي يروي الأرض ويسقي الزرع كما كان قبل النزوح.



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع